رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
جزر مضيق هرمز
جزر مضيق هرمز

في ضوء التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، والذي اتخذ منحى أعمق بتوجيه ضربة جوية أمريكية واسعة إلى جزيرة خارك، تتجلى أهمية الجزر الإيرانية في مضيق هرمز وخارجه كعناصر استراتيجية حاسمة في الصراع الراهن.


ومع انتشار تقارير حول إرسال آلاف الجنود الأميركيين إلى الشرق الأوسط، تزداد التكهنات بشأن المهمة التي ستكلّف بها هذه القوات، فهل سيكون الهدف السيطرة على جزيرة خارك الإيرانية، وهي مركز حيوي للوقود في شمال الخليج، وتتولى معالجة نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية ، لكن خارك ليست سوى واحدة من عشرات الجزر الإيرانية في الخليج العربي، وقد تكون جزر أخرى أكثر أهمية لضمان المرور الآمن للسفن، بما في ذلك القطع البحرية، عبر مضيق هرمز.


وتُشكل الجزر فى مضيق هرمز مايسمى"قوس الدفاع" الإيراني ، وهي: هنجام، قشم، لارك، هرمز، بالإضافة إلى الجزر الإماراتية الثلاثة التي تحتلها إيران، أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى طبقا لمركز ابحاث جامعة سون يات سن بمدينة تشوهاي الصينية. 


وإذا ما نظرنا إلى المسرح البحري الإيراني على الخليج العربي نجد انه يمتد بطول حوالي 2,440 كيلومتراً، من الحدود العراقية في الشمال الغربي إلى مضيق هرمز في الجنوب الشرقي، ويعد هذا الساحل أطول سواحل الدول المطلة على الخليج العربي، ويضم موانئ حيوية مثل بندر عباس وبوشه، وهى منطقة جيوسياسية  وخاصة  مضيق هرمز الذى يعتبر حلقة الوصل الأساسية بين الخليج العربي وخليج عُمان مع المحيط الهندى  حيث يمر منه يومياً ما معدله 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات البترولية (حسب بيانات 2025-2026)،  وهو ما يعادل نحو 20-25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، كما يمر عبره 80% من صادرات النفط الموجهة إلى آسيا. 


ورغم أن عرض مضيق هرمز في أضيق نقاطه يقارب ثلاثة وثلاثين كيلومتراً، فإن الملاحة التجارية لا تستخدم كامل هذا العرض، بل تمر عبر ممرات ملاحية محددة لا يتجاوز عرضها 12-13كم ، وتقع هذه الممرات بين الساحل الإيراني شمالاً وشبه جزيرة مسندم العُمانية جنوباً ضمن نظام دولي يتكوّن من ممر دخول وممر خروج ومنطقة عازلة بينهما، وهو ما يعنى تركيز حركة السفن داخل المضيق في قنوات ضيقة نسبياً، ما يجعلها أكثر عرضة للمراقبة أو التعطيل في حال التصعيد العسكري.


ويبرز فى هذا السياق عدد من الجزر داخل الخليج العربى تسيطر عليها إيران مثل  جزر قشم وهرمز ولارك عند المدخل المباشر للمضيق وجزر تسيطر عليها وتتنازع عليها مع  الإمارات مثل  أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، أما في عمق الخليج العربي فتؤدي جزر خارك٦ ولافان وسيري أدواراً اقتصادية حيوية مرتبطة بمنظومة الطاقة والتصدير الإيرانية وهو ما يمكن  ايضاحه فى تقسيم الجزر الايرانيه فى الخليج العربى كالآتى : 


جزر خارك ولافان وسير وهى ما يطلق عليها جزر الطاقة، حيث تشكل ركائز مباشرة في بنية الطاقة البحرية الإيرانية. وتأتي في مقدمتها جزيرة خارك التي تمثل أكبر محطة لتصدير النفط الإيراني، إذ تتحول هذه الجزيرة بحكم موقعها قبالة ساحل بوشهر إلى عقدة استراتيجية تربط الاقتصاد الوطني بالأمن البحري، فأي تهديد لجزيرة خارك يؤثر مباشرة على قطاع الطاقة  وبالتالى قدرة إيران على تمويل اقتصادها وإدارة أزماتها السياسية والعسكرية.


إلى جانب خارك، تحتل لافان وسيري أهمية واضحة في منظومة الطاقة البحرية، إذ ترتبطان بالحقول البحرية ومنشآت تحميل النفط وتصديره، ورغم أن دورهما أقل مركزية من خارك،إلا أنهما يمثلان محاولة إيرانية لتوزيع البنية النفطية جغرافياً وتقليل الاعتماد على نقطة تصدير واحدة.


وتمثل جزر قشم وهرمز ولارك جوهر المعادلة العسكرية عند مضيق هرمز  وهى جزر السيطرة على بوابة المضيق، فجزيرة قشم، بوصفها أكبر جزيرة في الخليج العربي، تشكل قاعدة خلفية متقدمة للمضيق بفضل قربها من الساحل الإيراني واتصالها السهل بميناء بندر عباس، وهذا الموقع يمنحها دوراً مركباً يشمل الإسناد اللوجستي وتخزين المعدات ودعم الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والعمل كمنصة مراقبة واسعة.
أما جزيرة هرمز، فعلى الرغم من صغر مساحتها، فإن موقعها عند المدخل المباشر للمضيق يمنحها قيمة كبيرة، فقد تحولت من بوابة تجارية تاريخية إلى نقطة إشراف على السفن الداخلة إلى الخليج والخارجة منه، كما تسمح تضاريسها المرتفعة نسبياً بنشر الرادارات وأنظمة المراقبة.


وتزداد حساسية جزيرة لارك بسبب قربها المباشر من ممرات الملاحة الفعلية ، إذ تمر السفن في هذه المنطقة داخل القنوات الملاحية على مسافة قريبة نسبياً من الساحل الإيراني،  وهو ما يمنح الجزيرة قيمة تكتيكية كنقطة مراقبة أمامية يمكن منها الرصد ويمكن منها استخدام النيران الساحلية في حال التصعيد.


أماغرب المضيق من مدخل الخليج تبرز أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى بوصفها جزراً تسيطر عليها إيران وتتنازع عليها الإمارات، وتكمن أهميتها الاستراتيجية في قرب موقعها من خطوط الملاحة المتجهة إلى المضيق،  وهو ما يعطى إيران ميزة المراقبة غرباً بحيث لا يبدأ الرصد من هرمز وحده بل من الممرات المؤدية إليه داخل الخليج.


وتعد جزيرة أبو موسى الأكثر أهمية بين هذه الجزر نظراً لموقعها بين الساحل الإيراني والمجال البحري المقابل للإمارات. أما جزيرتى طنب الكبرى وطنب الصغرى، فرغم محدودية مساحتهما، إلا أن قربهما من طرق العبور يمنحهما وزناً استراتيجياً يتجاوز حجمهما الجغرافي.


يضاف إلى ماسبق ميناء بندر عباس  الذى يمثل  الجوهر العملياتي للمنظومة البحرية الإيرانية داخل الخليج العربى وخاصة مضيق هرمز،  والذى خلق بالتعاون مع الجزر القريبة شبكة من القواعد الساحلية والتى من خلالها تدار عمليات الإمداد والصيانة والقيادة. 


 وقد اعتمدت إيران استراتيجية  بحرية  ترتكز على مجموعة من الأدوات المصممة للعمل في بيئة بحرية ضيقة، فإلى جانب الزوارق السريعة المسلحة، تمتلك إيران أسطولاً من الغواصات الصغيرة المصممة للعمل في المياه الضحلة في الخليج العربي، مثل غواصات "غدير" و"فاتح"، القادرة على زرع الألغام أو إطلاق الطوربيدات في الممرات الضيقة.


كما تنشر إيران منظومة من الصواريخ المضادة للسفن على الساحل والجزر، من أبرزها صواريخ "نور" و"قادر"، والصواريخ الباليستية المضادة للسفن مثل "خليج فارس" و"هرمز-2".وتدعم هذه المنظومة شبكة من الطائرات المسيّرة البحرية والاستطلاعية، بينها طائرات من عائلة "شاهد" و"مهاجر"، تستخدم للمراقبة والاستطلاع وربما لتنفيذ هجمات محدودة.


أما الألغام البحرية فتمثل أحد أكثر الأسلحة تأثيراً بأقل تكلفة، ففي مضيق ضيق مثل هرمز لا تحتاج الألغام إلى إغلاق كامل كي تكون فعالة، إذ يكفي الاشتباه بوجودها لفرض عمليات كشف وتمشيط بطيئة وتعطيل حركة الناقلات ورفع تكاليف التأمين.


هذه البنية التحتية الاستراتيجية المحاذية للحدود الإيرانية دفعت طهران إلى تعزيز انتشار قواتها في المحافظات الجنوبية بشكل شامل، مع التركيز على القوات البرية ووحدات الحرس الثوري. واعتمدت إيران في انتشارها على نموذج الدفاع المرن ،  الذى لا يقتصر على خطوط ثابتة، بل يسمح بإعادة تمركز سريع للقوات وفق تطورات الموقف الميداني


كما قام الحرس الثوري بالسيطرة على الجزر الاستراتيجية ضمن منظومة دفاعية متعددة الطبقات، تشمل قواعد صاروخية جاهزة ونقاط اشتباك محددة مسبقًا، بجانب خطوط دفاع ساحلية وداخلية متدرجة، بما يجعل أي عملية إنزال بري معقدة ومكلفة منذ البداية


وقد وضعت طهران خططًا دقيقة لمراقبة المضيق، حيث تم نشر وحدات استخباراتية متخصصة في مواقع استراتيجية على طول الساحل والجزر الإيرانية، بهدف رصد أي تحركات بحرية معادية، وتحديد نقاط إنزال محتملة، وتحليل النشطة غير الاعتيادية، وقد دعمت هذه الوحدات بأنظمة مراقبة متقدمة توفر تغطية مستمرة للممرات البحرية الحيوية، مع تحديد نقاط اشتباك مسبقة للتعامل الفوري مع أي اقتراب عسكري.


ورغم فعالية الأدوات الإيرانية مثل الزوارق السريعة والألغام والصواريخ الساحلية، إلا أنها أدوات تعطيل وإنهاك أكثر من كونها أدوات سيطرة طويلة الأمد ، ولذلك لانستطيع القول بأن القوة الإيرانية في مضيق هرمز ليست مطلقة، فهى تملك قدرة عالية على التعطيل لكنها لا تملك استمراريه فى التحكم الكامل بالممر في مواجهة قوة بحرية وجوية أمريكية ودولية واسعة، كما أن كثيراً من الجزر الصغيرة محدود المساحة والعمق، ما يجعلها عرضة للضربات الدقيقة إذا  ما كُشف عليها من منصات أو رادارات أو مخازن.


وتركز الخطط الإيرانية على منع استقرار أي قوة بعد أي عملية إنزال، من خلال ضربات مباشرة باستخدام الصواريخ المتوسطة والطويلة المدى، الهجمات البحرية السريعة، الطائرات المسيّرة، وعمليات الكوماندوز، بهدف إجبار أي قوة مهاجمة على الانسحاب ومنع تثبيت وجود دائم. ويرى القادة الإيرانيون أن أي سيناريو محتمل لإنزال بري على المضيق يجب أن يواجه ردًا متكاملًا يجمع بين القوات البرية والبحرية والجوية، مع دعم كامل من وحدات الحرس الثوري التي تعمل كنواة للرد السريع والمتزامن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء