رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ مركز باستيت: مشروع فولت والإستراتيجية الأمريكية

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

تُعد المعادن الأرضية النادرة من الموارد الاستراتيجية التي تلعب دورًا محوريًا في دعم الصناعات التكنولوجية، وأمن الطاقة واستدامتها حيث أن العديد من التقنيات المتقدمة تحتوي على مكونات مصنوعة من هذه المعادن النادرة، وتستخدم هذه المكونات في مختلف القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك النقل وتوليد الطاقة وتكرير البترول والإلكترونيات الاستهلاكية. فهي تدخل في مجموعة واسعة من التطبيقات الصناعية، وقطاع الإلكترونيات المتقدمة.

واتصالًا بما تقدم، يأتي هذا التقرير ليسلط الضوء على ماهية المعادن الأرضية النادرة وأهميتها، واستعراض خريطة توزيع هذه المعادن حول العالم، وصولًا الى استعرض أهمية مشروع فولت الأمريكي في السياسة الاقتصادية الأمريكية. 

أولًا ما هيه المعادن النادرة:

  هي مجموعة من 17 عنصراً كيميائيًا حسب تعريف الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية IUPAC ، منها 15 عنصراً في مجموعة اللانثانيدات في الجدول الدوري بالإضافة إلى السكانديوم والإيتريوم، وقد اعتبر العنصران الأخيران من العناصر النادرة نظرا لظهورهما في الفلزات مع عناصر اللانثانيدات، وبسبب خواصهما الكيميائية المشابهة، وقد استمد عدد من العناصر النادرة اسمه من المناطق التي اكتشف فيها، وهذه العناصر هي: السكانديوم، الإيتريوم، اللنثانيوم، السيريوم، البريزيوديميوم، النيوديميوم، البروميثيوم، السماريوم، اليوروبيوم، الجادولينيوم، التيربيوم، الدسبروزيوم، الهولميوم، الإربيوم، الثوليوم، الإيتربيوم، اللوتيتيوم.

وتنقسم  المعادن الأرضية النادرة إلى فئتين فرعيتين متميزتين؛ العناصر الأرضية النادرة الخفيفة (LREE) بما في ذلك السكانديوم و العناصر بين اللنثاينوم والسيريوم ، والعناصر الأرضية النادرة الثقيلة (HREE) بما في ذلك الإيتريوم  والعناصر بين اليوروبيوم واللوتيتيوم . 

وعلى الرغم من تسميتها "النادرة"، فإنها متوفرة في القشرة الأرضية، لكنها يصعب استخراجها بتركيزات اقتصادية وتتطلب عمليات تكرير معقدة. أيضا تختلف المعادن الأرضية النادرة عن المعادن النفيسة، والتي يندرج تحتها الذهب والفضة والبلاتين والبالاديوم، وكذلك تختلف عن المعادن الأساسية المتوافرة جغرافيًا بكثرة مقارنة بغيرها كالحديد، والنحاس والنيكل والألمونيوم والزنك والرصاص والقصدير والتيتانيوم .

ويوضح الشكل  رقم "1" حصة سوق  هذه المعادن حسب نوع المعدن:

 

 

ثانيًا أهمية المعادن الأرضية النادرة:

  تنبع أهمية هذه العناصر من كونها تستخدم على نطاق واسع في العديد من الصناعات على النحو التالي:

  •  تستخدم في صناعة الأقمار الصناعية، والليزر، والكاميرات، وعدسات التلسكوب، وأجهزة تنظيم ضربات القلب، و في بعض الأجهزة الطبية مثل أنظمة مسح التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، وباعتبارها مكونًا رئيسيا في البصريات والبطاريات القابلة لإعادة الشحن.
  • في سياق التحول نحو الطاقة النظيفة، تبرز أهمية المعادن النادرة كعنصر أساسي في إنتاج توربينات الرياح والألواح الشمسية، مما يجعلها ركيزة رئيسية في استراتيجيات الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. كما أن توسع صناعة السيارات الكهربائية عالميًا يعزز من الطلب عليها، إذ تدخل في تصنيع المحركات الكهربائية والبطاريات، بما يساهم في رفع كفاءة هذه المركبات ودعم استدامة أنظمة النقل الحديثة.
  •  تستخدم كمدخلات أساسية للمنتجات التكنولوجية (مثل: الهواتف المحمولة، وأجهزة التلفزيون ذات الشاشات المسطحة، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الطائرات).
  •   تستخدم في المجال الدفاعي وذلك من خلال  تطوير أنظمة الرادار، أجهزة الاستشعار المتقدمة، والأسلحة الموجهة. 

وفي هذا السياق تظهر أهمية المعادن الأرضية النادرة لدى الإدارة الأمريكية  وذلك في ظل هيمنة الصين على هذه المعادن، سعت الولايات المتحدة على مدار السنوات الماضية الى تعزيز امداداتها من هذه المعادن، وهو ما أدى الى وجود منافسة شرسة بينها وبين الصين.

 

 ويوضح الشكل البياني رقم "2" توزيع احتياطي المعادن النادرة حول العالم (مليون طن)  :

 

 

Source- United States Geological Survey, Mineral Commodity Summaries 2025

 

 ويتضح من هذا الرسم إلى استحواذ الصين على نحو 48.8% من الاحتياطي العالمي للمعادن الأرضية النادرة حتى عام 2024 بإجمالي يصل إلى 44 مليون طن؛ بينما تستحوذ الولايات المتحدة على 2.1% فقط بحصة تبلغ 1.9 مليون طن، ومن ثم تتفوق الصين على منافسيها الدوليين في امتلاك الاحتياطي العالمي للمعادن.

والجدير بالذكر أن الصين استطاعت على مدار الثلاثة العقود الماضية أن تؤكد هيمنتها على سلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة،  الأمر الذي جعلها الفاعل المحوري في هذه الصناعة الاستراتيجية، بحيث تنتقل جميع المواد تقريباً – بغض النظر عن مكان استخراجها في العالم – إلى الصين لإعادة المعالجة والتصنيع، الأمر الذي جعلها تحتل موقعاً شبه احتكاري في السوق العالمية، هذه السيطرة لا تقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتشكل أداة نفوذ جيوسياسي، إذ تتيح للصين استخدام موقعها المهيمن كأداة ضغط  ضد الدول الكبرى ومن بينهم الولايات المتحدة.

   لذا اتخذت الولايات المتحدة عدد من السياسات التي تسعى من خلالها إلى زيادة إمداداتها من المعادن الأرضية النادرة، ومن ضمن هذه السياسات مشروع فولت.

 

ثالثًا مشروع فولت  Project Vault:

 في أوائل فبراير 2026  أطلقت إدارة الرئيس ترامب الثانية مشروع فولت، والذي يهدف إلى إنشاء احتياطي إستراتيجي من العناصر الحيوية في الولايات المتحدة، لحماية الاقتصاد والأمن القومي الأمريكي من اضطرابات سلاسل التوريد العالمية وتقليل الاعتماد على الصين؛ فالمشروع الذي أطلق بدعم تمويلي مبدئي قدره 12 مليارات دولار منهم قرض ب10مليارات من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي  EXIM، إضافة إلى ذلك، جرى حشد ما يقارب 2 مليار دولار من استثمارات القطاع الخاص، فهذا المشروع لا يهدف فقط إلى إنشاء مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية، بل يسعى إلى ترسيخ  رؤية جديدة للأمن الاقتصادي تقوم على تقليل قابلية الاقتصاد الأمريكي للتعرض للصدمات الجيوسياسية المرتبطة باختلالات سلاسل التوريد، فمن خلال هذا المشروع سيتم توفير احتياطي مخزون (مستودعات) داخل الولايات المتحدة، مشابها للاحتياطي الإستراتيجي للنفط، إذ يمكن للشركات المشاركة تخزين المواد الخام وسحبها عند الحاجة.

وفي هذا الاطار يمثل مشروع فولت إلى تحول هام في نمط صناعة السياسات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، يرتبط بطبيعة التغير الدوري في أولويات الإدارات الأمريكية المتعاقبة. فغالبًا ما تميل كل إدارة جديدة إلى إعادة تقييم الأسس التي قامت عليها السياسات السابقة، بل وفي كثير من الأحيان إلى تفكيك بعض مرتكزاتها وإعادة بنائها وفق تصورات مختلفة للأولويات فإن المشروع ليس مجرد أداة فنية لإدارة المخزون، بل يمثل تحول في الأيديولوجية الاقتصادية نفسها، حيث تعاد صياغة العلاقة بين السوق والدولة استنادًا إلى اعتبارات القوة والأمن والمصلحة الاستراتيجية، بما يعكس تراجعًا نسبيًا لعدم تدخل الدولة في السوق، وصعودًا لمنطق الدولة التدخلية في إدارة العناصر الحيوية.

1- أهداف المشروع:

   يهدف مشروع فولت إلى بناء مخزون إستراتيجي يشمل أكثر من خمسين معدنًا مصنّفًا من قبل وزارة الداخلية الأمريكية بوصفه "حيويًا"، من بينها العناصر الأرضية النادرة، الليثيوم، التيتانيوم، الكوبالت، اليورانيوم، التنجستن، والأنتيمون. وتكتسب هذه المعادن أهمية متزايدة نظرًا لدورها المحوري في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك البطاريات، أشباه الموصلات، الطاقة المتجددة، والمعدات الدفاعية.

وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذا المشروع إلى تقليص الاعتماد الهيكلي على الصين وروسيا، عبر توسيع نطاق الشراكات الجيو-اقتصادية مع بعض الدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة. وتعد آسيا الوسطى شريكًا إستراتيجيًا  للولايات المتحدة في هذا المجال، حيث تمتلك أكثر من 25 معدنًا حرجًا،  أيضا تفعل الولايات المتحدة أدوات تعاون جديدة مثل منصة B5+1 التي تربط رأس المال الأمريكي الخاص مباشرة بالشركات المحلية، بما يعزز النفاذ إلى الموارد ويقلل من المخاطر الجيوسياسية.

ويمتد هذا التوجه إلى مناطق أخرى مثل جرين لاند، أفريقيا، وأستراليا، في إطار إستراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر التوريد، وتحصين سلاسل القيمة العالمية ضد الاختناقات المحتملة. ويعكس هذا التوسع الجغرافي تحولًا في المنطق المؤسسي الأمريكي، من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة توريد مرنة ومتعددة الأقطاب، قادرة على دعم الصناعات الحيوية وضمان الاستقرار في مواجهة التحديات الجيو-اقتصادية المتصاعدة.

 2- علاقة مشروع فولت بالمبادرات الأخرى لإدارة العناصر الحيوية:

   يٌعد مشروع  فولت جزءً من منظومة أوسع من المبادرات الأمريكية الرامية إلى إعادة صياغة إدارة الموارد الإستراتيجية في مواجهة الهيمنة الصينية على سلاسل التوريد العالمية.  ويكمل  هذا المشروع  بعض المبادرات المؤسسية أخرى مثل منتدى المشاركة الجيو- استراتيجية للموارد (FORGE)، والذي يهدف إلى تنسيق سياسات تسعير المعادن الحيوية والمشاريع المرتبطة بها بين الشركاء الدوليين، بما يعزز الشفافية ويقلل من التباينات في تقييم المخاطر. هذا التنسيق يخلق إطارًا شبه جماعي لإدارة الموارد و يوازي في طبيعته ترتيبات الطاقة العالمية، لكنه يركز على المعادن الحيوية التي تشكل أساس الصناعات التكنولوجية والدفاعية.

 وكذلك مبادرة Pax Silica  التي تركز على حماية سلاسل التوريد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي،  وبالأخص المواد الأساسية مثل السيليكا والرقائق الدقيقة، التي تعتبر المحور الأساسي للتطبيقات المتقدمة. 

 ومن ثم يمكن النظر إلى هذه المبادرات الثلاث كأركان متكاملة على النحو التالي:

  • مشروع فولت Vault يمثل أداة تحوط مالي ومخزون إستراتيجي للمعادن الحيوية.
  • مبادرة FORGE  تعمل كمنصة تنسيق دولي لتسعير السياسات وضبط المخاطر.
  • مبادرة   Pax Silica  لحماية سلاسل التوريد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق.

 

 ويمثل الشكل رقم "3"  التكامل بين هذه المبادرات .

 

ويتضح من الشكل السابق أن الولايات المتحدة تعمل على  بناء شبكة مؤسسية متعددة المستويات لإدارة الموارد الإستراتيجية، تجمع بين التمويل، التنسيق الدولي، وحماية التكنولوجيا المتقدمة، في محاولة لإعادة تشكيل موقعها داخل النظام الاقتصادي العالمي.

 خلاصة القول يهدف مشروع فولت إلى تعزيز أمن سلاسل الإمداد في الصناعات الحيوية الأمريكية من خلال تقليل الاعتماد على الصين، والتي تحتكر معالجة المعادن النادرة كما سلف الذكر، حيث يحاول مشروع فولت إنشاء مخزون إستراتيجي قادر على امتصاص صدمات السوق وتقلبات الأسعار. أيضا يعتمد المشروع على آلية رسوم السحب والوصول، التي توفر للشركات ترتيبات تعاقدية ثابتة السعر تعمل كأداة تحوط مالي ضد اضطرابات السوق، بما يضمن استقرار التكاليف وحماية هوامش الربح.

الخاتمة:

 في الختام يُعد مشروع فولت تجسيدًا لتحول مؤسسي في الإستراتيجية الأمريكية تجاه إدارة العناصر الحيوية، إذ يتجاوز منطق التخزين التقليدي ليؤسس آلية مالية وتنظيمية قادرة على إعادة تشكيل موقع الولايات المتحدة داخل سلاسل التوريد العالمية، وذلك من خلال بناء مخزون إستراتيجي يضم أكثر من خمسين معدنًا حيويًا،  بالإضافة إلى توسيع الشراكة الامريكية مع بعض الدول كدول آسيا الوسطى وأفريقيا وأستراليا، وجرين لاند في محاولة لتقليل الاعتماد الهيكلي على الصين وروسيا، وضمان استقرار الصناعات الحيوية مثل السيارات الكهربائية، التكنولوجيا المتقدمة، والدفاع وغيرها.

د/أسماء النمر دكتوراه في العلوم السياسية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء