رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التمرد الإسباني: مدريد تتحدى التصعيد العسكري ضد إيران

رئيس الوزراء الأسباني
رئيس الوزراء الأسباني بيدرو سانشيز

تخوض الدبلوماسية الإسبانية واحدة من أعقد معاركها السيادية في العصر الحديث، واضعةً فيتو صريحًا أمام الضربة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وذلك بمنع استخدام قاعدتي "روتا" و"مورون" لشن ضربات ضد إيران.

هذا الموقف الذي أعلنه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز لا يمثل مجرد إجراء لوجستي احترازي، بل هو إعلان قطيعة مع سياسة العمل العسكري أحادي الجانب، وتحذير استراتيجي من انزلاق النظام الدولي نحو حالة من العدائية والغموض التي قد تعيد رسم توازنات القوى بعيدًا عن مظلة القانون الدولي.

وفي المقابل، فجّر هذا القرار غضبًا دبلوماسيًا حادًا في تل أبيب، حيث لم يتردد وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في وصم مدريد بالتواطؤ مع الأنظمة القمعية؛ مما يبرز عمق الأزمة بين المنظور الإسرائيلي الذي يرى في التصعيد العسكري ضرورة أمنية وجودية، والرؤية الإسبانية التي تُصر على أن استقرار منطقة المتوسط والشرق الأوسط لا يمر عبر فوهات المدافع، بل عبر الالتزام بالأطر التعددية ورفض عسكرة الأزمات السياسية.

وبعيدًا عن التلاسن الدبلوماسي بين مدريد وتل أبيب، يبدو الموقف الإسباني بمثابة حجر الزاوية في تشكيل جبهة معارضة أوروبية صامتة بدأت تتبلور ملامحها في بروكسل، تزامنًا مع تماهي قوى تقليدية كبرى مع التحركات الأمريكية.

رئيس الوزراء الأسباني  بيدرو سانشيز 
رئيس الوزراء الأسباني  بيدرو سانشيز 

والظاهر أن إسبانيا – مدعومة بمواقف متناغمة من دول مثل أيرلندا وبلجيكا – تقود تيارًا داخل الاتحاد الأوروبي يخشى من دفع ضريبة الانقياد خلف مغامرات عسكرية قد تفجر أزمة لاجئين وطاقة جديدة على أبواب القارة العجوز، مما يجعل من التمرد اللوجستي الإسباني اختبارًا حقيقيًا لوحدة الموقف الأوروبي تجاه حروب الشرق الأوسط القادمة.

التبعية العسكرية 

أحدث القرار الإسباني برفض استخدام قاعدتي "روتا" و"مورون" العسكريتين هزة عنيفة في أروقة البنتاجون، حيث اعتُبر هذا القرار خروجًا غير مسبوق عن بروتوكولات التعاون الدفاعي التقليدية بين مدريد وواشنطن. ولم تكتفِ الحكومة الإسبانية بمنع انطلاق المقاتلات، بل فرضت قيودًا صارمة على عمليات التزويد بالوقود والدعم اللوجستي لأي قطع بحرية مشاركة في التصعيد ضد إيران، مؤكدة أن هذه القواعد تخضع للسيادة الوطنية الإسبانية قبل التزامات الحلفاء.

ويمثل هذا التحرك إعادة تعريف لمفهوم القواعد المشتركة في القارة الأوروبية، إذ وضعت مدريد شرط الإذن المسبق كعقبة قانونية أمام التحركات الأمريكية أحادية الجانب، مما دفع القيادة المركزية الأمريكية إلى البحث عن مسارات بديلة في شرق المتوسط، وسط مخاوف من تحول الموقف الإسباني إلى فزاعة قد تنتقل إلى عواصم أوروبية أخرى ترفض أن تكون أراضيها منصات لحروب لا تشارك في اتخاذ قرارها.

وفي سياق الردود الدولية، وصفت أوساط دبلوماسية في واشنطن الموقف الإسباني بأنه تقويض لجهود الردع العالمية، بينما تمسكت حكومة بيدرو سانشيز بأن حماية الأمن القومي الإسباني تتطلب النأي بالنفس عن نزاعات إقليمية خارج مظلة الأمم المتحدة.

هذا الصدام اللوجستي يضع اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين أمام اختبار تاريخي، خاصة مع تلويح إدارة دونالد ترامب بمراجعة التعاون العسكري مع الدول التي تصفها بغير المتعاونة في ملف إيران.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

تكتل الحياد النشط

تتجاوز خطوة مدريد حدودها الجغرافية لتشكل نواة لكتلة سياسية داخل الاتحاد الأوروبي، بدأت تتبلور ملامحها في بروكسل كجبهة معارضة للتصعيد العسكري، تضم دولًا مثل أيرلندا وبلجيكا، وتتبع استراتيجية الحياد النشط التي ترفض الاصطفاف خلف المحور الأمريكي-الإسرائيلي، وتدعو بدلًا من ذلك إلى تغليب القنوات الدبلوماسية لمنع انفجار الشرق الأوسط، وهو ما يعكس انقسامًا حادًا في الرؤية الأوروبية للأمن الجماعي.

ويستند هذا التكتل الناشئ إلى مخاوف جيوسياسية واقتصادية عميقة، حيث تخشى دول جنوب أوروبا من أن تؤدي أي مواجهة شاملة مع إيران إلى موجات نزوح بشرية غير مسبوقة وانفجار في أسعار الطاقة العالمية، وهي ضريبة يرفض سانشيز وحلفاؤه دفعها نيابة عن واشنطن.

وحالة التمرد الدبلوماسي التي تقودها مدريد تضع المفوضية الأوروبية في موقف حرج، حيث تجد نفسها ممزقة بين ضغوط الحلفاء التقليديين وبين تيار سيادي يطالب باستقلالية القرار الاستراتيجي الأوروبي.

وعلى المستوى السياسي، نجحت إسبانيا في تحويل موقفها من مجرد احتجاج محلي إلى قضية رأي عام أوروبي، مستفيدة من حالة السخط الشعبي تجاه العمليات العسكرية التي لا تحظى بغطاء شرعي دولي.

صراع الرؤية 

فجّر السجال الدبلوماسي بين مدريد وتل أبيب صراعًا أيديولوجيًا حول شرعية النظام الدولي، حيث اصطدم منطق الضربات الاستباقية الإسرائيلي بمبدأ التعددية القطبية الذي يدافع عنه سانشيز.

واتخذ التوتر طابعًا شخصيًا وحادًا بعد اتهام وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، للجانب الإسباني بالتواطؤ مع الإرهاب، وهو ما اعتبرته الخارجية الإسبانية خطابًا تحريضيًا يهدف إلى التغطية على انتهاكات القانون الدولي والهروب من المساءلة السياسية.

وبينما ترى تل أبيب أن القوة العسكرية هي الضامن الوحيد للاستقرار، تؤمن مدريد بأن الأمن المستدام لا يتحقق عبر الأفعال أحادية الجانب التي تخلق نظامًا دوليًا أكثر عدائية وغموضًا. هذا الصدام لا يخص إيران فحسب، بل هو امتداد للخلاف الجذري حول ملف غزة، حيث باتت إسبانيا تمثل الصوت الأكثر انتقادًا لسياسات إسرائيل داخل المنظومة الغربية.

نتنياهو 
نتنياهو 

ويضع هذا التجاذب الجيوسياسي المجتمع الدولي أمام تساؤل جوهري حول مستقبل قواعد الاشتباك الدبلوماسي؛ فإسبانيا تراهن على أن التمسك بالشرعية الدولية سيعزز مكانتها كقوة أخلاقية في عالم مضطرب، فيما تراهن إسرائيل على أن الواقعية العسكرية ستفرض نفسها كأمر واقع.

هذا الانقسام يرسم ملامح مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، تكون فيها السيادة الوطنية والالتزام بالمواثيق هما خط الدفاع الأخير ضد الانجرار إلى حروب إقليمية شاملة.

ختامًا:

الحقيقة أن نجاح هذا المحور في الصمود أمام الضغوط الأمريكية قد يمهد الطريق لظهور قطب ثالث داخل حلف شمال الأطلسي، يسعى لفرض توازن جديد يمنع عسكرة السياسة الخارجية للقارة العجوز وتحويلها إلى ساحة خلفية للصراعات الكبرى.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء