الإسلام وأصول الحكم.. الخلافة بين الوهم التاريخي والتوظيف السياسي
في إطار المواجهة الفكرية تأتي الأعمال الدرامية التوثيقية، مثل مسلسل "رأس الأفعى"، لتكشف جانبًا مهمًا من تاريخ جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، عبر تتبع مسارات الأفكار التي تحولت بمرور الزمن إلى وقودٍ للعنف والتنظيمات المسلحة، واستغلال مفاهيم "التمكين"، و"استاذية العالم"، و"إقامة الخلافة"، كشماعة لتبرير العنف والقتل.
ومن ثم يمثل كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، للمفكر الأزهري علي عبد الرازق أهمية استثنائية، إذ يمثل أحد أقدم النصوص الفكرية التي تصدت مبكرًا لمحاولة تحويل فكرة "الخلافة" التي تحولت من مسألة تاريخية إلى ذريعة أيديولوجية لتبرير العنف والطعن في شرعية الدولة الوطنية.
كان سقوط الخلافة العثمانية في مارس 1924، بمثابة زلزال أصاب أركان المجتمعات المسلمة، برغم أنه لم يكن سقوطاً مفاجئاً؛ بل توقعه جميع المتابعين للأحوال آنذاك، إذ دعا الأزهر الشريف علماءه الى مؤتمر حول بحث قضية "الخلافة"، انتهى فيه إلى أن منصب "الخليفة"، ضروري للمسلمين كرمز للوحدة، ويجب أن يجمع "الخليفة" بين السلطتين الدينية والمدنية، واتجه البعض إلى اختيار ملك مصر فؤاد الأول؛ ليكون خليفة المسلمين.
تمسّكت الحركات الراديكالية في مجمل أدبياتها بضرورة إقامة "الخلافة"، برغم اختلاف وسائلها في تحقيق مشروعها ذي الدلالات السياسية، في إطار تأصيل شرعي عقائدي جعلها ركنًا من أركان الإسلام، وفقًا لما أرساه كتاب "الحكومة الإسلامية" لأبي الأعلى المودودي، في ما طرحه حول نظرية "الحاكمية الإلهية"، وكتاب "الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه"، لآية الله الخميني، وكذلك سيد قطب، الذي قال في كتاب "في ظلال القرآن": "إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله، فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين"، مخالفين بذلك الأركان والأصول التي حددها الرسول محمد في حديثه القائل: "بُني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا"، فضلًا عن أنّ الحكم في ذاته ليس من أصول الإيمان الستّ، وهي: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل واليوم الآخر والقدر.

ليست أصلًا دينيًا
لكن الشيخ الأزهري، علي عبد الرازق، فاجأ الجميع بكتابه المثير للجدل، "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، ليضع حدًا لما يجري برأيه الصريح، من أن "الخلافة" ليست أصلًا دينيًا، وأنه لم يرد بيان في القرآن ولا في السنّة، بوجوب تنصيب خليفة، أو طريقة اختياره، فضلًا عن أنها - الخلافة - كانت نكبة على الإسلام، ومصدرًا للشر والفساد؛ الأمر الذي فجر موجةً عارمةً من الغضب ضده، وضد الكتاب.
برز كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بوصفه واحدًا من أهم الأعمال الفكرية التي تصدت مبكرًا لهذه الأسطورة السياسية، وكشفت بجرأة علمية زيف الادعاء القائل بأن الخلافة أصل من أصول الدين أو ركن من أركان الشريعة الإسلامية، فالكتاب الذي صدر عام 1925 لم يكن مجرد دراسة فقهية حول نظام الحكم، بل كان محاولة فكرية جريئة لفصل المقدس الديني عن التوظيف السياسي، وفضح الآليات التي استخدمتها الحركات الأيديولوجية لاحقًا في تحويل الخلافة إلى "شماعة" تُعلَّق عليها مشاريع الهيمنة والسلطة.
انطلق الشيخ علي عبد الرازق في كتابه من فرضية أساسية مفادها أن الإسلام في جوهره دين روحي وأخلاقي، وليس نظامًا سياسيًا محدد المعالم. ومن ثم فإن شؤون الحكم وإدارة الدولة تدخل في إطار المصالح الدنيوية التي يحددها العقل البشري وتجارب الأمم، ومن ثم رفض عبد الرازق الفكرة التي روج لها بعض الفقهاء عبر التاريخ، والقائلة إن نظام الخلافة يمثل امتدادًا دينيًا لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنه واجب شرعي يجب على المسلمين إقامته.
يرى عبد الرازق أن "الخلافة" ليست في شيء من الخطط الدينيّة، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنّما تلك كلّها خطط سياسيّة صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يُعرفها ولم يُنكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، بل تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة، وأنّ تدبير الجيوش الإسلاميّة، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، بل يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب، أو هندسة المباني وآراء العارفين.
بل ذهب إلى القول إن الخلافة ليست أكثر من نظام سياسي تاريخي ابتكره المسلمون لتنظيم شؤون دولتهم، وهو نظام بشري خاضع للخطأ والصواب، وليس تشريعًا إلهيًا ملزمًا، وهنا تكمن أهمية هذا الطرح، إذ إنه يسحب البساط من تحت الأيديولوجيات المعاصرة التي تحاول تقديم مشروع "الخلافة" باعتباره قدرًا دينيًا مقدسًا.
لم يكتف الشيخ عبد الرازق بتحليل النصوص الدينية، بل لجأ أيضًا إلى قراءة تاريخية نقدية لتجربة الخلافة، فقد اعتبر أن التاريخ السياسي للخلافة لم يكن نموذجًا مثاليًا للحكم، بل شهد صراعات دموية وحروبًا أهلية وانقلابات سياسية، بل وصف الخلافة بأنها كانت في كثير من مراحلها مصدرًا للشرور والفتن التي عصفت بالمجتمعات الإسلامية، وبالتالي كرس عبد الرازق لرفض فكرة تقديس هذا النظام السياسي أو التعامل معه باعتباره نموذجًا دينيًا واجب الاستعادة.
ويختتم الشيخ الأزهري كلامه، بأنه لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلّها، وأنّ يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشريّة، وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على أنّه خير أصول الحكم.
وإزاء ما وصل إلى الملك فؤاد الأول حول الكتاب، وما تضمنه من أفكار ستقطع عليه الطريق نحو منصب "الخليفة"، أوعز إلى كبار مشايخ الأزهر، مستغلّاً غضبهم من الشيخ علي عبد الرازق، فصدرت ضده سلسلة من الأحكام القاسية؛ فطُرد من وظيفته، ومن عضوية هيئة كبار علماء الأزهر.
سبق سقوط الخلافة العثمانية، تأصيلًا شرعيًا طرحه بعض رجال الدين التركي، من خلال دراسة بحثية قدمت الى المجلس الوطني الكبير، بزعامة مصطفى كمال أتاتورك، في نوفمبر 1923، حول موقف الشريعة الإسلامية من قضية "الخلافة" تحت عنوان "الخلافة وسلطة الأمة"، اعتماداً على أمهات الكتب الفقهية والمراجع الدينية، آخذين من الكتاب والسنّة والقياس والإجماع، وهو الحكم الشرعي الذي استند إليه أتاتورك لإلغاء الخلافة نهائياً في مارس 1924.

الخلافة وسلطة الأمة
صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الخلافة وسلطة الأمة" عام 1924، عن دار الهلال في القاهرة، ونقله عن التركية عبد الغني سني بك (السكرتير العام لولاية بيروت حينها ومتصرف اللاذقية سابقاً)، وله طبعة أخرى صدرت عن دار النهر المصرية، عام 1995، قدّم لها المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، وألحق بها نصّ محاضرة للشيخ علي عبد الرازق، بعنوان "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، ألقاها في الجامعة الأمريكية في القاهرة، في مارس 1932.
أكدت الرسالة البحثية الشرعية أن "الخلافة" في حد ذاتها من الأمور الدنيوية أكثر من كونها من الأمور الدينية، وأنها من المسائل الفرعية، ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة ولا علاقة لها بالعقيدة، فهي ولاية إدارية سياسية، كالولاية العامة التي يتولاها الملك أو الرئيس، وأنه لم يرد بيان صريح في القرآن الكريم، ولا في الأحاديث النبوية، فى كيفية تنصيب الخليفة وتعيينه، وأن الرسول ﷺ، لم يترك نصاً صريحاً بتنصيب أحد بعده، ولو كانت من الثوابت العقائدية والمسائل الدينية الرئيسية لبيَّنها وما سكت عنها، وفقاً لقوله تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا".
الخلافة الجهادية
تكمن خطورة الأسطورة السياسية لـ"الخلافة الإسلامية" في أنها لم تبق مجرد فكرة تاريخية، بل تحولت في العصر الحديث إلى أداة أيديولوجية لدى التنظيمات المتطرفة، فقد استندت تيارات الإسلام الحركي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، إلى فكرة "إحياء الخلافة" باعتبارها هدفًا استراتيجيًا طويل المدى، ومع تطور الفكر التكفيري، تحولت هذه الفكرة إلى مشروع مسلح لدى تنظيمات مثل تنظيم القاعدة، التي قدمت الخلافة بوصفها الهدف النهائي للحرب الجهادية المسلحة.
لكن القفزة الأخطر جاءت مع إعلان أبو بكر البغدادي قيام "الخلافة" عام 2014 عبر تنظيم داعش، وهو الإعلان الذي فتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من العنف والإرهاب، فقد استخدمت هذه التنظيمات مفهوم "الخلافة" لتبرير تكفير المجتمعات الإسلامية نفسها، واعتبار الأنظمة السياسية "أنظمة جاهلية"، الأمر الذي شرعن عمليات القتل والتفجير واستهداف مؤسسات الدولة.
الخلافة كشماعة للعنف
لا شك في أن فكرة الخلافة تحولت في الخطاب الفكري للجماعات المتطرفة إلى "شماعة أيديولوجية" تُعلَّق عليها كل مشاريع العنف، فأصبحت دولة وطنية تُرفض لأنها تعطل إقامة الخلافة، وكل نظام سياسي يُكفَّر لأنه لا يطبق "الحاكمية"، وكل مؤسسات الدولة تصبح هدفًا مشروعًا للهجوم، وهكذا تحولت فكرة تاريخية إلى أداة لتقويض الدولة الوطنية ونشر الفوضى.
الخلافة والدولة الوطنية
أخطر ما في خطاب "الخلافة الجهادية" أنه يتجاوز حدود التنظير الفكري ليصبح مشروعًا سياسيًا مسلحًا يستهدف إسقاط الدول الوطنية، ومن ثم يأتي أهمية الطرح الذي قدمه الشيخ علي عبد الرازق قبل قرن من الزمن، حين أكد أن الإسلام لم يفرض نظام حكم بعينه، وأن المسلمين أحرار في اختيار النظم السياسية التي تحقق مصالحهم، وبالتالي يفتح هذا الطرح الباب أمام تبني نظم الحكم الحديثة، بما فيها الدولة الوطنية والديمقراطية والمؤسسات الدستورية، باعتبارها أدوات بشرية لإدارة شؤون المجتمع.
بعد مرور قرن تقريبًا على صدور كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، ما تزال الأفكار التي طرحها صاحبه تحتفظ بأهميتها الفكرية والسياسية، فقد أثبتت التجربة التاريخية أن أخطر معارك مواجهة التطرف لا تقتصر على المواجهة الأمنية، بل تمتد إلى ميدان الفكر والوعي، وإذا كانت التنظيمات المتطرفة قد حاولت استغلال فكرة الخلافة لتبرير مشاريعها العنيفة، فإن قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي كما قدمها علي عبد الرازق ، تبرز أن هذه الفكرة لم تكن يومًا فريضة دينية، بل نظامًا سياسيًا بشريًا قابلًا للنقد والتجاوز.
عمرو فاروق*



