رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مذكرات "أبو شعيب المصري": من مدرسة ياسر برهامي إلى معسكرات القتال في سوريا

طلحة المسير المكنى
طلحة المسير المكنى بـ"أبو شعيب المصري"

تكشف مذكرات طلحة المسير، المكنى بـ"أبو شعيب المصري"، أحد أبرز المرجعيات الشرعية المصرية التي التحقت بمعسكرات القتال في سوريا، عن جانب بالغ الحساسية في ملف انتقال المتطرفين المصريين إلى ساحات القتال الخارجية، خصوصًا أن الرجل خرج من بيئة سلفية تنظيمية معروفة، وتربّى داخل نطاق "حزب النور" والدعوة السلفية بالإسكندرية، التي يتزعمها الشيخ ياسر برهامي.

وتزداد أهمية هذه المذكرات في كونها لا تقدم سردًا عاطفيًا لمغامرة فردية، بقدر ما تعكس ـ من داخل التجربة ـ طبيعة الشبكات البشرية والفكرية التي تغذي التطرف، وتعيد إنتاجه خارج الحدود، في سياق تتداخل فيه الأيديولوجيا مع التمويل، والتقارب مع أجهزة الاستخبارات.

خلفية عائلية "أزهرية"

ينتمي طلحة المسير إلى أسرة ذات صلة مباشرة بالمؤسسة الدينية الرسمية؛ فهو نجل الدكتور محمد المسير، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين، وعضو اللجنة العلمية الدائمة للعقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، والمستشار السابق لوزير الأوقاف المصري عام 1992، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة.

أبو شعيب المصري
أبو شعيب المصري

وتشير شهادات العديد من المعنيين بملف تيارات الإسلام السياسي إلى أن الدكتور محمد المسير كان محسوبًا فكريًا على جماعة الإخوان المسلمين، ومتقاطعًا مع مشروعها خلال تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يفسر ـ جزئيًا ـ حضور المرجعيات الإخوانية في وعي الابن، رغم انتقاله لاحقًا إلى الحاضنة السلفية السكندرية.

ولعل هذا ما دفع "أبو شعيب المصري" إلى تصدير مذكراته باستدعاء مطوّل من مذكرات حسن البنا، متحدثًا عن دوافع الكتابة، ومخاطرها، والقلق من أن تتحول المذكرات إلى مادة تتداولها أجهزة المخابرات أو تُستثمر ضد صاحبها، في "غابة عالمية" لا يمكن توقع ما تخبئه الأيام داخلها.

بحسب ما يورده صاحب المذكرات، فقد التحق في بداياته بمدرسة الملك عبد العزيز في مكة المكرمة، ثم عاد إلى القاهرة للدراسة في كلية دار العلوم، قبل أن ينخرط في محيط مشايخ الدعوة السلفية بالإسكندرية، حيث تشكلت علاقته بالشيخ ياسر برهامي، والتي يصفها بأنها كانت علاقة صداقة في مرحلة سابقة.

لكن الرجل لم يبق طويلًا داخل هذا الإطار؛ إذ سرعان ما قادته قناعاته إلى القطيعة مع التيار السلفي الحزبي، خصوصًا بعد انخراط "حزب النور" في العملية السياسية عقب 2011، وهو ما اعتبره "أبو شعيب" انحرافًا عن مسار "الجهاد" وفق تصوره.

"القطبية" داخل الفكر السلفي

اللافت في تجربة "أبو شعيب المصري" أنه يقدم نموذجًا دالًا على التحولات الفكرية داخل أوساط السلفية المصرية، إذ يصرح في مذكراته بأنه عاشق لأفكار محمد قطب وسيد قطب، ويعتبرهما من "المجددين" في العصر الحديث.

وهنا تبرز واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا، كيف يمكن لشخص نشأ في بيئة سلفية "تقليدية" أن يتبنى في الوقت نفسه أفكار المدرسة القطبية ذات الطابع الحركي الثوري، التي طالما هاجمتها السلفية السكندرية؟

الإجابة لا تكمن في التناقض الشخصي، بقدر ما تكشف عن تداخل الأنساق الفكرية داخل تيارات الإسلام السياسي، وأن الحدود بين "السلفي" و"الإخواني" ليست حادة كما يروجون، بل تتحول عند اللحظة المسلحة إلى خليط واحد من "التكفير"، و"الحاكمية"، إلى "المفاصلة"، و"الجهاد المسلح".

أبو شعيب المصري
أبو شعيب المصري

الطريق إلى سوريا

يسجل "أبو شعيب المصري" تفاصيل خروجه من مصر إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج، ثم انتقاله إلى تركيا بعد حصوله على تأشيرة دخول، قبل أن يتسلل إلى سوريا عام 2013، وتحديدًا إلى مدينة حلب، لينخرط في القتال ضمن صفوف حركة "أحرار الشام".

ويروي أنه بدأ البحث عن "طريق السفر" إلى سوريا أثناء وجوده في منى، بعد جلسة مع أحد النافرين الذين سبقوه، ظل يحدثه عن "أحوال المجاهدين" وقصصهم داخل سوريا، وهو ما يؤكد كيف تتحول المناسبات الدينية الكبرى إلى ساحات تجنيد غير مباشرة، أو منصات تعبئة عاطفية تتجاوز حدود الدولة.

ووفقا لحديث "أبو شعيب المصري"، في مذكراته أنه خرج من مصر، إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج، ومنها اتجه إلى تركيا بعد أن تحصل على تأشيرة الدخول، ثم سوريا فيقول: "فنويت أن أحج ثم أسافر لسوريا، وبدأت في هذه الفترة أفتش عن طريق للسفر إلى أرض الجهاد، وأتسمع أخبار النافرين قبلي، ومن ذلك أني جالست أخا لي في الله في ليلة من ليالي منى تحت جسر الجمرات، وظل يحكي لي أحوال المجاهدين في سوريا وقصصا من واقعهم".

مستكملًا: "وبعد الحج اتصلت به وطلبت منه أن يرتب لي طريقا للسفر، وذكر أن له طريقًا إلى جبهة النصرة في سوريا، وبدأت أجهز أوراق تأشيرة الدخول إلى تركيا، وكانت عبارة عن حساب بنكي، وتأشيرة خروج وعودة، وتذكرة سفر، وحجز فندقي في تركيا، وذهبت للقنصلية التركية في جدة فتعنتوا وذكروا أن إقامتي تابعة للرياض ولا بد أن أذهب للسفارة التركية في الرياض، فسافرت للرياض، ووجدت الإجراءات أيسر من جدة وقدمت التأشيرة، وأخذتها بعد أيام قليلة". 

شبكات التهريب 

عقب وصوله إلى أنطاكيا، انتقل إلى مدينة الريحانية في لواء إسكندرون المتنازع عليه بين سوريا وتركيا، وهي واحدة من أكثر المناطق شهرة في مسارات تهريب المقاتلين الأجانب إلى الداخل السوري.

ويقدم "أبو شعيب المصري" في مذكراته شهادة صريحة حول دور المهربين الأتراك، وارتباط بعضهم ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ بسياسات الأجهزة الأمنية التركية، مشيرًا إلى أن التهريب كان يتم مقابل مبالغ محددة، وأن الأسعار تضاعفت لاحقًا، وصولًا إلى ما سماه "الدرجة السياحية" التي تصل إلى ألفي دولار. كما تحدث عن استخدام المهربين أطفالًا في سن الثالثة عشرة كأدلاء للمسافرين، بما يقلل من المخاطر على "المهرب الحقيقي"، ويكشف عن الطبيعة الإجرامية لشبكات التهريب التي تتحرك في اتجاهات محددة برضا مخابرات معينة، وتتوقف أو تنشط بحسب المصالح السياسية للدول.

وثيقة فصله من تنظيم أبو محمد الجولاني
وثيقة فصله من تنظيم أبو محمد الجولاني

فيقول "أبو شعيب المصري" خلال مذكراته: "ذهبت إلى الريحانية وبعد دقائق انتظار جاء مهرب تركي وأركبني معه في السيارة، ثم ذهب وأحضر ثلاثة كانوا ينتظرونه كذلك، وسار بنا إلى قرية حدودية، وبعد دقائق مشينا في أراض زراعية، وأسرعنا المشي كي لا يلاحظنا حرس الحدود، وقد كنت أتوقع أن الذي سيقوم بتهريبي من تركيا إلى سوريا أخ مجاهد يعمل في تأمين طرق الإمداد للإخوة، ولكني وجدت أن المهرب التركي عبارة عن شخص تركي عادي غير ملتزم من سكان المناطق الحدودية، وكثيرًا ما يجند المهربون كذلك أطفالا في سن الثالثة عشرة يرسلونهم مع المسافرين كأدلاء؛ فإن وصلوا فبها ونعمت، وإن حال الأمن دون وصولهم تعرض هؤلاء الأطفال للخطر لا المهرب الحقيقي، وكذا لاحظت على المهربين أنهم يعملون بتناغم مع سياسة الدولة التي يعملون فيها، فالمخابرات تسمح بذلك وتستفيد منه لتحقيق مآرب كثيرة، وتضيق عليه أحيانا، وتمنعه أحيانا".

اقتصاد الظل 

يمضي صاحب المذكرات إلى ما هو أبعد من مجرد سرد تجربة عبور الحدود، إذ يقرر أن التهريب امتد ليشمل حركة انتقال الأشخاص والبضائع بين سوريا وتركيا، وبين الدول المجاورة لتركيا، وبين مناطق النفوذ المختلفة داخل سوريا ذاتها. وهي شهادة مهمة؛ لأنها تعيد تعريف التهريب بوصفه "اقتصاد ظل" تتغذى عليه التنظيمات المسلحة، وتتحكم فيه أطراف استخباراتية، وتستفيد منه شبكات إجرامية لا علاقة لها بأي التزام ديني، لكنها تتاجر في البشر تحت لافتة "الجهاد".

ذكريات لا مذكرات 

يؤكد "أبو شعيب المصري" أن مذكراته ليست كتابًا تاريخيًا يتتبع الأحداث ترتيبًا وتسلسلًا، وإنما "وقفات" عند قضايا محددة لها خصوصية بالنسبة له ولتجربته، وهو تصريح يفتح الباب أمام قراءة المذكرات باعتبارها وثيقة ذات طبيعة انتقائية، لا تقدم الحقيقة كاملة، لكنها تضيء جوانب خطيرة من الداخل. كما يشير إلى اختراق أجهزة المخابرات الغربية لبعض التنظيمات المسلحة في سوريا، وتبعية قيادات بعينها لتوجهات خارجية بشكل مباشر، وهي واحدة من القضايا التي طالما تم تجاهلها في أدبيات "الجهاد" التي تروج لصورة مثالية عن استقلال القرار داخل الفصائل.

  كتاب "سياسة الخبال"

قبل سفره إلى سوريا، يشير "أبو شعيب المصري" إلى أنه كان حريصًا على المشاركة في نشاط التيار الإسلامي بالجامعة، وأنه كان مداومًا على حضور دروس مشايخ الدعوة السلفية، وأنه منذ صغره "يعشق الوقوف ضد الطواغيت" على حد وصفه.

لكن هذه العلاقة لم تستمر، إذ يذكر أنه دخل في خلاف حاد مع الشيخ ياسر برهامي، دفعه إلى إصدار كتاب بعنوان: "سياسة الخبال.. جنايات العمل السياسي لسلفية الإسكندرية"، وهو كتاب يهاجم فيه قيادات الدعوة السلفية وموقفهم من المشاركة السياسية والانتخابات.

وهنا تكشف المذكرات عن نقطة مركزية من أن التحول من السلفية الدعوية إلى السلفية الجهادية ليس بالأمر المستبعد في الكثير من التجارب والقناعات المرتبطة بالشخصية والبيئة المحيطة التي يتعايش في ظلها داخل كيانات "الدعوة السلفية". 

المصريون في سوريا

يقدم "أبو شعيب المصري" في مذكراته مشاهد عن حياة عدد من المصريين الذين شاركوا في القتال ضمن صفوف التنظيمات المسلحة في سوريا، أمثال مختار مكاوي، المكنى بـ"أبو حفص المصري"، وفتحي أبو العينين، المكنى بـ"أبو البراء المصري"، وأحمد إسماعيل المكنى بـ"بنافع المصري"، ومحمد سليمان، المكنى بـ" أبي سهل"، بعضهم من ابناء الدعوة السلفية بالإسكندرية، وقتلوا جميعًا داخل الأراضي السورية.

إضافة إلى عدد كبير من المصريين أمثال شريف هزاع، وأبو الفتح الفرغلي، ورفاعي طه، وأحمد سلامة مبروك، المكنى بـ"أبو فرج المصري"، و"محمد المصري" نجل مدحت مرسي المكنى بـ"أبو خباب المصري" (كيميائي القاعدة)، والأخير كان المسؤول عن برنامج الاسلحة الكيماوية السامة في تنظيم القاعدة، وقتل في قصف أمريكي عام 2008، في منطقة القبائل على الحدود بين باكستان وأفغانستان.

وهاني هيكل المكنى بـ"أبو هاني المصري"، أحد قيادات تنظيم "القاعدة"، الذي تم القبض عليه في ماليزيا عام 2003، ومنها إلى مصر، وذلك عبر طائرة خاصة تابعة للمخابرات المصرية، وتم إيداعه سجن "طرة"، وأطلق سراحه عام 2009، لمشاكل واضطرابات في عضلة القلب، ثم شارك في أحداث يناير 2011، وفي بداية عام 2012، ذهب إلى سوريا وشارك في القتال ضد الجيش السوري.

إضافة إلى همام عبد الفتاح، المكنى "أبو معاذ المصري"، نجل عبد الفتاح توفيق شيخ الدعوة السلفية بالمنوفية، وقد درس في كلية الدراسات الإسلامية بالأزهر الشريف وحصل منها على ليسانس دراسات إسلامية وعربية عام 2005، ثم سافر إلى سوريا وقتل عام 2014 .

فيقول "أبو شعيب المصري": "في الشهر الأول من عام 2013، مر على أخي العزيز الشيخ أبو معاذ المصري همام عبد الفتاح، ليأخذني إلى حلب، حيث كان ينوي زيارة حلب، وكذلك كان الشيخ أبو خالد السوري، أمير أحرار الشام بحلب،  طلب مني الذهاب إلى حلب حيث أخبرني أن هناك ثلاث معارك كبرى تنتظر المجاهدين في حلب وريفها ويحتاجون إلى دعاة بين المجاهدين وهي معارك مطار النيرب ومستودعات خان طومان ومطار كويرس، وانطلقنا من عقربات إلى الدانا ثم دارة عزة، وهناك من جوار قلعة سمعان كان طريقنا من قرى ريف عفرين إلى ريف حلب الشمالي ثم مدرسة المشاة ثم حي هنانو وحي الصاخور بحلب".

أبو شعيب المصري
أبو شعيب المصري

من أحرار الشام إلى الجولاني

في بداياته انضم "أبو شعيب المصري" إلى حركة أحرار الشام، قبل أن ينشق عنها في سبتمبر 2016، وينضم إلى هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) بقيادة أبو محمد الجولاني، ويعمل مفتيًا شرعيًا داخلها. لكن هذا المسار لم يستقر طويلًا؛ إذ أعلنت الهيئة فصله مع عدد من المرجعيات الشرعية المصرية في يوليو 2019، بسبب عدم التزامه بتوجهاتها الفكرية والسياسية.

وهنا تكتمل الصورة، لرجل انتقل من "حزب النور" إلى "معسكرات القتال"، ومنها إلى تنظيم "أحرار الشام" إلى "هيئة تحرير الشام"، ثم انتهى إلى الإقصاء داخل البيئة التي تصور أنها تمثل "الحق المطلق"، ليكشف مرة أخرى أن هذه التنظيمات لا تحكمها المرجعية الشرعية كما تدعي، بل تحكمها السلطة، والمصلحة، وصراع النفوذ.

وفي يونيو 2024، نجحت قوة خاصة تتبع لهيئة تحرير الشام، باعتقال عدد من الأصوليين المعارضين حاليا لأبي محمد الجولاني، والزج بهم في سجون بمناطق إدلب. ومن بينهم أبو شعيب، وأبو أنس المصري، والزبير الغزي، وأبو يحيى الجزائري.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء