الاختبار الصعب: هل تنجح محادثات طوكيو في كبح التصعيد الأمريكي؟
تجد اليابان نفسها اليوم أمام اختبار دبلوماسي هو الأصعب منذ تولي ساناي تاكايتشي رئاسة الوزراء، حيث تسعى طوكيو للموازنة بين تحالفها الاستراتيجي الراسخ مع واشنطن وبين مصالحها القومية الحيوية في استقرار الشرق الأوسط، إذ تأتي تصريحات تاكايتشي أمام البرلمان الياباني، والتي تجنبت فيها إعطاء توصيف قانوني للضربات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضد طهران، لتعكس رغبة طوكيو في الحفاظ على مسافة آمنة تضمن لها دور الوسيط الموثوق، وفي الوقت ذاته عدم تعكير أجواء القمة المرتقبة مع الرئيس دونالد ترمب في واشنطن منتصف مارس الجاري.
هذا الحذر الياباني تفرضه واقعية اقتصادية وجيوسياسية معقدة؛ فبينما يلوح شبح إغلاق مضيق هرمز في الأفق مهدداً شريان الطاقة الذي يغذي الصناعة اليابانية، تدرك إدارة تاكايتشي أن لغة المحادثات الصريحة مع ترامب هي السبيل الوحيد لضبط إيقاع التصعيد العسكري بما لا يؤدي إلى انهيار أمن الملاحة الدولية.
إنها محاولة يابانية لرسم مسار ثالث يجمع بين الالتزام بمتطلبات الأمن الجماعي مع الحلفاء، والحفاظ على دبلوماسية الطاقة التي تشكل العمود الفقري للاستقرار الاقتصادي في شرق آسيا.
المحادثات الأمريكية اليابانية
تتجه الأنظار نحو العاصمة الأمريكية واشنطن في التاسع عشر من مارس الجاري، حيث من المقرر أن تعقد تاكايتشي لقاءً مفصلياً مع الرئيس ترامب. هذا اللقاء لا يعد مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل يمثل محاولة يابانية لضبط إيقاع السياسة الخارجية الأمريكية في لحظة شديدة الانفجار، خاصة بعد العملية التي استهدفت العمق الإيراني.

وتسعى رئيسة الوزراء من خلال ما وصفته بـ"المحادثات الصريحة" إلى استيضاح الخطوات القادمة للإدارة الأمريكية، ومحاولة الحصول على ضمانات بعدم انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة. وتدرك طوكيو أن الدبلوماسية هي المفتاح الوحيد للتعامل مع نهج ترامب، الذي يطالب الحلفاء بمواقف أكثر وضوحاً مقابل الحماية الأمنية.
وفي سياق متصل، تلمح طوكيو إلى رغبتها في التنسيق مع قادة دوليين آخرين قبل التوجه إلى البيت الأبيض، في إشارة إلى بناء جبهة دبلوماسية تطالب بالتهدئة. ويعكس هذا التحرك استراتيجية يابانية تهدف إلى تقديم بدائل عقلانية للتصعيد العسكري، تضمن استمرار تدفق المصالح المشتركة دون التضحية بالاستقرار الإقليمي الهش.
وتختتم هذه القمة المرتقبة سلسلة من المشاورات الداخلية في اليابان، حيث تحاول الحكومة موازنة خطابها بين دعم الحليف الأمريكي وبين الحفاظ على قنوات خلفية مع طهران. إن نجاح تاكايتشي في واشنطن سيعتمد بشكل أساسي على قدرتها على إقناع البيت الأبيض بأن أمن الحلفاء في شرق آسيا مرتبط عضويًا بهدوء الجبهات في الشرق الأوسط.
الحذر الياباني وتوازنات القوى
أثار رفض تاكايتشي تقديم تقييم قانوني للضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران حالة من الجدل داخل أروقة البرلمان. حالة الصمت الاستراتيجي تعكس رغبة طوكيو في تجنب التورط في سجالات قانونية دولية قد تضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تلزمها بمواقف عدائية تجاه طهران.

ويهدف امتناع الحكومة عن التوصيف القانوني إلى حماية المصالح اليابانية من أي رد فعل انتقامي قانوني أو سياسي؛ فاليابان، التي تلتزم تقليدياً بمبادئ الأمم المتحدة، تجد نفسها اليوم أمام واقعية سياسية تفرض عليها غض الطرف عن العمليات الاستباقية التي يقوم بها حلفاؤها لضمان أمن الملاحة ومنع التهديدات النووية.
علاوة على ذلك، يمثل هذا الحذر محاولة لتجنب استثارة الجانب الإيراني الذي يمتلك أوراق ضغط قانونية وميدانية في ممرات التجارة البحرية. فإدانة الضربات قد تُفهم كخروج عن التحالف مع واشنطن، بينما تأييدها قانونياً قد يجعل السفن والمنشآت اليابانية أهدافاً مشروعة في نظر "محور المقاومة" كأطراف داعمة للعدوان.
اليابان وشبح الانهيار النفطي
يواجه الاقتصاد الياباني تهديداً وجودياً مع تصاعد التوترات العسكرية التي تضع مضيق هرمز في دائرة الاستهداف المباشر. وتعتمد اليابان على هذا الممر المائي لتأمين نحو 90% من احتياجاتها النفطية، مما يجعل أي عرقلة للملاحة هناك بمثابة إعلان وفاة للصناعة اليابانية ولأمن الطاقة القومي في بلاد الشمس المشرقة.
وقد ترجمت الأسواق المالية هذه المخاوف بشكل فوري، حيث شهد مؤشر نيكي تراجعات حادة بلغت 3.06% عقب التصريحات الحكومية الأخيرة. هذا النزيف في البورصة يعكس قلق المستثمرين من قفزات جنونية في أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين على الشحن البحري التي تضاعفت منذ بدء الضربات الجوية على المنشآت الإيرانية.
وفي خطوة احترازية، وجهت الحكومة اليابانية تحذيرات مشددة لشركات الملاحة بضرورة توخي أقصى درجات الحذر والابتعاد عن مناطق التوتر، وهو ما أدى عملياً إلى تباطؤ في سلاسل الإمداد. وتبحث طوكيو حالياً مع شركاء دوليين إمكانية تفعيل احتياطيات الطوارئ والبحث عن مسارات بديلة، رغم إدراك الجميع أنه لا بديل حقيقياً عن مضيق هرمز في المدى القريب.
وتمثل قضية أمن الطاقة المحرك الرئيسي لتحركات تاكايتشي الدبلوماسية، حيث تسعى لاستخدام ملف استقرار الأسواق العالمية كورقة ضغط في واشنطن. فاليابان تريد إيصال رسالة واضحة مفادها أن النصر العسكري على إيران لن يكون له قيمة إذا أدى إلى انهيار اقتصادي لدى الحلفاء في آسيا نتيجة انقطاع إمدادات الخام.

السياسة الداخلية
تمثل الأزمة الحالية مع إيران الاختبار الأكبر لشخصية تاكايتشي القيادية منذ وصولها إلى سدة الحكم كأول امرأة تقود اليابان، إذ تواجه انتقادات من أحزاب المعارضة التي تتهمها بالتبعية المفرطة لواشنطن وعدم الشفافية بشأن التزامات اليابان العسكرية المحتملة.
وفي المقابل، يضغط الجناح اليميني في حزبها لتبني مواقف أكثر صرامة، مطالبين بتعزيز القدرات الدفاعية لليابان لتتمكن من حماية سفنها تجارياً دون الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية.
وسط هذه التجاذبات، تحاول تاكايتشي ترسيخ صورتها كقائدة واقعية وقوية تضع مصلحة اليابان فوق أي اعتبار أيديولوجي. خطابها الذي يركز على حماية البلاد بأنفسنا يهدف إلى طمأنة الداخل الياباني وبناء قاعدة تأييد شعبية تدعم قراراتها الصعبة التي قد تضطر لاتخاذها بعد عودتها من واشنطن.
ختامًا:
تقف اليابان اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث يتعين عليها التوفيق بين التزامات التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ومتطلبات أمنها الاقتصادي المرتبط بشكل وثيق باستقرار الشرق الأوسط. وبينما تراهن طوكيو على "المحادثات الصريحة" مع واشنطن لاحتواء التصعيد العسكري، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرتها على إقناع الإدارة الأمريكية بأن أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية يمثلان جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الجماعي للحلفاء. وفي حال نجحت الدبلوماسية اليابانية في تحقيق هذا التوازن الدقيق، فقد تفتح الباب أمام دور ياباني أكثر فاعلية كوسيط دولي قادر على تخفيف حدة الصراعات في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً في الاقتصاد العالمي.
دعاء إمام*



