بين الأوكار ومزارع الموت.. شبكات الإخوان السرية لتخزين السلاح
ألقت دراما "رأس الأفعى" الضوء على طريقة إخفاء جماعة الإخوان للسلاح في المناطق الزراعية والمزارع في المناطق الصحراوية ما يعرف "بمزارع الموت" في البحيرة ودمياط، كاستراتيجية تنظيمية متأصلة عبر التاريخ لإدارة عملياتها بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية، والتي اعتمدت، في مراحل مختلفة من تاريخها، على شبكات سرية لتخزين الأسلحة والمواد المتفجرة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية للأراضي الزراعية في الريف المصري.
هذا النمط من العمل السري ليس جديدًا في أدبيات الجماعة، بل يمتد بجذوره إلى مرحلة الأربعينيات والخمسينيات، حين أنشأت الجماعة ما عُرف بـ"النظام الخاص"، وهو الجهاز السري المسلح الذي أسسه مؤسس الجماعة حسن البنا بهدف تنفيذ عمليات نوعية خارج الأطر التنظيمية العلنية.
اللجان النوعية
بعد الإطاحة بحكم محمد مرسي عام 2013، دخلت جماعة الإخوان مرحلة اتسمت بتصاعد نزعات العنف المسلح، وذلكم من خلال ظهور المجموعات المتعددة تحت مسمى "اللجان النوعية"، والتي مارست العنف ضد مؤسسات الدولة ورجالها.

وقد اعتمدت هذه الخلايا على أساليب تنظيمية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في الماضي، أبرزها العمل في مجموعات محدودة العدد، واستخدام أماكن غير تقليدية لإخفاء الأسلحة أو المواد المستخدمة في العمليات، ومن ثم برزت بعض المناطق الزراعية كمواقع محتملة لتخزين أدوات العنف أو استخدامها كمناطق تدريب بعيدة عن المراقبة المباشرة.
ولا يمكن اعتبار اللجان النوعية المسلحة التابعة لجماعة الإخوان نقطة تحول في تاريخها، سواء على المستوى المنهجي الفكري أو على المستوى التنظيمي والحركي، وإنما كانت تجسيدًا حقيقيًا وفاعلًا لأفكار وأدبيات حسن البنا وسيد قطب، وامتدادًا للتنظيم السري المسلح الذي أسسه البنا في أربعينيات القرن الماضي، وتورط في العديد من العمليات الإرهابية.
لكن ثمة عوامل ساعدت في بلورة اللجان النوعية فكريًا وتنظيميًا عقب ثورة 30 يونيو 2013، والتي تنوعت ما بين "العقاب الثوري"، وحركة "ولع"، وحركة "كتائب حلوان"، وصولًا إلى حركة "حسم" وحركة "لواء الثورة"، والتي اتخذت جميعها الطابع المسلح، في ظل اعتمدها على عدة دراسات فكرية طرحتها الجماعة عقب سقوط حكمها، وعبرت بوضوح عن الخط الفكري للتنظيم الإخواني، وحملت تبريرًا منهجيًا وتأصيلًا شرعيًا لتكفير المجتمع، واغتيال رموز الدولة واستهداف مؤسساتها والعمل على إسقاط النظام السياسي، تحت ما يسمى بـ"فقه دفع الصائل" و"الفئة الممتنعة".

وقد تم تطوير هذه الكيانات في ظل إشراف محمود عزت على إدارة العمل النوعي، وفق إيمانه المطلق بأفكار سيد قطب، ووثيقته المعروفة بـ"خطة رد الاعتداء على الحركة الإسلامية" والتي كانت مشروعًا مكتمل الأركان يقوم على تحويل الدولة إلى هدف مباشر عبر شل مؤسساتها، وتدمير بنيتها التحتية، واغتيال قياداتها تحت غطاء فقهي يمنح القتل شرعية زائفة، والتي تم إعادة استدعائها دراميًا في مسلسل "رأس الأفعى".
قضية الأوكار
في إطار التسلسل التاريخي للأحداث القى المسلسل الضوء على قضية "الأوكار"، وذلك من خلال تصاعد نشاط الجهاز السري للإخوان في الأربعينيات، بدأت الجماعة في إنشاء شبكات سرية لتخزين الأسلحة والمتفجرات في أماكن بعيدة عن الرقابة المباشرة، وكانت عبارة عن شقق ومخازن سرية في الأراضي الزراعية استخدمت لتخزين السلاح والمتفجرات وعقد اجتماعات التنظيم الخاص بعيدًا عن أعين الدولة، وارتبطت تاريخيًا بقضية "السيارة الجيب" عام 1948 عن وجود وثائق وأسلحة ومتفجرات تخص الجهاز السري للجماعة.
وقد مثلت هذه القضية نقطة تحول في علاقة الدولة المصرية بالجماعة، لأنها كشفت عن وجود تنظيم مسلح يعمل في الخفاء داخل المجتمع، الأمر الذي دفع الحكومة آنذاك إلى اتخاذ إجراءات واسعة ضد التنظيم، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت فكرة إنشاء مخازن سرية للأسلحة جزءًا من الثقافة التنظيمية لبعض التيارات المتشددة المرتبطة بفكر الإسلام الحركي.
ولم تكن قضية "الأوكار"، مجرد حادثة أمنية عابرة في تاريخ الصراع بين الدولة وجماعة الإخوان، بل مثلت واحدة من أخطر اللحظات التي أظهرت مبكرًا وجود بنية تنظيمية سرية مسلحة داخل الجماعة تعمل خارج إطار النشاط السياسي العلني.

حادثة السيارة الجيب
بلغت القضية ذروتها عام 1948 مع اكتشاف ما عُرف تاريخيًا باسم حادثة "السيارة الجيب"، عندما تمكنت الشرطة المصرية من ضبط سيارة تابعة للتنظيم الخاص، وكانت المفاجأة أن السيارة احتوت على وثائق بالغة الخطورة، تضمنت أسماء أعضاء التنظيم السري، وخرائط لمخازن الأسلحة، وخطط عمليات واغتيالات، وعناوين الشقق السرية، وبناءً على هذه الوثائق شنت الأجهزة الأمنية حملة مداهمات واسعة كشفت عن شبكة من الأوكار التي تحتوي على عدد كبير من المتفجرات والقنابل، والأسلحة النارية، والمواد الكيميائية لصناعة المتفجرات، ومطابع سرية لإنتاج المنشورات، وقد أثبتت التحقيقات أن التنظيم الخاص كان يدير شبكة سرية منظمة تعمل داخل الدولة المصرية.
أدت هذه التطورات إلى تصعيد حاد بين الحكومة المصرية والجماعة، حيث قرر رئيس الوزراء آنذاك محمود فهمي النقراشي باشا في ديسمبر 1948 حل جماعة الإخوان ومصادرة ممتلكاتها، لكن بعد فترة قصيرة من هذا القرار تم اغتيال النقراشي باشا على يد أحد أعضاء التنظيم الخاص، وهو ما عزز الاتهامات بأن الجماعة تمتلك جناحًا سريًا مسلحًا يعمل خارج إطار العمل السياسي، ومنذ تلك اللحظة أصبحت قضية التنظيم الخاص واحدة من أهم القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا حول طبيعة البنية التنظيمية لجماعة الإخوان.
لم تكن قضية "الأوكار" حادثة منفصلة، بل جاءت في سياق نمط متكرر في تاريخ الجماعة، حيث ظهر الجهاز السري في أكثر من مرحلة تاريخية بأشكال مختلفة، فقد شهدت مصر خلال الأربعينيات سلسلة من عمليات الاغتيال السياسي التي ارتبطت بأعضاء التنظيم الخاص، من بينها اغتيال القاضيالخازندار عام 1948، واغتيال النقراشي باشا في العام نفسه، ما يعني أن دائرة العنف متأصلة في العمق التنظيمي للإخوان.
عمرو فاروق*



