تقرير لـ باستيت: لماذا دخل الحوثيون لمساندة إيران؟
أثار إعلان جماعة الحوثي اليمنية في 28 مارس 2026 عن دخولها الحرب إلى جانب إيران من خلال إطلاق الدفعة الأولى والثانية من الصواريخ نحو أهداف إسرائيلية، وذلك بعد مرور شهر من بدء الهجمات الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، الكثير من التساؤلات بشأن دلالات توقيت انضمام هذه الجماعة كجبهة إسناد لطهران، وكذلك حول أسباب تأخرها في دخول الحرب كبقية نظيراتها من الجماعات المسلحة الموالية لإيران في المنطقة.
وعليه، يبدو أن إيران، وفي إطار نهجها القائم على سياسة "الشد والجذب" في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم إعلان مبعوثها للشرق الأوسط ستيفن ويتكوف في 27 مارس من العام الجاري عن احتمالية عقد محادثات مع إيران بشأن إنهاء الحرب، فإن الأخيرة باتت لا تأمن خداع إدارة ترامب؛ حيث جاءت هجمات واشنطن وتل أبيب على إيران في حرب الـ12 يوماً في يونيو 2025 وكذلك في 28 فبراير 2026 في ظل المفاوضات.
وهنا، سيتم العرض فيما يلي لأبرز دلالات توقيت إبراز إيران ورقة الحوثيين في الحرب مع واشنطن وتل أبيب، والتي تتضح في:
1- تعزيز الضغوط على الخصوم:
يأتي إبراز إيران لورقة الحوثيين في الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالتزامن مع اقتراب موعد استئناف المحادثات بشأن الملفات الخلافية مع واشنطن مرة أخرى، وكذلك التوافق حول إنهاء الحرب. فبالتزامن مع إعلان ستيفن ويتكوف في 27 مارس 2026 عن احتمالية عقد محادثات مع إيران هذا الأسبوع، كشفت باكستان عن أنها ستستضيف محادثات بين رباعية إقليمية تضم تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية بشأن التباحث حول الحد من التوترات في المنطقة.
ورغم إعلان الولايات المتحدة الأمريكية خلال وثيقة الـ15 شرطاً/عرضاً التي قدمها ترامب لإيران عن إرجاء الحديث بشأن برنامجها للصواريخ الباليستية، إلا أن غالبية الشروط الأخرى تتجاوز الخطوط الحمراء لإيران، والتي يتضح أبرزها في تفكيك البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، وتسليم جميع المواد المخصبة الموجودة لديها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتخلي إيران عن الوكلاء، فضلاً عن إيقاف إطلاق النار لمدة شهر واحد فقط على غرار الاتفاقات التي كانت تعقدها إسرائيل مع غزة ولبنان. وبالتالي، يتضح أن هذه الشروط تجبر إيران على التخلي عن مقدرات الردع الخاصة في فترة حرجة للغاية من تاريخها تتعرض فيها لتهديدات غير مسبوقة من قبل واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي يبرر رفضها كلياً.
وكذلك، يُعد إدخال إيران جماعة الحوثي إلى الحرب رداً غير مباشر على إعلان القيادة المركزية الأمريكية خلال منشور لها على منصة "إكس" في 28 مارس 2026 عن وصول السفينة USS Tripoli "تريبولي" للمنطقة وعلى متنها 3500 بحار، وتضم السفينة طائرات نقل ومقاتلات هجومية، إلى جانب قدرات هجومية برمائية وأصول تكتيكية متنوعة. وبالتالي، تستهدف إيران من خلال ذلك رفع كلفة أي توسيع لنطاق العمليات العسكرية الأمريكية ضدها، في ظل إعلان واشنطن عن نيتها السيطرة على بعض الجزر الإيرانية الاستراتيجية مثل جزيرة "خرج".
2- الرد على توسيع نطاق الاستهدافات الأمريكية - الإسرائيلية:
جاء إعلان جماعة الحوثي اليمنية عن دخولها الحرب إلى جانب طهران بعد يوم واحد من توسيع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل نطاق هجماتها العسكرية داخل إيران؛ حيث كشفت السلطات الإيرانية في 27 مارس 2026 عن استهداف أكبر مصانع البلاد للصلب، وهما مجمع "فولاد مباركة" بمحافظة أصفهان، ومصنع "فولاذ خوزستان"، مما أسفر عن إصابة عنابر التخزين والمستودعات التابعة لهذه المصانع، الأمر الذي ينذر بخسارة كبيرة لإيران، ولا سيما في ظل الحرب لجهة حرمانها من المادة الخام التي تستخدم في صناعة الصواريخ.
وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي "إيلا واوية" خلال منشور لها على منصة "إكس" عن أن أكثر من 50 طائرة هاجمت منشآت برنامج إيران النووي في 3 مناطق، بما يتضمن منشأة المياه الثقيلة في أراك، ومصنع مواد متفجرة مرتبط بتخصيب اليورانيوم في يزد، ومجمع إنتاج الميثانول في بوشهر جنوب إيران.
3- التلويح بإغلاق باب المندب:
تستهدف إيران من خلال إدخال جماعة الحوثي إلى ساحة الحرب في هذا التوقيت التهديد بإمكانية إغلاق مضيق باب المندب أيضاً، بالتوازي مع سيطرتها على مضيق هرمز وفرض تكلفة على العبور من خلاله، الأمر الذي من شأنه أن يرفع تكلفة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بشكل غير مسبوق. ففي الوقت الذي تجاوز فيه سعر برميل النفط حاجز الـ100 دولار، كشف تقرير لـ"معهد كيل للاقتصاد العالمي" في 28 مارس 2026 عن أن إغلاق مضيق هرمز تسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية أيضاً بنسبة 4.2% وأسعار الفاكهة والخضروات بنسبة 5.2%.
وبالتالي، ترى إيران أن انضمام الحوثيين إلى الحرب بعد شهر من اندلاعها سيُظهر مدى قدرتها على توسيع نطاقه ليشمل تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر أيضاً، وهو ما سيزيد من تعقيد الوضع بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وقوتها الجوية في المنطقة. وتكتسب جماعة الحوثي اليمنية أهمية خاصة في هذا الإطار، لا سيما أن واشنطن دخلت في تصعيد عسكري مع هذه الجماعة في مارس 2025 دون تحقيق نتائج مجدية، واضطرت في النهاية إلى التفاوض معهم من أجل وقف الهجمات والسماح للسفن الخاصة بها بالمرور من البحر الأحمر. لذا، تعتقد إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ستواجهان صعوبات جمة في التعامل مع الحوثيين.
4- تفعيل استراتيجية "حلقة النار":
تعتقد إيران أن دخول الحوثيين إلى الحرب خلال هذه المرحلة سيعمل على إنشاء حلقة من النار، وخاصة حول إسرائيل والقوات الأمريكية بالمنطقة، تمتد من لبنان عبر العراق والخليج إلى اليمن، بخطوط تمتد لآلاف الأميال، الأمر الذي من شأنه أن يؤجج الصراع في المنطقة ويُظهر للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أن قرار الدخول في هذه الحرب كان خطأ منذ البداية.
وفي هذا السياق، تدرك إيران أن الحوثيين لا يحتاجون إلى بذل جهد كبير لتهديد البحر الأحمر؛ فكل ما عليهم فعله هو تعطيل حركة الملاحة، ولديهم خبرة كبيرة في هذا الإطار، وخاصة بعد دخولهم كجبهة إسناد لقطاع غزة بعد اندلاع عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023. وبينما اتبعت إسرائيل استراتيجية مماثلة في البحر الأحمر بدعمها لإقليم أرض الصومال، فإن الرد الإيراني عبر الحوثيين يُعد ورقة رابحة جديدة.
ويعزز ذلك صعوبة الدخول في حرب مع الحوثيين في الداخل اليمني؛ حيث دخلت المملكة العربية السعودية في صراع مع الحوثيين لأكثر من خمس سنوات، لكنها أدركت صعوبة هذه الحرب في التضاريس الجبلية لليمن، وساعد الخلاف الذي نشب مؤخراً بين الرياض وأبو ظبي بشأن رغبة الأخيرة في انفصال جنوب اليمن بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي منح ميزة نسبية للحوثيين بشكل غير مباشر دون الدخول في أية صراعات.
5- منع انضمام المزيد من الدول إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل:
تحاول إيران من خلال إدخال الحوثيين لساحة الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إرسال رسالة غير مباشرة بتهديد بعض الدول، سواء الأوروبية أو الخليجية، الراغبة في الانضمام لواشنطن وتل أبيب في مواجهة إيران. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل إشارة بعض التقارير الغربية إلى أن الإمارات والبحرين قد تنضمان إلى التحالف الأمريكي لإنهاء سيطرة طهران على مضيق هرمز، بالنظر إلى الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها دول الخليج، ولا سيما أبو ظبي والمنامة منذ بداية الحرب، الأمر الذي اعتبروا على إثره إيران بمثابة دولة عدوان مباشر والتهديد الأول لهم.
كما تستهدف إيران من وراء هذه الخطوة التأثير على اتجاهات الرأي العام في الدول الغربية، ولا سيما في ظل إشارة بعض التقارير إلى أن مرافقة السفن لعبورها المضيق لا تُعد ضمانة كافية لعدم استهدافها من جانب إيران، بل على العكس سيساعد ذلك على مزيد من رفع تكلفة الحرب. وبالتالي، يمكن القول إن محاولات إيران لتحقيق هذا الهدف قد أتت ثمارها، ولا سيما بعد الإعلان عن أن عدداً من الدول، وأبرزها فرنسا وإيطاليا والهند، قد أجرت مفاوضات مع طهران من أجل عبور مضيق هرمز، وبالفعل سمحت إيران بعبور عدد من السفن التابعة لنيودلهي والتي كانت محتجزة في الخليج منذ بدء الحرب، فضلاً عن تعاطي بعض السفن مع رغبة إيران في تحصيل رسوم قد تصل إلى 2 مليون دولار لكل سفينة، ونجاحها في المرور من المضيق، الأمر الذي من شأنه أن يحقق مكاسب مادية كبيرة لإيران بعيداً عن قيود نظام "سويفت" العالمي.
6- إبراز إيران لحدود قدرتها الشاملة:
كان من اللافت للانتباه أن دخول الحوثيين على خط التصعيد العسكري مع إيران جاء بالتزامن مع توسيع إيران نطاق عملياتها التخريبية في الدول الغربية (الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية) والدول الخليجية، الأمر الذي تستهدف طهران من خلاله إبراز حدود قدراتها الشاملة، وإيصال رسالة مفادها أنها ما تزال قوة إقليمية تحظى بالتأثير، بل وتسير نحو ما وضعته لذاتها في إطار محددات سياستها الخارجية بأن تصبح قوة دولية قادرة على منافسة الولايات المتحدة الأمريكية وتكبيدها قدراً معقولاً من الخسائر في أية مواجهة عسكرية. وفي هذا السياق، تعتقد إيران أن رعايتها لبعض الجماعات المسلحة بالمنطقة وتكثيف أنشطتها المشبوهة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية يعد بمثابة جزء أساسي من جملة محاولاتها لاستعادة نفوذها الإقليمي الذي تراجع بعد عملية طوفان الأقصى وسقوط الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
كما ترغب طهران في عكس السردية السيئة التي تكوّنت عنها خلال الحرب الحالية وحرب الـ12 يوماً مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بشأن الاختراق الاستخباراتي الكبير الذي تعرضت له، والذي تمثلت أبرز ملامحه في اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وغالبية، إن لم يكن كافة، قيادات الصف الأول والثاني من العسكريين (الحرس الثوري والجيش) والسياسيين أيضاً، وانتشار عدد هائل من الجواسيس في الشوارع الذين قاموا بأعمال تخريبية لا تقل أهمية عن تلك التي قامت بها تل أبيب.
إيران تستهدف تفعيل دور الحوثيين في الحرب لتشتيت الجهود العسكرية لإسرائيل
ويتضح من خلال ذلك أن طهران ترغب في رفع كلفة أي نوع من الاختراقات الاستخباراتية التي من الممكن أن تتعرض لها حالياً مجدداً، ولا سيما بعد إحكام الحرس الثوري قبضته ليس فقط الأمنية ولكن السياسية أيضاً على البلاد بعد تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، والذي أشارت بعض التقديرات إلى أن قربه الشديد من الحرس الثوري كان من الأسباب الرئيسية في اختياره، لا سيما أنه ليس الأحق بالمنصب لجهة عدم استيفائه لكافة الشروط المفترض تحققها لتولي هذا المنصب.
في النهاية:
يمكن القول إن إيران تستهدف من خلال تفعيل دور الحوثيين في الحرب تشتيت الجهود العسكرية لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وتخفيف الضغوط على جبهة طهران، بما يمكنها من إعادة ترتيب أوضاعها الأمنية والعسكرية تحسباً لشن عمليات عسكرية برية من قبل واشنطن على الجزر الإيرانية، ولا سيما جزيرة "خرج" التي تمثل عصب الاقتصاد الإيراني القائم على محورية عوائد صادرات النفط.
كما أنه من المستبعد أن تُقدم إيران على إغلاق مضيق باب المندب خلال هذه الفترة لرغبتها في عدم خسارة الجهود المصرية بشأن وقف التصعيد العسكري وإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بل من المتوقع أن تُقدم على ذلك حال تحقق السيناريو الخاص بدخولها في حرب استنزاف طويلة قد تسفر في نهايتها عن انهيار النظام. هنا، من الممكن أن تُقدم إيران على تنفيذ ذلك لرفع كلفة التصعيد العسكري ضدها ليس فقط على المنطقة ولكن على الاقتصاد العالمي بأكمله.






