هل سنكون أمام تدخل مُحتمل ؟
تقرير لـ باستيت:المحكمة العليا وجدل الحرب الأمريكية على إيران
تمثل الحرب الأمريكية ضد إيران، التي شنتها إدارة الرئيس ترامب الثانية في 28 فبراير 2026 عبر عمليات عسكرية واسعة النطاق، نقطة تحوُّل جوهرية في تاريخ التوازن المؤسسي داخل الولايات المتحدة؛ بل تحوّلت إلى اختبار داخلي لبنية النظام السياسي الأمريكي، حيث تداخلت الاعتبارات الدستورية مع الحسابات الاستراتيجية. وأضافت العمليات العسكرية ضد إيران إلى حالة المعارضة المؤسسية الممتدة عبر الكونغرس، والمحكمة العليا، والمؤسسات الإعلامية والأكاديمية، والرأي العام الأمريكي. ويتناول التحليل التالي هذا الموضوع.
أولاً: تصاعد المعارضة الداخلية ضد الحرب الأمريكية على إيران:
لقد أوجدت الحرب الأمريكية على إيران حالة من التململ والمعارضة الداخلية ضد سياسات الرئيس ترامب؛ حيث سعت إدارة الرئيس ترامب إلى تبرير العمليات العسكرية ضد إيران باعتبارها ضرورة لحماية الأمن القومي وردع إيران عن تهديداتها الإقليمية، إلا أن هذا التبرير واجه مقاومة قوية من داخل المؤسسات الأمريكية نفسها. فقد برزت أصوات تشريعية تؤكد أن الانخراط العسكري دون تفويض صريح من الكونغرس يُعد تجاوزًا لمبدأ الفصل بين السلطات، فيما أبدت مؤسسات أكاديمية وإعلامية مخاوف من أن الحرب قد تؤدي إلى استنزاف استراتيجي يعيد إلى الأذهان إرث التدخلات العسكرية المكلفة في العراق وأفغانستان.
1- أسباب المعارضة الداخلية ضد الحرب الأمريكية على إيران:
تتمثل أسباب المعارضة الداخلية ضد الحرب في الجدل حول صلاحيات الحرب بين الرئيس الأمريكي والكونغرس؛ فشنُّ العمليات العسكرية دون تفويض تشريعي صريح أعاد إلى الواجهة النقاش حول قانون سلطات الحرب (War Powers Resolution)، الذي يقيد قدرة الرئيس على الانخراط في عمليات طويلة الأمد. وكان هناك عدد من الأسباب التي أوجدت هذه المعارضة على النحو التالي:
الإرهاق من الحروب الخارجية: لقد أدت تجربتا حرب العراق 2003 والحرب في أفغانستان 2001 إلى وجود قطاع كبير من الأمريكيين متحفظٍ على الدخول في أي نزاعات عسكرية جديدة طويلة ومكلفة.
التكلفة الاقتصادية والبشرية:
يشير معارضو الحرب إلى أن أي مواجهة مع إيران قد تكون مكلفة اقتصاديًا وبشريًا، خاصة في ظل موقع إيران الجغرافي وقدراتها العسكرية، وكذلك قدرتها على رد الهجمات العسكرية وإلحاق بعض الخسائر في بعض القواعد الأمريكية في الدول الخليجية، فضلًا عن الوصول إلى العمق الإسرائيلي. وهناك أيضًا آثار الحرب على الاقتصاد الأمريكي، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتزايد الإنفاق العسكري على حساب البرامج الاجتماعية. هذه المخاوف أوجدت خطابًا معارضًا يرى أن الحرب ليست فقط قضية خارجية، بل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي.
الرفض الشعبي الأمريكي ضد الحرب:
أظهرت استطلاعات الرأي الأمريكية أن غالبية الأمريكيين يعارضون الحرب، خاصة إرسال قوات برية، وهو ما يعكس تأثير الذاكرة الجمعية المرتبطة بتجارب التدخلات السابقة. فضلًا عن تنظيم بعض منظمات المجتمع المدني وحركات مناهضة للحرب مظاهرات في عدة مدن أمريكية، مطالبة بتجنب التصعيد العسكري.
وفي هذا السياق، أدت المعارضة الداخلية ضد قرار الرئيس ترامب بشن الحرب على إيران إلى ظهور حالة من الجدل حول صلاحيات الرئيس بالقيام بعمليات عسكرية ضد إيران دون تفويض صريح من الكونغرس، وهو ما يُعد تجاوزًا لمبدأ الفصل بين السلطات. وهذا الجدل لم يكن مجرد خلاف قانوني، بل عكس مقاومة مؤسسية تهدف إلى إعادة ضبط حدود السلطة التنفيذية ومنع تغوُّلها في قضايا الأمن القومي.
2- موقف الكونجرس من الحرب على إيران:
أظهر موقف الكونجرس من الحرب الأمريكية ضد إيران عام 2026 ملامح المقاومة المؤسسية في مواجهة السلطة التنفيذية، حيث اعتبر عدد من المشرعين أن الرئيس ترامب تجاوز صلاحياته الدستورية بإطلاق العمليات العسكرية دون تفويض تشريعي. هذا الجدل أعاد إلى الساحة قانون سلطات الحرب (War Powers Resolution) الصادر عام 1973، والذي جاء كرد فعل على تجاوزات السلطة التنفيذية في حرب فيتنام، بهدف تقييد قدرة الرئيس على الانخراط في عمليات عسكرية طويلة الأمد دون موافقة الكونغرس.
وفي هذا السياق، لم تقتصر المعارضة على الحزب الديمقراطي، بل امتدت لتشمل بعض الجمهوريين القلقين من التداعيات السياسية والانتخابية للحرب، خاصة انعكاساتها المحتملة على الانتخابات النصفية. إن هذا التداخل بين البعد الدستوري والبعد السياسي الانتخابي يعكس أن موقف الكونغرس لم يكن مجرد خلاف حزبي تقليدي، حيث لا يُنظر إلى الحرب باعتبارها قرارًا تنفيذيًا بحتًا، بل باعتبارها قضية تتطلب توافقًا مؤسسيًا واسعًا. فالمشرعون في الكونغرس استندوا إلى صلاحياتهم الدستورية في إعلان الحرب وتمويلها، مؤكدين أن تجاوز هذه الصلاحيات يُعد انتهاكًا لمبدأ الفصل بين السلطات.
وتجدر الإشارة إلى أن معارضة قرار الرئيس ترامب بشن الحرب على إيران ليست جديدة على الساحة الأمريكية، فقد كان لمعارضة سياسات الرئيس ترامب مظاهر مؤسسية، وفيما يلي بعض أمثلة لهذه المظاهر متمثلة في قرارات المحكمة العليا بتقييد سياسات الرئيس ترامب.
ثانيًا: نماذج من قرارات المحكمة العليا لتقييد بعض سياسات الرئيس ترامب:
أصدرت المحكمة العليا قرارات بتقييد بعض سياسات الرئيس، وهي على النحو التالي:
1- المحكمة العليا وسياسات الرئيس ترامب المقيدة للهجرة:
لقد أثارت سياسات الرئيس ترامب المتعلقة بالهجرة جدلًا واسعًا، خاصة تلك التي استهدفت تقييد دخول المهاجرين أو إلغاء برامج الحماية مثل DACA. ولقد واجهت هذه السياسات، ولا سيما الأمر التنفيذي للرئيس ترامب رقم 14160 المتعلق بتقييد مبدأ المواطنة بالولادة، تحديات قضائية أمام المحكمة العليا الأمريكية. ففي قضية Trump v. CASA, Inc لسنة 2025، لم تنظر المحكمة في دستورية القرار التنفيذي ذاته، بل في حدود السلطة القضائية للمحاكم الفيدرالية الدنيا عند إصدار أوامر قضائية عامة توقف تنفيذ السياسات الحكومية على نطاق وطني.
وفي السياق ذاته، أوضحت المحكمة في حيثياتها أن القضية "لا تطرح مسألة ما إذا كان الأمر التنفيذي ينتهك بند المواطنة في التعديل الرابع عشر، بل تطرح نطاق الأوامر القضائية الممكن إصدارها".
وقد قضت المحكمة بأغلبية 6–3 بأن هذه الأوامر قد تتجاوز الصلاحيات المقررة بموجب Judiciary Act of 1789، مؤكدة أن الأصل هو تقييد الحكم بالأطراف المتقاضين. في المقابل، بقيت المسألة الدستورية الأساسية محل نظر في قضية Trump v. Barbara، حيث يُطعن في تفسير الإدارة لعبارة "الخاضعين لسلطتها القضائية" بما يستبعد أبناء المهاجرين غير النظاميين أو ذوي التأشيرات المؤقتة، وهو ما يتناقض مع الحكم الشهير للمحكمة في قضية United States v. Wong Kim Ark لعام 1898 الذي كرس مبدأ المواطنة بالولادة.
والجدير بالذكر أن هذه التطورات تكشف عن تحول مهم في دور المحكمة العليا في قضايا الهجرة؛ إذ لم تحسم بعد دستورية السياسات التنفيذية بشكل نهائي، لكنها أعادت رسم الحدود المؤسسية بين السلطتين التنفيذية والقضائية من خلال تقييد قدرة المحاكم الأدنى على تعطيل السياسات الفيدرالية بصورة شاملة، مع إبقاء السؤال الدستوري الأساسي مفتوحًا للنظر في مرحلة لاحقة.
2- المحكمة العليا وقرارات الرئيس ترامب بفرض الرسوم الجمركية:
جاء في قرار رئيس المحكمة العليا في قضية Learning Resources, Inc. v. Trump أن القانون لا يخول للرئيس الأمريكي فرض رسوم جمركية، وأن قانون الطوارئ الاقتصادية لا يمكن أن يحتمل هذا المعنى، إذ إن سلطة فرض الضرائب تعود دستوريًا إلى الكونغرس. وقد حذر رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، في رأيه المكون من 21 صفحة، من أن الإدارة حاولت الترويج لـ"توسيع جذري" لسلطة الرئيس على سياسة التعريفات الجمركية لتبرير تعريفاتها العالمية، و"كما يتضح من ممارسة هذه السلطة في هذه القضية، فقد امتدت لتشمل الاقتصاد ككل".
ونص القرار النهائي للمحكمة العليا الأمريكية في هذه القضية بأغلبية 6–3 على أن "قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) لا يمنح رئيس الولايات المتحدة سلطة فرض رسوم جمركية عامة أو واسعة النطاق، وبناءً عليه، فإن الرسوم التي فُرضت استنادًا إلى هذا القانون تفتقر إلى أساس قانوني صحيح وتُعد باطلة".
وفي هذا السياق، اعتمدت المحكمة العليا في هذا القرار على تفسيرٍ حرفيٍ ودقيقٍ لقانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)، وبينت أن نصوصه لا تتضمن إذنًا صريحًا يسمح للرئيس بفرض أي رسوم جمركية. لذلك رأت أنه لا يجوز استنتاج هذه السلطة بشكل غير مباشر من عبارات عامة تتحدث عن "تنظيم" المعاملات الاقتصادية. وأكدت الأغلبية أن الرسوم الجمركية تُعد في جوهرها التزامًا ماليًا عامًا، وهي تدخل ضمن سلطة الكونغرس الدستورية في فرض الضرائب بموجب المادة الأولى من الدستور، ولا يمكن تحويلها إلى أداة بيد السلطة التنفيذية عبر تفسير واسع لقانون طوارئ.
3- المحكمة العليا والحرب الأمريكية على إيران:
في ضوء المعارضة المؤسسية لسياسات الرئيس ترامب، يثور تساؤل حول مدى إمكانية تدخل المحكمة العليا لتقييد قراراته المتعلقة بشن هجمات عسكرية ضد إيران. فقد أظهرت المحكمة، من خلال سوابقها في قضايا الهجرة والرسوم الجمركية، استعدادًا لتقييد السلطة التنفيذية عندما تتجاوز حدودها الدستورية أو التشريعية. هذا المسار يفتح الباب أمام احتمال تدخل قضائي غير مباشر في حال تجاهلت الإدارة القيود التي يفرضها الكونغرس بموجب قوانين تنظيم صلاحيات الحرب. ومع ذلك، يبقى تدخل المحكمة العليا في مسائل الأمن القومي والحرب مقيدًا بطبيعة اختصاصها، إذ تميل إلى التركيز على الجوانب الإجرائية والرقابية أكثر من الدخول في تقييم مباشر لخيارات السياسة الخارجية. ومن ثم، فإن أي قرار محتمل سيكون انعكاسًا للتوازن بين حماية النصوص الدستورية وضمان فعالية السلطة التنفيذية في إدارة النزاعات الدولية.
وبذلك، فإن الحرب الأمريكية على إيران لم تنتج فقط مواجهة خارجية، بل أوجدت أيضًا جبهة داخلية من المعارضة المؤسسية، حيث تداخلت الاعتبارات القانونية والسياسية والاجتماعية لتجعل من هذه الحرب اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الأمريكي على الحفاظ على التوازن بين السلطات وضمان المساءلة الديمقراطية في القضايا المصيرية المرتبطة بالأمن القومي.
الخاتمة:
وختامًا، فإن احتمال تدخل المحكمة العليا لتقييد قرار الرئيس ترامب بشن عمليات عسكرية ضد إيران يجب أن يُقرأ في سياق أوسع لدورها في مراقبة توسع السلطة التنفيذية في مجالات أخرى، مثل الهجرة والرسوم الجمركية. فقد أظهرت المحكمة في هذه القضايا استعدادًا لتأكيد حدود السلطة التنفيذية عندما تتعارض مع النصوص الدستورية أو الصلاحيات التشريعية، وهو ما يعكس وظيفتها كضامن للتوازن المؤسسي. ولكن يبقى استخدام القوة العسكرية أكثر تعقيدًا وحساسية، حيث تميل المحكمة تاريخيًا إلى الحذر في التدخل المباشر في قرارات السياسة الخارجية. ومن ثم، فإن أي تدخل محتمل سيكون غالبًا غير مباشر، ويستند إلى ضمان احترام القيود التشريعية والإجراءات الدستورية، أكثر من كونه حكمًا صريحًا على مشروعية قرار الحرب ذاته.





