رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ باستيت:العراق في قلب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران

حرب إيران
حرب إيران

أدى اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير  2026 إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، إذ سرعان ما تجاوزت تداعيات العمليات العسكرية نطاق مسارح القتال المباشر لتطال عددًا من الساحات الإقليمية المرتبطة ببنية الصراع بين الطرفين. وفي هذا الإطار برز العراق بوصفه إحدى أهم الساحات التي انعكست عليها تداعيات الحرب، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي القريب من إيران، وإنما أيضًا نتيجة لتركيبته الأمنية والسياسية المعقدة التي تجمع بين وجود قوات أمريكية ضمن التحالف الدولي، ونشاط فصائل مسلحة مرتبطة بإيران تمتلك حضورًا مؤثرًا داخل المشهد الأمني العراقي.

ومع تصاعد العمليات العسكرية خلال الأسابيع الأولى للحرب، تحولت الساحة العراقية إلى مجال رئيسي لتفاعلات الردع غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة. فقد كثّفت الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران هجماتها باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف أمريكية في العراق وسوريا، كما أعلنت بعض تلك الفصائل انخراطها في دعم العمليات ضد إسرائيل. وفي المقابل، شهدت الأراضي العراقية سلسلة من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع ومستودعات للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، في إطار محاولات الحد من قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية أو توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالحرب.
 

وخلال شهر مارس  2026، اتخذ هذا التفاعل طابعًا أكثر تصعيدًا، مع تكرار الضربات الجوية التي استهدفت مواقع للفصائل المسلحة في عدد من المناطق العراقية، بما في ذلك محافظات قريبة من الحدود السورية وغرب العراق، وهو ما أسفر عن سقوط قتلى في صفوف تلك الفصائل، بينهم قيادات ميدانية. وقد دفع ذلك الحكومة العراقية إلى إصدار مواقف رسمية تدين انتهاك السيادة العراقية، مع التأكيد على حق قوات الحشد الشعبي في الدفاع عن نفسها، في وقت يتصاعد فيه الجدل الداخلي حول تداعيات نشاط الفصائل المسلحة على موقع العراق في الصراع الإقليمي.

وفي موازاة ذلك، شهد إقليم كردستان العراق تطورات أمنية مرتبطة بالحرب، حيث نفذت إيران خلال مارس  2026 ضربات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع لجماعات كردية إيرانية معارضة داخل الإقليم، إلى جانب مناطق تتهم طهران أطرافًا إقليمية باستخدامها في أنشطة استخباراتية موجهة ضدها. وقد أسهمت هذه التطورات في تكريس تحول الأراضي العراقية إلى مساحة لتقاطع العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب الإقليمية الجارية.

وفي ضوء هذه المعطيات، بات العراق أحد الميادين التي تتجسد فيها ديناميات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، سواء من خلال نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران أو عبر الضربات العسكرية التي تستهدف مواقعها داخل الأراضي العراقية، الأمر الذي يطرح تساؤلات مهمة حول حدود انخراط العراق في هذا الصراع وانعكاساته على سيادة الدولة واستقرارها الداخلي. وفي هذا السياق، يتناول هذا التقرير عدة محاور رئيسية، تتمثل في: طبيعة دور الفصائل العراقية المرتبطة بإيران في الحرب، وأنماط الضربات العسكرية التي تشهدها الساحة العراقية، وموقف الحكومة العراقية من هذه التطورات، فضلًا عن انعكاسات انخراط العراق في الصراع على توازناته الداخلية والإقليمية.

الاطار المنهجي :  

يعتمد هذا التقرير في تحليله لانخراط العراق في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران على مقاربتين نظريتين رئيسيتين في أدبيات العلاقات الدولية، وهما مقاربة حروب الوكلاء (Proxy Warfare) ومقاربة الحرب الهجينة (Hybrid Warfare)، نظرًا لقدرتهما على تفسير أنماط الصراع غير المباشر التي تتسم بها التفاعلات الأمنية في الشرق الأوسط.

تشير أدبيات حروب الوكلاء إلى نمط من الصراعات تلجأ فيه الدول إلى توظيف فاعلين غير دوليين أو قوى محلية حليفة لتنفيذ عمليات عسكرية أو ممارسة ضغط استراتيجي على خصومها، بما يسمح لها بتقليل تكلفة المواجهة المباشرة والحفاظ على قدر من الإنكار السياسي. وقد أصبحت هذه المقاربة أحد السمات الرئيسية للصراعات الإقليمية المعاصرة، حيث تعتمد القوى الإقليمية الكبرى على شبكات من الجماعات المسلحة المرتبطة بها لتحقيق أهدافها الجيوسياسية (Mumford، 2013)

وفي هذا السياق، تُعد الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق أحد أبرز الأمثلة على هذا النمط من الحروب، إذ تعمل هذه الجماعات كأدوات استراتيجية ضمن شبكة إقليمية أوسع تضم فاعلين مسلحين في عدة دول في الشرق الأوسط. ويتيح هذا النمط لإيران توسيع نطاق المواجهة مع خصومها دون الانخراط في مواجهة تقليدية مباشرة، وهو ما يتجلى بوضوح في دور الفصائل العراقية في استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية خلال الحرب الجارية.

إلى جانب ذلك، يستند التقرير أيضًا إلى مفهوم الحرب الهجينة الذي يشير إلى استخدام مزيج من الأدوات العسكرية التقليدية وغير التقليدية، بما في ذلك العمليات العسكرية غير النظامية، والحرب السيبرانية، والضغوط السياسية والإعلامية، وذلك بهدف تحقيق مكاسب استراتيجية دون الانزلاق إلى حرب شاملة (Hoffman، 2007)،  ويبرز هذا النمط في الصراع الحالي من خلال الجمع بين الضربات العسكرية المباشرة، والعمليات التي تنفذها الفصائل المسلحة، إضافة إلى الضغوط السياسية والدبلوماسية المتبادلة بين الأطراف المتصارعة.

من الناحية المنهجية، يعتمد التقرير على المنهج التحليلي الوصفي في تتبع تطورات انخراط العراق في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران منذ اندلاعها في أواخر فبراير  2026، وذلك من خلال تحليل التفاعلات العسكرية والسياسية المرتبطة بنشاط الفصائل المسلحة، والضربات العسكرية المتبادلة داخل الأراضي العراقية، فضلًا عن مواقف الحكومة العراقية تجاه هذه التطورات. كما يعتمد التقرير على تحليل تقارير المؤسسات البحثية الدولية والبيانات الرسمية والتغطيات الإعلامية الصادرة عن مؤسسات إعلامية دولية وإقليمية.

اولاً:  الفصائل العراقية كأداة إيرانية في الحرب الإقليمية

تمثل الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها طهران في إدارة تفاعلاتها الأمنية في الشرق الأوسط، إذ تشكل هذه الجماعات جزءًا من شبكة إقليمية أوسع من الفاعلين المسلحين المرتبطين بما يُعرف بمحور المقاومة، والذي يضم عددًا من التنظيمات المسلحة المنتشرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد أسهمت هذه الشبكة خلال السنوات الماضية في توسيع قدرة إيران على ممارسة النفوذ الإقليمي عبر أدوات غير مباشرة، بما يسمح لها بموازنة خصومها الإقليميين والدوليين دون الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية مفتوحة. ( Mansour & Jabar, 2023)

ومع اندلاع الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير/شباط 2026، برز دور الفصائل العراقية بصورة أكثر وضوحًا ضمن ديناميات الصراع الإقليمي، حيث تحولت إلى إحدى الأدوات العملياتية التي تعتمد عليها طهران في توسيع نطاق المواجهة خارج حدودها الجغرافية. ففي هذا السياق، كثفت تلك الفصائل هجماتها باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد قواعد عسكرية تضم قوات أمريكية في العراق وسوريا، في إطار استراتيجية تهدف إلى زيادة الضغوط على الولايات المتحدة وإرباك انتشارها العسكري في المنطقة. وتشير تقارير أمنية إلى أن الجماعات المرتبطة بإيران نفذت عشرات الهجمات ضد مواقع عسكرية أمريكية في العراق وسوريا خلال فترات التصعيد المرتبطة بالحرب الجارية، الأمر الذي يعكس تصاعد اعتماد طهران على شبكة حلفائها الإقليميين في إدارة المواجهة مع خصومها (Institute, 2026)

وبالتوازي مع ذلك، تشير تقارير حديثة إلى أن الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران صعّدت هجماتها ضد المصالح الأمريكية منذ بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، حيث تبنت جماعات منضوية ضمن ما يُعرف بـ" المقاومة الإسلامية في العراق" تنفيذ هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد قواعد أمريكية داخل العراق. (الجزيرة-نت، مارس2026)، كما تؤكد تقارير صحفية أن هذه الفصائل أعلنت تنفيذ عشرات العمليات العسكرية ضد قواعد أمريكية في المنطقة منذ اندلاع الحرب، في إطار دعم إيران وتوسيع نطاق المواجهة الإقليمية (وكالة-الاناضول، مارس2026) ، وفي المقابل، شهد العراق تصعيدًا عسكريًا متوازيًا تمثل في ضربات استهدفت مواقع لفصائل مرتبطة بإيران، كان أبرزها غارة جوية في مارس 2026 استهدفت مواقع للحشد الشعبي في محافظة الأنبار وأدت إلى مقتل عدد من المقاتلين. (Reuters، 2026March)

ومن منظور استراتيجي،  تعتمد إيران في إدارة المواجهة الإقليمية على شبكة الفصائل المسلحة الحليفة لها فى المنطقة، ومن بينها الفصائل العراقية، ويسمح هذا النمط من التحرك لإيران بدعم حلفائها في توسيع نطاق الضغط العسكري على خصومها، دون أن تظهر كطرف يدير العمليات بشكل مباشر، الأمر الذي يمنحها هامشًا من المناورة السياسية في إدارة الصراع الإقليمي (الجزيرة-نت، تصاعد هجمات الفصائل العراقية على القواعد الأمريكية في ظل الحرب الإقليمية، 25مارس2026)

ثانياً: الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل العراق

في ظل تصاعد الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران ضد المصالح الأمريكية، اتجهت الولايات المتحدة إلى تكثيف الضربات العسكرية التي تستهدف مواقع هذه الجماعات داخل الأراضي العراقية. وتندرج هذه العمليات ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليص قدرة الفصائل المسلحة على تنفيذ هجمات ضد القوات الأمريكية أو استخدامها الأراضي العراقية كمنصة لدعم العمليات المرتبطة بالحرب الإقليمية الجارية.

وفي هذا السياق، شهد شهر مارس  2026 سلسلة من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع لفصائل منضوية ضمن الحشد الشعبي، خاصة في المناطق الغربية من العراق القريبة من الحدود السورية. فقد أفادت تقارير إعلامية بمقتل عدد من عناصر هذه الفصائل، بينهم قيادات ميدانية، إثر غارات استهدفت مواقع عسكرية في محافظة الأنبار، في واحدة من أبرز الضربات التي تعرضت لها هذه الجماعات منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران  (Reuters، 2026March)

كما أشارت تقارير إعلامية وتحليلات أمنية إلى أن بعض هذه الضربات استهدفت مواقع يُعتقد أنها تُستخدم كمراكز لوجستية أو مخازن أسلحة للفصائل المرتبطة بإيران، والتي تنطلق منها هجمات ضد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا. وقد أثارت هذه العمليات ردود فعل رسمية في بغداد، حيث اعتبرت الحكومة العراقية أن استهداف مواقع داخل الأراضي العراقية يمثل انتهاكًا للسيادة الوطنية، خصوصًا في ظل تقارير تتحدث عن احتمال مشاركة إسرائيل في بعض العمليات التي استهدفت تلك الفصائل  (Reuters، Deadly strikes hit Popular Mobilization Forces positions in western Iraq، 2026March24) 

وتعكس هذه التطورات تحول العراق إلى ساحة متقدمة ضمن ديناميات الحرب الإقليمية، حيث تتقاطع على أراضيه عمليات الردع والهجمات الاستباقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران من جهة أخرى، وهو ما يزيد من احتمالات اتساع نطاق الصراع وتأثيراته على الاستقرار الداخلي للعراق.

ثالثاً:  الضربات الإيرانية داخل إقليم كردستان العراق

 إلى جانب الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقع الفصائل المسلحة داخل العراق، شهدت الساحة العراقية أيضًا عمليات عسكرية نفذتها إيران داخل إقليم كردستان، في إطار سعي طهران إلى تحييد ما تعتبره مصادر تهديد لأمنها القومي في ظل تصاعد الحرب الإقليمية. وقد استهدفت هذه العمليات بشكل أساسي مواقع تابعة لجماعات كردية إيرانية معارضة تتخذ من بعض مناطق الإقليم ملاذًا لها، إضافة إلى مناطق قريبة من قواعد عسكرية تضم قوات للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

 مع اندلاع الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير  2026، تعرض إقليم كردستان لعدة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مناطق متفرقة، حيث أفادت تقارير بأن هجومًا صاروخيًا استهدف قاعدة لقوات البيشمركة شمال أربيل أدى إلى مقتل 6 عناصر وإصابة العشرات، واتهمت سلطات إقليم كردستان إيران بتنفيذ الضربة بصواريخ باليستية أطلقت من أراضيها (الشرق-للأخبار، 24مارس2026) ، كما أكد مسؤولون في حكومة الإقليم أن الضربات الصاروخية الإيرانية استهدفت مواقع عسكرية في منطقة سوران قرب أربيل، ووصفتها السلطات الكردية بأنها انتهاك واضح للسيادة العراقية. (النهار-العربي، 25مارس2026)

تعكس هذه العمليات سعي إيران إلى توجيه رسائل ردع متعددة الأطراف، سواء للجماعات المعارضة لها داخل الإقليم أو للولايات المتحدة وحلفائها، مفادها أن أي محاولة لاستخدام الأراضي العراقية كمنصة لعمليات ضدها قد تقابل برد عسكري مباشر.

رابعاً:  موقف الحكومة العراقية وإشكالية السيادة:

أدت الضربات العسكرية المتبادلة على الأراضي العراقية منذ اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026 إلى وضع الحكومة العراقية أمام معادلة سياسية وأمنية معقدة. فالعراق يجد نفسه في موقع حساس بين طرفين رئيسيين في الصراع، إذ تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري في البلاد ضمن إطار التحالف الدولي، في حين تتمتع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران بنفوذ سياسي وأمني مؤثر داخل المشهد العراقي.

وفي هذا السياق، حاولت الحكومة العراقية تبني خطاب متوازن يقوم على إدانة الهجمات التي تستهدف الأراضي العراقية من مختلف الأطراف، مع التأكيد على ضرورة عدم تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. إلا أن تصاعد الضربات التي استهدفت مواقع لفصائل منضوية ضمن الحشد الشعبي خلال شهر مارس/آذار 2026 أدى إلى زيادة الضغوط الداخلية على الحكومة لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه هذه العمليات (Reuters، Airstrikes kill fighters of Iran-backed militias in Iraq amid regional escalation.، 2026March)

وقد برز هذا التوتر بوضوح عقب الغارات التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي في غرب العراق، حيث أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي اتخاذ إجراءات لتعزيز حماية المواقع العسكرية والسماح للقوات الأمنية، بما في ذلك تشكيلات الحشد الشعبي، بالرد في إطار الدفاع عن النفس. وقد عكس هذا القرار حجم الضغوط السياسية التي تواجهها الحكومة في ظل مطالبات قوى سياسية وفصائل مسلحة باتخاذ موقف أكثر حدة تجاه الضربات الخارجية  (الجزيرة، مارس2026)

وتشير هذه التطورات إلى استمرار الإشكالية المرتبطة بقدرة الدولة العراقية على فرض احتكارها لاستخدام القوة داخل أراضيها، في ظل وجود فاعلين مسلحين يمتلكون قدرات عسكرية مؤثرة ويتحركون أحيانًا ضمن حسابات إقليمية أوسع. ومع تصاعد الحرب الإقليمية، يزداد خطر انزلاق العراق إلى دائرة أوسع من الصراع، بما قد يفاقم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الدولة العراقية (International-Crisis-Group، 2026) 

خامسا:   التداعيات الاستراتيجية لانخراط العراق في الحرب

 تعكس التطورات المتسارعة منذ اندلاع الحرب الأمريكية -الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير/  2026 تزايد احتمالات تحول العراق إلى إحدى الساحات الرئيسية المرتبطة بديناميات هذا الصراع. حيث يرتبط ذلك بعدة عوامل بنيوية، من أبرزها الموقع الجغرافي للعراق القريب من إيران، ووجود شبكة واسعة من الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، إلى جانب استمرار الوجود العسكري الأمريكي في عدد من القواعد داخل البلاد ضمن إطار التحالف الدولي. وقد جعلت هذه العوامل من العراق مساحة تتقاطع فيها مصالح القوى المتصارعة وتتحرك فيها أنماط متعددة من العمليات العسكرية غير المباشرة.

ومع استمرار التصعيد خلال شهر مارس  2026، برزت مؤشرات على اتساع نطاق العمليات المرتبطة بالحرب داخل الساحة العراقية، سواء عبر الضربات التي استهدفت مواقع للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، أو من خلال تزايد الهجمات التي تنفذها هذه الجماعات ضد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا. وتشير تقديرات أمنية إلى أن استمرار هذا النمط من التفاعلات قد يؤدي إلى ترسيخ دور العراق كساحة مركزية ضمن شبكة المواجهة الإقليمية المرتبطة بالحرب الجارية (Reuters, Iran-aligned militias step up attacks on US bases in Iraq amid regional escalation, 24March2026)

وعلى المستوى الداخلي، فاقم هذا التصعيد من التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها الدولة العراقية، في ظل الانقسامات القائمة بين القوى السياسية بشأن طبيعة العلاقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران. فبينما دعت بعض الأطراف إلى الحد من الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، تسعى قوى أخرى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن لتجنب انزلاق العراق بصورة أعمق في الصراع الإقليمي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يواجه العراق خطر التحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الضغوط على مؤسسات الدولة العراقية ويهدد بتقويض مساعي الاستقرار التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، خاصة إذا استمر تصاعد العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب في الإقليم.

سادساً  سيناريوهات تطور انخراط العراق في الحرب

 السيناريو الأول: استمرار المواجهة غير المباشرة مع تصاعد الردود المتبادلة

يقوم هذا السيناريو على استمرار نمط المواجهة غير المباشرة داخل العراق، بحيث تواصل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران تنفيذ هجمات محدودة ضد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا، مقابل استمرار الضربات الجوية التي تستهدف مواقع هذه الجماعات. وقد تعزز هذا الاتجاه بعد إعلان مجلس الأمن الوطني العراقي السماح للحشد الشعبي بالرد والدفاع عن نفسه عقب الضربات التي استهدفت مواقعه في مارس/آذار 2026، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة وتيرة الاشتباكات المحدودة دون أن يصل التصعيد إلى مستوى مواجهة عسكرية واسعة داخل الأراضي العراقية.

السيناريو الثاني: تصعيد أمني داخلي داخل العراق

يفترض هذا السيناريو انتقال الصراع إلى مستوى أكثر حدة داخل الأراضي العراقية، في ظل احتمال قيام الفصائل المسلحة بتكثيف هجماتها ضد القواعد العسكرية الأمريكية ردًا على الضربات التي استهدفت مواقعها. وقد يؤدي ذلك إلى تصاعد الضربات العسكرية المتبادلة داخل العراق، بما يهدد بتوسيع نطاق المواجهة وتحويل بعض المناطق العراقية إلى مسرح لعمليات عسكرية أكثر كثافة.

السيناريو الثالث: احتواء التصعيد عبر تحركات حكومية ودبلوماسية

يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومة العراقية في احتواء تداعيات الحرب من خلال تكثيف التحركات السياسية والدبلوماسية للحد من استخدام الأراضي العراقية كساحة للصراع الإقليمي. وقد يشمل ذلك محاولات لضبط نشاط الفصائل المسلحة أو تعزيز التنسيق الأمني لمنع تصاعد العمليات العسكرية داخل البلاد، بما يهدف إلى تقليل احتمالات انزلاق العراق إلى مواجهة أوسع بين القوى المتصارعة.

خاتمة

 تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران منذ أواخر فبراير/شباط 2026 عن تصاعد الدور الذي بات يلعبه العراق ضمن ديناميات هذا الصراع الإقليمي. فقد تحولت الساحة العراقية إلى مساحة تتقاطع فيها أنماط متعددة من التفاعلات العسكرية غير المباشرة، سواء عبر نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران أو من خلال الضربات العسكرية التي تستهدف مواقعها داخل الأراضي العراقية، فضلًا عن العمليات التي نفذتها إيران داخل إقليم كردستان.

وفي ظل هذه المعطيات، تواجه الحكومة العراقية تحديًا متزايدًا يتمثل في قدرتها على منع تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية، خاصة مع تصاعد الضغوط الداخلية المرتبطة بنشاط الفصائل المسلحة واستمرار الوجود العسكري الأمريكي في البلاد. ومن ثم، فإن مستقبل انخراط العراق في هذه الحرب سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الدولة العراقية على إدارة توازن دقيق بين الأطراف المتصارعة واحتواء تداعيات التصعيد العسكري داخل أراضيها، بما يحول دون انزلاق البلاد إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي، ويبقي التحدي الرئيسي أمام العراق هو قدرته على منع تحوله إلى ساحة مواجهة مباشرة في صراع إقليمي تتجاوز تداعياته حدود الدولة العراقية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء