رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العيد جلولي: الأدب المرآة الأكثر صدقًا للإنسان في حالاته |حوار

الدكتور العيد جلولي،
الدكتور العيد جلولي، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الجزائر

العيد جلولي لـ “إيجبتك”

تخصصي في الأدب انجذابًا غامضًا نحو اللغة

التحدي الثقافي الأبرز للطفل العربي اختلال البيئة الثقافية

الكتابة للطفل في العصر الرقمي لا تعني منافسة الشاشة بل فهم منطقها 

الشعر في تنشئة الطفل العربي أوسع من كونه وسيلة لإثراء المفردات

منذ خطواته الأولى نحو عالم الكلمات، لم يكن اقتراب الدكتور العيد جلولي، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الجزائر، من الأدب قرارًا مخططًا بقدر ما كان انجذابًا فطريًا إلى سحر اللغة وأسئلتها، إذ بدأ قارئًا شغوفًا، ثم تحوّل هذا الشغف تدريجيًا إلى وعي نقدي يبحث في كيفية تشكل النصوص، ومن هنا، اختار الأدب والنقد مسارًا.

في هذا الحوار، يفتح جلولي نافذة على قضايا ملحّة في المشهد الثقافي العربي، بدءًا من تحديات الطفل في ظل العصر الرقمي، مرورًا بواقع أدب الأطفال، ووصولًا إلى دور الثقافة في أزمنة الأزمات، كما يتوقف عند أهمية الشعر في تشكيل وجدان الطفل، ودور الكاتب في موازنة الخيال مع الوعي، مؤكدًا أن الثقافة اليوم لم تعد ترفًا، بل ضرورة إنسانية، خاصة في ظل التحولات والصراعات التي تعيشها المنطقة، وإليكم نص الحوار:

أنت متخصص في مجال الأدب والنقد، احكي لنا بداياتك مع الأدب ولما هذا التخصص؟

بدايتي مع الأدب لم تكن قرارًا واعيًا بقدر ما كانت انجذابًا غامضًا نحو اللغة، كنت أجد نفسي منذ الصغر مشدودًا إلى الكلمات لا بوصفها وسيلة للتواصل فقط بل كعالم قائم بذاته، كنت أقرأ بنهم، أحيانًا دون فهم كامل، لكن بشغف لا ينطفئ، كانت النصوص تتركني في حالة تساؤل دائم، كيف يمكن لجملة بسيطة أن تُبكي أو تُربك أو تُشعل فكرة؟

مع مرور الوقت، تحوّل هذا الفضول إلى رغبة في الفهم فلم يعد يكفيني أن أقرأ بل أردت أن أعرف كيف يُبنى النص، كيف تتشكل الصورة، لماذا تبدو بعض الكتابات صادقة حدّ الألم، وأخرى باردة رغم جمالها. هنا بدأ الطريق نحو النقد الأدبي؛ لأنه المجال الذي يمنحك مفاتيح القراءة العميقة، لا السطحية.

لماذا تخصص الأدب بالتحديد؟

اختياري للأدب تحديدًا يعود إلى إيماني بأنه المرآة الأكثر صدقًا للإنسان في الأدب، ففيه تجد الإنسان في ضعفه وقوته، في تناقضاته، في أسئلته الوجودية، أما النقد، فهو محاولة لفهم هذه المرآة وتفكيكها، وتأمل ما تعكسه دون الانخداع ببريقها فقط.

كما أنني وجدت في النقد مساحة للتوازن بين الذائقة والعقل، فالأدب يُحسّ لكن النقد يُفكَّر فيه، هذا الجمع بين الإحساس والتحليل هو ما جعل هذا التخصص قريبًا إلى نفسي فلم أكن أبحث عن إصدار الأحكام بقدر ما كنت أبحث عن الفهم، وعن القدرة على قراءة ما بين السطور.

باختصار، لم أختر الأدب لأنه سهل أو لأنه طريق واضح، بل لأنه سؤال مفتوح، وكلما تعمقت فيه، أدركت أنني في بداية الطريق دائمًا.

من وجهة نظرك ما هو التحدي الثقافي الأبرز للطفل العربي؟

التحدي الثقافي الأبرز للطفل العربي اليوم ليس نقص المحتوى، بل اختلال البيئة الثقافية التي يتكوّن فيها وعيه فنحن أمام طفل يعيش بين عالمين متباعدين؛ عالم محلي يقدّم له لغة وتعليمًا في كثير من الأحيان تقليديين، وعالم رقمي مفتوح وسريع ومليء بالجاذبية، لكنه غالبًا لا يعكس هويته ولا يخاطبه بلغته الأم بعمق.

أول هذا التحدي هو ضعف العلاقة باللغة العربية، فالطفل العربي يتلقّى العربية أحيانًا بوصفها مادة دراسية جامدة لا ككائن حيّ يحكى ويُحبّ ويُكتشف وفي المقابل يجد في اللغات الأجنبية محتوى ممتعًا ومتحرّكًا (ألعاب، رسوم، فيديوهات)، فينشأ لديه انفصال تدريجي بين لغته وهويته من جهة، ومتعة التعلم والاكتشاف من جهة أخرى.

التحدي الثاني يتمثل في هيمنة المحتوى الرقمي السريع منصات مثل YouTube وTikTok تعيد تشكيل ذائقة الطفل، فتجعله يميل إلى التلقي السريع والمجزّأ، على حساب القراءة العميقة والتخيّل الطويل الذي يحتاجه الأدب، وهنا لا يصبح الكتاب منافسًا ضعيفًا فحسب بل كائنًا غريبًا في عالم الطفل.

أما التحدي الثالث فهو ندرة المحتوى العربي الموجّه للطفل بجودة عالية، خاصة في الأدب والخيال فكثير من الإنتاج إمّا تعليمي مباشر يفتقر للمتعة، أو تقليدي لا يواكب تحولات الطفل المعاصر، والطفل اليوم ذكي بصريًا وسرديًا ويحتاج إلى نصوص تحترم هذا الذكاء.

هناك أيضًا أزمة الوسيط الثقافي فالأسرة والمدرسة، في كثير من الحالات لم تعد القراءة عادة يومية، ولا الكتاب جزءًا من الحياة المنزلية وإذا غاب “النموذج القارئ”، يصعب إقناع الطفل بأن القراءة ضرورة وليست واجبًا مدرسيًا.

في رأيي، الحل لا يكون في مقاومة العصر الرقمي، بل في الدخول إليه بوعي كإنتاج محتوى عربي جذاب ينافس عالميًا وإعادة تقديم العربية بطريقة حيّة وقريبة من الطفل وايضا دمج الأدب بالوسائط الحديثة (صوت، صورة، تفاعل).

والأهم هو بناء علاقة حب مبكرة بين الطفل والكتاب، لأن الطفل الذي يحب الحكاية، لن يضيع طريقه مهما تغيّر العالم من حوله.

ما هي مواصفات كاتب الأطفال الجيد؟

كاتبُ الأطفال الجيّد ليس مجرد من “يبسّط” اللغة، بل من يفهم عالم الطفل من الداخل، ويحترمه كقارئ كامل لا كعقل ناقص فهناك مجموعة من السمات إذا اجتمعت، صنعت كاتبًا حقيقيًا في هذا المجال:

أولًا: القدرة على رؤية العالم بعين الطفل؛ ليس بالتكلّف أو التصنّع، بل بالتعاطف الحقيقي فالكاتب الجيد يتذكّر دهشة الأشياء الأولى كالمطر، الظل، الخوف الصغير، والأسئلة التي تبدو بسيطة لكنها عميقة.

ثانيًا: لغة حيّة وبسيطة دون تسطيح؛ الطفل لا يحتاج لغة فقيرة، بل لغة واضحة وموسيقيّة، الجملة يجب أن تكون سهلة، لكنها تحمل صورة وإيقاعًا يثير الخيال. الفرق كبير بين “البساطة” و“السطحية”.

ثالثًا: خيال خصب ومقنع؛ الأطفال ينجذبون إلى العوالم المدهشة، لكنهم يرفضون ما هو مصطنع، الخيال الناجح هو الذي يفتح باب الدهشة ويظلّ منطقيًا داخل عالمه.

رابعًا: احترام ذكاء الطفل؛ الكاتب الجيد لا يلقّن ولا يعظ بشكل مباشر، القيم تُزرع داخل الحكاية، لا تُفرض فوقها. الطفل يكتشف المعنى بنفسه، وهذا ما يجعله يتأثر حقًا.

خامسًا: فهم نفسيات المراحل العمرية؛ ما يناسب طفلًا في السادسة لا يناسب مراهقًا صغيرًا، الكاتب الناجح يعرف الفروق: في اللغة، في الموضوع، في طريقة السرد.

سادسًا: القدرة على التشويق؛ القصة يجب أن تمسك الطفل من البداية؛ حدث، مفاجأة، سؤال، أو شخصية قريبة منه. الملل هو العدو الأول لأدب الأطفال.

سابعًا: الحسّ التربوي غير المباشر؛ ليس دور الكاتب أن يكون معلمًا تقليديًا، لكن من المهم أن يحمل النص قيمًا إنسانية؛ الصدق، الشجاعة، التعاطف، دون خطاب مباشر.

ثامنًا: الانفتاح على الوسائط الحديثة؛ كاتب الأطفال اليوم لا يعيش فقط في الكتاب الورقي، بل يفهم عالم الصورة والصوت والتفاعل، ويكتب وهو واعٍ بأن نصه قد يتحول إلى محتوى مرئي أو رقمي.

في النهاية، كاتب الأطفال الحقيقي هو من يكتب بنوع من “الصدق الداخلي”، الطفل قارئ حسّاس؛ يكتشف الزيف بسرعة، لكنه إذا أحب نصًا، يمنحه ثقته الكاملة، وهذه أصعب وأجمل مسؤولية.

كيف نكتب للطفل في ظل العصر الرقمي؟

الكتابة للطفل في العصر الرقمي لا تعني منافسة الشاشة فقط، بل فهم منطقها ثم توظيفها لصالح الأدب، دون أن نفقد روح الحكاية فالطفل اليوم لم يعد متلقيًا صامتًا؛ بل هو سريع، بصري، وتفاعلي، وإذا لم نأخذ ذلك بعين الاعتبار، سنكتب لنمط قارئ لم يعد موجودًا.

أول ما ينبغي إدراكه هو أن منصات مثل YouTube وTikTok غيّرت إيقاع التلقي لذلك، البداية القوية أصبحت ضرورة فلا مجال لمقدمات طويلة، بل يجب أن يدخل الطفل مباشرة في الحدث أو المفارقة أو السؤال، لكن هذا لا يعني التضحية بالعمق فالتحدي الحقيقي هو كتابة نص سريع الإيقاع، عميق الأثر، ويمكن تحقيق ذلك عبر مشاهد قصيرة متتابعة (تشبه “لقطات” وحوار حيّ بدل السرد المطوّل، ونهاية مفتوحة أو مفاجئة تحفّز التفكير.

ومن جهة أخرى ينبغي أن نعيد التفكير في شكل النص نفسه فالكتاب لم يعد الشكل الوحيد بل يمكن أن يتحوّل إلى قصة مسموعة (بودكاست أو تسجيل صوتي)، أو الى فيديو قصصي بسيط او قصة تفاعلية يشارك الطفل في قراراتها.

هنا، الكاتب الذكي لا يكتب فقط “نصًا”، بل يكتب قابلية للتحوّل إلى وسائط متعددة، وأيضًا، يجب استثمار ما يجذب الطفل رقميًا بدل رفضه فعنصر اللعبة، وألغاز داخل القصة وعنصر المشاركة كدعوة الطفل لتخيل نهاية أو رسم شخصية، ايضا عنصر الهوية كإدخال بيئة الطفل العربية لكن بروح معاصرة.

ومع ذلك هناك خط أحمر لا ينبغي أن يتحول الأدب إلى نسخة مقلّدة من المحتوى السريع فوظيفة الأدب هي أن يمنح الطفل ما لا تعطيه الشاشة كالخيال العميق، البطء الجميل، والتأمل، فالكاتب الناجح اليوم هو من يوازن بين أمرين؛ فهم العصر الرقمي والتكيّف معه، والحفاظ على جوهر الحكاية كمساحة إنسانية للتخيل، بعبارة أوضح لا نكتب ضد الشاشة، بل نكتب بذكاء يجعل الطفل يعود إلى القصة رغم كل ما حوله.

ما أهمية الشعر في تنشئة الطفل العربي؟ هل يقتصر دوره فقط على إثراء اللغة أم له أبعاد أخرى؟

الشعر في تنشئة الطفل العربي أوسع بكثير من كونه وسيلة لإثراء المفردات، صحيح أنه يطوّر اللغة، لكنه في العمق يُشكّل وجدان الطفل وطريقة إحساسه بالعالم.

أولًا: بناء الحسّ الجمالي

الإيقاع، القافية، والصورة الشعرية تدرّب أذن الطفل على الموسيقى الداخلية للغة فالطفل الذي يسمع الشعر مبكرًا لا يتعلم الكلمات فقط، بل يتعلم كيف “تُقال” الأشياء بجمال وهذا الحس الجمالي يرافقه لاحقًا في القراءة والكتابة وحتى في الذوق العام.

ثانيًا: تنمية الخيال

الشعر بطبيعته تكثيف وصورة وحين نقول للطفل “القمر يبتسم” أو “الريح تغنّي” فنحن نفتح أمامه باب التخيل، وهذا الخيال ليس ترفًا، بل أساس التفكير الإبداعي.

ثالثًا: تهذيب المشاعر

الشعر يعلّم الطفل التعبير عن الفرح والخوف والحزن، والدهشة بطريقة إنسانية وبدل أن تبقى المشاعر مبهمة فالشعر يمنحها أسماء وصورًا، وهنا تكمن قيمته التربوية العميقة وهي تنظيم العاطفة لا كبتها.

رابعًا: ترسيخ الهوية الثقافية

الطفل العربي حين يتذوق الشعر، يقترب من روح لغته وتراثه، دون أن يكون ذلك تلقينًا مباشرًا، الإيقاع العربي تحديدًا يحمل في داخله ذاكرة ثقافية ممتدة.

خامسًا: تقوية الذاكرة والانتباه

بفضل الوزن والقافية، يسهل حفظ الشعر، وهذا يعزز الذاكرة السمعية والتركيز، بطريقة ممتعة لا يشعر معها الطفل أنه يتعلّم.

سادسًا: خلق علاقة وجدانية مع اللغة

وهذا ربما أهم من كل ما سبق، كثير من الأطفال يتعاملون مع العربية كلغة مدرسية ثقيلة، لكن الشعر يجعلها لغة “محبوبة” إذا أحب الطفل اللغة، سيسعى لاكتشافها بنفسه.

لكن هنا ملاحظة مهمة وهي ان الشعر الموجّه للطفل يجب أن يكون حيًّا وبسيطًا وقريبًا من عالمه، لا نصوصًا وعظية أو معقّدة فالطفل لا يتفاعل مع “الدروس”، بل مع الدهشة والإيقاع.

باختصار، الشعر لا يعلم الطفل كيف يتكلم فقط، بل كيف يشعر، ويتخيّل، ويتذوّق العالم، ولذلك، دوره في التنشئة ليس تكميليًا، بل أساسي إذا قُدّم له بالشكل الصحيح.

هل ستؤثر الأزمات الثقافية في الوطن العربي على الكتاب الورقي، في ظل إلغاء وتأجيل عدد من الدول العربية معارضها الدولية للكتاب مثل أبو ظبي وعمان وأربيل؟ 

سؤالك في صميم التحوّل الثقافي العربي اليوم، والإجابة ليست بسيطة بـ “نعم” أو “لا”، بل تحتاج إلى تفكيك العلاقة بين الأزمة الثقافية والكتاب الورقي.

لنبدأ بالحقيقة المباشرة وهي ان هذه الأزمات نعم تؤثر على الكتاب الورقي لكن لا تقضي عليه، من خلال طرح عدد من الأسئلة:

أولًا: لماذا تُعدّ معارض الكتاب “شريان حياة” للنشر العربي؟

في العالم العربي، معارض الكتاب ليست مجرد تظاهرات ثقافية، بل هي سوق بيع رئيسي فالناشر العربي يعتمد بشكل كبير على البيع المباشر في المعارض، بسبب ضعف شبكات التوزيع، فكثير من دور النشر تعيش على موسم المعارض السنوي، وإلغاء أو تأجيل هذه المعارض سيحدث ما يشبه “شللًا مؤقتًا” في السوق، بل إن بعض التقديرات تصف الأمر بأنه “زلزال يهدد شريان الحياة” للناشرين. 

ثانيًا: هل يعني ذلك نهاية الكتاب الورقي؟

ليس بهذه السرعة فرغم كل الأزمات لا يزال الكتاب الورقي يحتفظ بقيمته الرمزية والوجدانية لدى القارئ العربي، والقراءة الورقية ليست مجرد وسيلة، بل تجربة حسّية ممتعة، لكن المشكلة ليست في “الرغبة بالقراءة”، بل في الوصول إلى الكتاب.

ثالثًا: الخطر الحقيقي ليس الإلغاء بل ما تكشفه

الأزمات الحالية من خللً أعمق تمثل في هشاشة البنية الثقافية، والاعتماد شبه الكلي على المعارض بدل وجود سوق توزيع مستقر، فالكتاب الورقي سيبقى، لكن لن يعود كما كان، بل سيضطر لأن يجد لنفسه مكانًا جديدًا في عالم لم يعد يعتمد على الجغرافيا، بل على الوصول.

بما إنك مُمثل الألكسو عام 2025 لخدمة الطفل، ما أبرز ما جاء في هذا الاجتماع بشأن الارتقاء بالطفل العربي في ظل الحروب

الحديث عن دور الألكسو في هذا السياق يقودنا إلى نقطة أساسية وهي أنه لم يعد الاشتغال على ثقافة الطفل ترفًا تربويًا، بل أصبح ضرورة إنسانية عاجلة، خاصة في ظل ما يعيشه الطفل العربي في مناطق النزاع.

ما يمكن استخلاصه من تلك الاجتماعات—ومن النقاشات التي دارت حولها—هو أن المقاربة تغيّرت من “تنمية ثقافية عامة” إلى استجابة ثقافية إنقاذيه تراعي وضع الطفل في الأزمات.

أولًا: الانتقال من الترف الثقافي إلى الحماية الثقافية

برز اتجاه واضح نحو اعتبار الثقافة جزءًا من الدعم النفسي والاجتماعي للطفل، لا مجرد نشاط موازٍ.

القصة، المسرح، والرسم لم تعد أنشطة ترفيهية، بل أدوات لعلاج الصدمات.

تم التأكيد على إدماج الأدب والفنون ضمن برامج الدعم في مناطق النزاع ومخيمات اللجوء.

ثانيًا: أدب الطفل في مناطق النزاع

طُرحت فكرة تطوير “أدب موجه للطفل في الأزمات”، بخصائص مختلفة؛ لعل من أهمها أن تكون الكتابة للطفل بلغة بسيطة مطمئنة، لا تُنكر الواقع ولا تُفزِع الطفل، وأن تعالج قصص الأطفال الخوف، الفقد، والتهجير بشكل غير مباشر، حضور الأمل دون تزوير للواقع، وهنا تم التأكيد أن الكاتب لم يعد يكتب فقط للمتعة، بل للمواساة وإعادة بناء المعنى.

ثالثًا: أولوية الطفل المتضرر من الحروب

في ظل ما تعيشه مناطق مثل غزة وسوريا واليمن، كان التركيز على:

إيصال الكتاب إلى الطفل أينما كان (حتى في المخيمات).

دعم مبادرات “المكتبات المتنقلة”.

إنتاج مواد رقمية خفيفة يمكن الوصول إليها دون بنية تحتية قوية.

رابعًا: التحول الرقمي كحل إنساني

لم يُطرح الرقمي كمنافس للورقي، بل كـ وسيلة إنقاذ:

منصات قصصية مجانية للأطفال.

محتوى صوتي للأطفال الذين فقدوا إمكانية التعليم النظامي.

تطبيقات بسيطة تدعم التعلم والقراءة في ظروف صعبة.

خامسًا: تكوين الكاتب والمربي

تم التشديد على ضرورة:

تدريب كتاب الأطفال على الكتابة في سياق الأزمات.

تأهيل المربين لاستخدام القصة كأداة دعم نفسي.

أي أن المسألة لم تعد إنتاج نصوص فقط، بل بناء كفاءات بشرية قادرة على التعامل مع الطفل الجريح.

سادسًا: الهوية في مواجهة التفكك

رغم كل شيء، كان هناك وعي عميق بأن الطفل في الحرب لا يفقد فقط الأمان، بل قد يفقد انتماءه، لذلك تم التأكيد على:

الحفاظ على اللغة العربية كجسر هوية.

إنتاج محتوى يعزز الانتماء دون خطاب إيديولوجي ثقيل.

الخلاصة: ما خرجتُ به من تلك التجربة يمكن تلخيصه في فكرة واحدة؛ الطفل العربي اليوم لا يحتاج فقط إلى تعليم… بل إلى “إعادة ترميم إنساني” عبر الثقافة، ودور الألكسو—في حدود الإمكانات—كان يتجه نحو: جعل الثقافة أداة حماية والأدب وسيلة شفاء والكتاب جسرًا بين الطفل وذاته في عالم يتفكك حوله في زمن الحروب، تصبح القصة أكثر من حكاية… تصبح وطنًا صغيرًا يحتمي به الطفل.

كيف لك أن تقرأ المشهد الثقافي في الوطن العربي خاصة في ظل الصراعات في المنطقة؟ 

المشهد الثقافي في الوطن العربي اليوم يتحرك داخل مساحة مشحونة بالتوتر والتحول، حيث فرضت الصراعات في مناطق مثل غزة وسوريا والسودان واقعًا جديدًا جعل الثقافة أقرب إلى “فعل مقاومة” منها إلى نشاط ترفيهي؛ فالنصوص أصبحت أكثر التصاقًا بالإنسان وأسئلته الوجودية، بينما تراجعت أدوار المؤسسات لصالح المبادرات الفردية والفضاءات الرقمية التي منحت حرية أوسع لكنها أفرزت أيضًا فوضى في المعايير وسرعة في الاستهلاك. ورغم وفرة الإنتاج، يبقى القارئ الحلقة الأضعف بفعل الظروف الاقتصادية وضعف البنية الثقافية، في حين يتأرجح سؤال الهوية بين التشبث بالجذور والانفتاح على العالم. لذلك، لا يمكن وصف المرحلة بالانهيار بقدر ما هي مرحلة انتقالية قاسية تعيد تشكيل الوعي الثقافي العربي، حيث تحاول الثقافة أن تتكيف مع الألم وتحوّله—إن نجحت—إلى طاقة إبداع وبناء.

كيف ترى دور المثقف في ظل الأزمات وهل دوره مؤثر؟

دور المثقف في ظل الأزمات ليس هامشيًا كما يُشاع، ولا يُقاس بقدر الضجيج أو الحضور الإعلامي، بل بعمق الأثر في تشكيل الوعي. ففي سياقات مضطربة مثل ما تعيشه غزة والسودان، قد يبدو صوت القوة أعلى من صوت الفكرة، لكن المثقف يظل حاضرًا بوصفه شاهدًا يوثّق، ومفسرًا يمنح المعنى للحدث، وحارسًا للذاكرة الجماعية من التزييف أو النسيان. صحيح أن تأثيره قد يكون بطيئًا وغير مباشر، وأن الثقة بالمؤسسات الثقافية تراجعت أمام سرعة الإعلام وضغط الواقع، لكن غيابه يخلق فراغًا تُملؤه خطابات أكثر سطحية أو تطرفًا. لذلك فالمثقف لا يُقاس تأثيره بلحظة الحدث، بل بقدرته على ترسيخ وعي طويل المدى، حتى وإن بدا صوته خافتًا، لأنه في النهاية يعمل على تشكيل البنية العميقة للفكر الجمعي لا على الاستجابة الآنية فقط.

 كنت لفت في حوار سابق إلى قضائك فترة في مصر؛ فما هي ذكرياتك في مصر وماذا تفتقد الآن؟

اريد ان اكتب مستقبلا عن رحلاتي الى مصر لأنها تمثل لي فضاء ثقافيا كثيف التأثير، بحكم تاريخها في السينما، والمسرح، والصحافة، والجامعة، وبحكم حضورها في تكوين أجيال من الكتّاب والمثقفين العرب. كثيرون يصفونها بأنها “مختبر ثقافي عربي” لما فيها من تنوع اجتماعي وحيوية لغوية وحضور فني قوي، ولذلك فإن ما يلفت الانتباه عادة في الحديث عنها هو هذا التداخل بين اليومي والبسيط من جهة، وبين العمق الثقافي والتاريخي من جهة أخرى. وإذا كان هناك شيء “يُفتقد” في وصف كثير من المثقفين الذين مرّوا بتجارب فيها، فهو غالبًا تلك الحيوية الثقافية في الشارع، وسهولة الاحتكاك بالكتاب والفنانين، وكثافة النقاش العام حول الأدب والفكر.

ما أقصى طموحات الدكتور العيد جلولي أستاذ الأدب والنقد؟

بشكل عام، طموحاتي كأستاذ في الأدب والنقد وانطلاقا من موقعي العلمي تكون غالبًا مرتبطة بتوسيع أثر البحث والمعرفة، سواء عبر تطوير دراسات نقدية خصوصا في مجال تخصصي في مجال ادب وثقافة الأطفال والفتيان والإسهام في تكوين أجيال جديدة من الباحثين والكتّاب، وخدمة أدب الطفل العربي من خلال قراءة جديدة للمنجز الابداعي في مجال ما كتب للأطفال.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء