تقرير لـ مركز باستيت: قراءة في خطاب ترامب عن حالة الاتحاد
لخطاب حالة الاتحاد دلالة مهمة في النظام السياسي الأمريكي، حيث يعتبر من التقاليد الراسخة في الولايات المتحدة، فيستند إلى المادة الثانية من الدستور حيث يلتزم الرئيس من وقت لآخر بتقديم معلومات ضرورية عن حالة الاتحاد، وكذا اقتراح ما يراه من إجراءات ضرورية. ولا يشترط الدستور أن يكون الخطاب سنوياً أو شفهياً، وقد تطور في شكله عبر الزمن ليصبح حدثاً سنوياً بارزاً.
وقد بدأ الخطاب في صورة رسائل مكتوبة، ثم عاد كخطاب حضوري عام 1913، وتحول لاحقاً إلى حدث جماهيري مع تطور وسائل الإعلام وظهور التلفاز، ما عزز من مكانة الرئيس وقدرته على مخاطبة الأمة مباشرة.
وفي مشهد غير مسبوق، ألقى دونالد ترامب فجر الأربعاء الماضي خطابه عن حالة الاتحاد، الذي يعتبر أطول خطاب قاله رئيس أمريكي عن حالة الاتحاد في تاريخ الولايات المتحدة، وبلغ ساعة و54 دقيقة، وحطم ترامب بذلك الرقم القياسي الذي سجله الرئيس السابق بيل كلينتون في خطاب حالة الاتحاد عام 2000 والبالغ ساعة و20 دقيقة، كما تجاوز أيضاً مدة خطابه الرئاسي الذي ألقاه في مارس 2025 والبالغة مدته نحو ساعة و40 دقيقة.
خطاب حالة الاتحاد كأداة لصياغة الأجندة السياسية للرئيس:
ومن المعروف أن خطاب حالة الاتحاد يعد وسيلة لصياغة الأجندة السياسية للرئيس ووضع الملامح الرئيسية لشكل عمل الإدارة الأمريكية. يأتي هذا الخطاب في لحظة محورية لرئاسة ترامب، إذ يسعى إلى إعادة ضبط شاملة للأوضاع السياسية وتعزيز الدعم لحزبه الجمهوري، إذ تُظهر استطلاعات الرأي قلق الأمريكيين بشأن الاقتصاد وتشكيكهم في سياسات ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
ويواجه الرئيس ترامب حالياً تراجعاً في شعبيته، وسط عدد من القضايا الشائكة في سياسته الخارجية، بما في ذلك التهديد بعمل عسكري ضد إيران، والذي نفذه بالفعل صباح السبت بالتعاون مع تل أبيب، ونكسة لسياساته الجمركية بعد أن قررت المحكمة العليا الأمريكية إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها العام الماضي.
فقد أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة واشنطن بوست وشبكة ABC الإخبارية وشركة إيبسوس، ونُشر الأحد الماضي، أن نحو 60% من الأمريكيين غير راضين عن أداء ترامب، كما انخفضت نسبة تأييد الرئيس إلى أدنى مستوى لها، حيث بلغت 26% فقط بين المستقلين، وفقاً لاستطلاع رأي جديد أجرته شبكة CNN.
واستعرض ترامب إنجازات إدارته خلال العام المنصرم من ولايته في عدد من المجالات على النحو التالي:
فبدأ ترامب خطابه بتوجيه عدة رسائل حازمة في الملف الأمني، مؤكداً أن العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الكاريبي نجحت في منع دخول كميات قياسية من المخدرات إلى الولايات المتحدة، في ما وصفه بأنه إنجاز استراتيجي غير مسبوق.
وكشف عن وجود عناصر روسية وصينية خلال عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، معتبراً أن توقيفه يمثل "نصراً للأمن القومي الأمريكي"، مشيراً إلى تنسيق وثيق مع رئيسة فنزويلا بالوكالة.
وفي رسالة مزدوجة، أعلن ترامب أنه لا يسعى لاستخدام القوة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن الولايات المتحدة "تؤمن بالسلام من خلال القوة".
وفيما يتعلق بسياساته الخارجية، تحدث عن الحرب الأوكرانية الروسية، وقال إنه يعمل جاهداً لإنهائها، كما أعرب عن رغبته في التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، مفضلاً الدبلوماسية، لكنه شدد على أنه "لن يسمح بوجود سلاح نووي في إيران"، معتبراً أن الصواريخ الإيرانية تهدد أوروبا وجميع الدول، ومعلناً أن بلاده قضت على البرنامج النووي الإيراني.
وقال ترامب في خطابه عن حالة الاتحاد: "نحن في مفاوضات معهم، وهم يريدون إبرام اتفاق، لكننا لم نسمع منهم تلك الكلمات السرية. لن نمتلك أبداً سلاحاً نووياً". وقال ترامب: "أفضّل حل هذه المشكلة من خلال الدبلوماسية، لكن هناك أمراً واحداً مؤكداً.. لن أسمح أبداً للدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم، وهو ما هم عليه إلى حد بعيد، بامتلاك سلاح نووي".
واتضح أن كل ما ذكره ترامب في خطابه هذا عن تفضيله للمسار التفاوضي، الذي باء بالفشل عقب المباحثات التي جرت يوم الخميس 26 فبراير 2026، كان مجرد تمويه وخداع للرأي العام بحسب ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز صبيحة تنفيذ الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على طهران والرد الإيراني الموسع الذي طال القواعد الأمريكية وأهدافاً مدنية في دول الخليج والأردن واستهداف الداخل الإسرائيلي في تداعيات خطيرة ومتسارعة وغير مسبوقة قد تنذر بحرب إقليمية ممتدة ستتكبد فيها كل الأطراف خسائر كبيرة وستؤثر على أمن واستقرار المنطقة.
وفي ملف الشرق الأوسط، أعلن إنهاء حرب غزة وإعادة المحتجزين، واصفاً ذلك بأنه "أمر لا يصدق"، موجهاً الشكر لويتكوف وكوشنر وروبيو على دورهم في إنهاء الحرب، ومؤكداً أن إدارته أنهت عدداً من الحروب والصراعات، فيما لم يتحدث عن رؤيته لتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق السلام، وحث تل أبيب على المضي قدماً للوفاء بالتزاماتها.
وعلى الصعيد الداخلي، قال ترامب إن العاصمة واشنطن أصبحت خالية من الجريمة، متعهداً بعدم السماح بالعنف السياسي في الولايات المتحدة. وهاجم الديمقراطيين، متهمًا إياهم بالغش في الانتخابات، ومطالباً الكونجرس بتمرير مشروع قانون يمنع المهاجرين غير الشرعيين من التصويت في الانتخابات الأمريكية، مع قصر التصويت عبر البريد على حالات المرض والإعاقة.
كما دعا إلى إقرار قانون "إنقاذ أمريكا" لإخراج المهاجرين غير الشرعيين، منتقداً ما وصفه برفض الديمقراطيين الموافقة على ميزانية الحدود وفتحها أمام المجرمين.
وأعلن "الحرب على الفساد" بقيادة نائبه جي دي فانس، مشيراً إلى خطة لمنح العمال المزايا التقاعدية نفسها الممنوحة لموظفي الحكومة الأمريكية، على أن تُعلن خطة خاصة بالمتقاعدين العام المقبل، مطالباً الكونجرس بإقرار برنامجه.
اقتصادياً، تعهد ترامب بخفض أسعار الأدوية والرعاية الصحية والكهرباء، معتبراً أن النظام الصحي السابق كان يضر الأمريكيين، وأن إدارته أصلحت "كارثة" الرعاية الصحية.
ودافع عن سياسة الرسوم الجمركية، معتبراً أنها أفضل من فرض ضرائب على المواطنين، ومشيراً إلى أن يوماً سيأتي تحل فيه الرسوم محل ضرائب الدخل. كما وصف قرار المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية بأنه "مؤسف للغاية"، لافتاً إلى أن دولاً عدة ترغب في الاستمرار في دفعها رغم القرار.
وأكد أن الديمقراطيين صوتوا ضد أكبر تخفيضات ضريبية، بينما خفضت إدارته الضرائب بصورة غير مسبوقة. وأشار إلى استقبال أكثر من 80 مليون برميل من النفط الفنزويلي، وإيجاد 1.2 مليون فرصة عمل، وضخ استثمارات تتجاوز تريليون دولار خلال عام.
واتهم إدارة بايدن بترك "أسوأ نسبة تضخم في تاريخ أمريكا" ورفع أسعار الفائدة إلى مستويات كبيرة، مؤكداً أن إدارته خفضت التضخم إلى أدنى مستوى في خمس سنوات، وقلصته خلال ثلاثة أشهر إلى 1.7%، إلى جانب خفض أسعار البنزين والعقارات، معتبراً أن الاقتصاد يتقدم وأن التضخم تم القضاء عليه.
وفي ملف الهجرة، قال ترامب إنه لم يدخل البلاد أي مهاجر بطريقة غير شرعية طوال تسعة أشهر من ولايته، مؤكداً أن الحدود أصبحت مؤمنة، وأن الفوضى والجريمة تم القضاء عليهما خلال عام واحد، وأن الولايات المتحدة "أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل".
ختاماً:
باستعراضنا لأهم ما جاء في خطاب ترامب عن حالة الاتحاد، يمكن استخلاص الملاحظات التالية:
يعتبر هذا الخطاب ما هو إلا تكرار للمبادئ الواردة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تم إصدارها في ديسمبر 2025، وكذا تجسيداً لعقيدة ترامب المؤمنة بأمريكا العظمى والتفوق الأمريكي في كافة المجالات. وبذلك فإن هذا الخطاب كان تعبيراً صريحاً عن الإيديولوجيا الشعبوية التي يؤمن بها ترامب ومؤيدوه من أعضاء حركة ماجا وأنصار تيار اليمين في الحزب الجمهوري.
ورسخ خطاب ترامب الانقسام غير المسبوق بين الجمهوريين والديمقراطيين، فخطاب حالة الاتحاد من المفترض أنه يعكس طبيعة ميزان القوى بين البيت الأبيض والكونجرس، ولكن أصبح هذا التوازن مختلاً في إدارة ترامب الثانية في وجود رئيس جمهوري في البيت الأبيض وأغلبية جمهورية في غرفتي الكونجرس، وبالتالي فقد تحول الخطاب إلى أداة لحشد الرأي العام لتبني أفكار ترامب وإدارته، وتحول الخطاب إلى منصة للهجوم الشرس على الديمقراطيين واتهامهم بتمرير قوانين أضرت بمصلحة الولايات المتحدة خاصة فيما يتعلق بملف الهجرة. وقد أثار خطاب ترامب غضب عدد من النواب الأمريكيين الحاضرين، من بينهم إلهان عمر، النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، التي قاطعت ترامب قائلة: "لقد قتلت أمريكيين"، وذلك رداً على انتقاداته للديمقراطيين لمطالبتهم بالإصلاح قبل تمويل وزارة الأمن الداخلي.
فيما لم يحضر ما يقرب من نصف الأعضاء الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب خطاب "حالة الاتحاد"، فتشير التقارير الصحفية أن ما يقرب من 20 سيناتوراً ديمقراطياً وأقل من 110 نواب ديمقراطيين كانوا حاضرين عند بدء خطاب ترامب، وهو ما يعادل قرابة نصف إجمالي عدد الأعضاء الديمقراطيين في الكونجرس تقريباً. فيما غادر عدد من النواب الديمقراطيين الذين حضروا مبنى الكونجرس بعد بدء الخطاب بوقت قصير. وتعكس دلالة هذه الأحداث أن انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المزمع إجراؤها في نوفمبر القادم ستشهد حرباً شعواء بين الجمهوريين والديمقراطيين، وفي حالة فوز الديمقراطيين بالأغلبية، ستشهد العلاقة بين الكونجرس والبيت الأبيض مزيداً من التوتر سينعكس بشكل كبير على طبيعة القرارات التي ستتخذها الإدارة في السنوات المتبقية من ولاية ترامب الثانية المثيرة للجدل، خاصة بعد تصاعد وتيرة الأحداث في ضوء بدء الحرب على إيران وما ستنجم عنه من تداعيات خطيرة داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.