رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من متاهات الجماعة إلى التمرد التنظيمي.. تجارب المنشقين في سراديب الإخوان

جماعة الإخوان -أرشيفية
جماعة الإخوان -أرشيفية

توثيق التجارب الذاتية للمنشقين عن الإطار التنظيمي لجماعة الإخوان ، اسقطت في متنها النقاب عن الأسرار التي تلتحف بها مكونات الهيكل الإخواني، بعيدًا عن ثقافة التنظير، فضلًا عن قدرتهم في تقديم الصورة الحقيقية عن الأوضاع الداخلية التي تعمد القائمون على الجماعة اخفائها منذ تأسيسها في عشرينات القرن الماضي. 

اعتمدت السرديات الذاتية للقيادات والعناصر المتفلتة عن الجماعة ومشروعها على النقد الحركي والفكري، وتدليل منطقهم بعشرات البراهين والمواقف المتعايشة تحت مظلة الانقياد والتبعية التنظيمية التي ارتبطت بالإطار العقائدي.

خطى عدد من المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين، جزء من تجاربهم داخل الكيان المسردب والمغلف بالحيطة والسرية، مثل "كنت إخوانيًا.. وأصبحت مصريًا"، للقيادي السابق بالجماعة طارق البشبيشي، عن دار "نفرتيتي"، وكتاب "حتى لا تقع في الشباك"، لخميس الجارحي، عن دار "مزاج"، وكتاب "عرفت الإخوان في السجن" لعماد عبد الحافظ، عن دار "سما"، و"صندوقي الأسود"، للكاتبة الصحفية ناهد إمام عن دار "كتبنا".  

سر المعبد
سر المعبد

كما قدم الفرنسي من أصل مغربي محمد لويزي، تجربته الإخوانية بعد انفصاله عن المشروع، تحت عنوان صريح هو: "لماذا انفصلت عن الإخوان المسلمين؟، عام 2016، مستعرضًا مساره الحركي قبل اتخاذ قرار الانفصال النهائي عن المشروع، كما أصدر كتاب "نداء من أجل إسلام لا سياسي"، وكتاب "تحرير الإسلام من الإسلاموية".

ويعتبر الكتاب شهادة فكرية وسياسية مهمة ضمن أدبيات ما يُعرف بظاهرة "المنشقين"، عن الحركات الإسلامية الذين يقدمون مراجعات نقدية لتجربتهم التنظيمية والفكرية، ويرى محمد لويزي، الذي عاش تجربة الانخراط داخل جماعة الإخوان في المغرب وأوروبا، قراءة نقدية لتلك التجربة، كاشفًا آليات العمل التنظيمي، ومنهجية الانتشار في الغرب، وطبيعة المشروع الأيديولوجي الذي يحكم الحركة. ولا يقتصر الكتاب على كونه مذكرات شخصية، بل يمثل تحليلًا فكريًا لمسار الإسلام السياسي، ويطرح تساؤلات جوهرية حول علاقة الدين بالسياسة، وحدود العمل الدعوي، وطبيعة المشروع الإخواني في أوروبا والعالم العربي.

صندوقي الاسود
صندوقي الاسود

وسبقهم في هذا المضمار كتاب "جنة الإخوان"، لسامح فايز، عن دار "التنوير"، وكتاب "سر المعبد" للدكتور ثروت الخرباوي، عن "نهضة مصر"، وكتاب " قصتي مع الإخوان" لسامح عيد، عن مركز "المحروسة"، وكتاب "من داخل الإخوان أتكلم" لأسامة درة، عن دار "المصري"، وكتاب "تجربتي مع الإخوان.. من الدعوة إلى التنظيم السري" للدكتور عبد الستار المليجي، و"مذكرات أخت سابقة.. حكايتي مع الاخوان"، للروائية انتصار عبد المنعم، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة.

وفي إطار المراجعة النقدية للمشروع الفكري للجماعة، قدم عضو مجلس شورى الجماعة السابق، الدكتور أحمد ربيع غزالي، أول دراسة نقدية في فكر الإخوان المسلمين، تحت عنوان "ألغام في منهج الإخوان"، عن دار "سما"، وطرح أحمد بان "القواعد الأربعون للفكر الإخواني"، عن "دار المعارف"، وكتاب "الإخوان المسلمون ومحنة الوطن والدين"، عن مركز "النيل"، وقدم كذلك، سامح عيد "رسائل التكفير في فكر حسن البنا"، عن مركز "المحروسة".

مذكرات أخت سابقة 
مذكرات أخت سابقة 

التجارب الذاتية سالفة الذكرة، يحتاج كل منها عرضًا خاصًا بمحتوياتها، وإن ركزت غالبيتها على عدد من النقاط المتعلقة بالجانب الحركي، لا سيما خطوات الاستقطاب الفكري، ومراحل التجنيد التنظيمي، وعملية التحول التي يتعرض لها الأفراد منذ وقوعهم في شباك الجماعة ومخططها، وانقيادهم لمبادئ السمع والطاعة.

توثيق التجارب الذاتية للمنشقين يمثل خيطًا مهمًا في فضح غموض التنظيم السري، من واقع الممارسة الميدانية والعملية، في ظل الضوابط التي وضعت منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا، لإخفاء وقائع التنظيم وآليات تغلغله داخل المجتمع، ومراحل صناعة القوالب الإخوانية، وروابط العلاقة بين الأفراد والجماعة، فضلًا عن التراتبية التنظيمية التي تغلق الأسرار على دائرة بعينها.

كتاب جنة الإخوان  
كتاب جنة الإخوان  

 

رغم المسافة الفاصلة بين الانفصال الفكري، والانشقاق التنظيمي عن جماعة الإخوان، لا يمكن تعميم أسبابهما ودوافعهما، على مختلف القوالب أو النماذج التي تمردت على الواقع المتعايش داخل جدران الجماعة، إذ تتوقف في النهاية على معطيات نفسية واجتماعية وبيئية وفكرية، وإن كانت السمة الغالبة تبدو في رائحة "الندم" التي تنضح بها سطور تلك التجارب، وأسفهم على ضياع سنوات العمر، وارتمائهم بين جدران كيان تنظيمي، يخدع ابنائه ويلغى عقولهم، ويحولهم إلى موتى بين أيدي قاداتهم ونقبائهم. 

كما لا يمكن تجاهل المشاعر الإنسانية المختلطة، والحالة النفسية المرتبكة، التي غلفت تلك التجارب، في إظهار عملية "التمرد" على الجماعة وحصونها المنيعة، من الجندية في ظل عسكرة التنظيم، والانعزالية المجتمعية والانقلاب على التقاليد والاعراف السائدة، والتعبئة الفكرية الأحدية، وقدسية القيادات، والاستعلاء الإيماني، وتحقير المجتمع، انتهاء بالتباكي على أمجاد الخلافة.

تجربتي مع الإخوان   
تجربتي مع الإخوان   

التفلت من جدران التنظيم يضع "المنشقين" عنه في دائرة العداء المباشر من قبل قيادات الجماعة ومسؤوليها، ووصمهم بأبشع الاتهامات التي تخلع عنهم رداء الإسلام والإيمان، والباسهم تأويلًا بصفات أهل النار، بل والانغماس في دائرة التكفير والجاهلية، اتفاقًا مع رؤية حسن البنا وسيد قطب، التي صيغت في كتاب "الرسائل"، وكتاب "معالم في الطريق".

روايات المنشقين امتلأت بالاختبارات التي تجريها الجماعة مع عناصرها من حين لأخر للتأكد من سلامة ولائهم واستمرار انصياعهم لأوامرها، وعدم التخلي عن معتقداتها الفكرية، فضلًا عن حرصها المتزايد في الحفاظ على الكيان التنظيمي من الاختراق الأمني، ودوامها في التحري والتدقيق عن العناصر تم تجنيدها أو زرعها من قبل الأجهزة الأمنية بين صفوفها.

تناولت التجارب الذاتية دور "الأسرة"، و"الكتيبة"، و"المعسكر"، داخل الجماعة، وأهميتهم الفاعلة في تشكيل البناء الفكري والتنظيمي، ودورهم في عملية التأهيل الثقافي والتربوي، وإتمام "عملية التدرج" أو ما يعرف بـ "التراتبية التنظيمية"، وتحديد مدى صلاحية الأفراد في المهام المكلفين بها من قبل المسؤولين والقائمين على شؤونها في القطاعات والمناطق.

في إطار الحيرة التي امتلأت بها متون التجارب الذاتية للمنشقين، استنكر بعضها تجاهل قيادات التنظيم من الإجابة على السؤال الأهم : ماذا لو كان حسن البنا قد أخطأ، أو جانب سيد قطب "الصواب"؟، لا سيما أنه رغم مرور تلك السنوات على جماعة الإخوان وتاريخها، فإنها لم تقدم أية محاولة للمراجعة الذاتية أو إعادة النظر في الانحرافات الشرعية التي تملئ منهجها ورؤيتها الفكرية والحركية، ويتم تدارسُها بين قواعدها التنظيمية على أنها الطريق السليمة.

حتى لا تقع في الشباك 
حتى لا تقع في الشباك 

وضعت التجارب الذاتية للمنشقين النقاط على الحروف فيما يخص تعمد القائمين على الجماعة الخلط في المفاهيم، مثل الخلط بين الدين والجماعة وتوحدها مع الإسلام، وتقديم الانتماء للتنظيم على الانتماء للوطن، كضمانة للولاء والبراء للمشروع البناوي، وتقديم "إخوة التنظيم" على "إخوة النسب والدم" في إطار تفكيك التركيبة الاجتماعية، والترويج للخلافة كركن سادس من أركان الإسلام والشريعة.

وبينت التجارب الذاتية للمنشقين، أن رغبة الجماعة في الإطاحة بالنظم السياسية والوصول إلى السلطة، جعلها تُخرج الحكومات التي لا تطبق "الأحكام الدينية"، من ملة الإسلام وتضعها في دائرة "التكفير"، وتشرعن الخروج عليها بالقوة والسلاح، وتعتبر تخلف علماء الأمة ورموزها عن دعم مشروع الجماعة يعد "جريمة إسلامية كبرى"، لا تغتفر سوى بالانخراط في نشاطها ومناصراتها، وفقًا لرسالة المؤتمر الخامس لمؤسس الجماعة، حسن البنا.

لم تخف التجارب الذاتية للمنشقين سيادة ثقافة "الأسياد والعبيد" على الإطار العام للمكون التنظيمي، وهيمنة حالة "التمييز" بين الأفراد، في ظل منح فئة أو ثلة، بعضًا من الخيرات المالية، والمكتسبات المعنوية على حساب الأخرين.

التقارب والتنافر مع جماعات وتيارات الإسلام السياسي، يمثل نقطة فارقة في مسارات العمل التنظيمي داخل الإخوان، لا سيما في ظل الأبحاث الشرعية، التي يتم تدارسها فيما بينهم داخليًا، وترسخ لكمالية الحركة الإخوانية دون غيرها من الجماعات الأصولية الأخرى على المستوى الفكري والحركي والسياسي.

تطرقت تجارب المنشقين إلى كيفية توظيف الجماعة وقياداتها للأعمال الخيرية كغطاء دعائي لتحقيق المكاسب السياسية التي تدعم مرحلة التغلغل والتمكين، وتحويل الطبقات المجتمعية لحائط صد أمام أية مواجهات مع النظام السياسي الحاكم، وأحزاب المعارضة.

كنت اخوانيا واصبحت مصريا
كنت اخوانيا واصبحت مصريا

رغم أن التجارب الذاتية للمنشقين، تحمل في طياتها طرحًا أحاديًا، في ظل الدفع بالتشكك من مضامينها، أو تغليفها بفكرة "الشخصنة" والانتقام، فإنه لا يمكن تجاهل ما تحويه من معلومات ووقائع تسهم في إثراء العمل البحثي، كنموذج يقاس عليه ويستدل به في إطار تقييدها بالتجربة الشخصية.

ربما تعد محاولة النقد الفكري للمشروع البناوي القطبي، من قبل المنشقين عن الإخوان، المساحة الأهم والأوسع في تناول الإشكاليات والمفاهيم التي بنى عليها أركان الجماعة، ويتم من خلالها تأهيل القواعد التنظيمية وفقًا للمنهجية العملية، والتي سنتاولها بشيء من التفاصيل في المقالات المقبلة.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء