رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المسيّرات تغيّر قواعد الاشتباك: تعزيز يوناني للحضور العسكري في قبرص

حرب المسيرات - أرشيفية
حرب المسيرات - أرشيفية

أعلنت اليونان تعزيز دعمها العسكري لـقبرص، وذلك عقب هجوم استهدف قاعدة أكروتيري الجوية الخاضعة للسيادة البريطانية، حيث تحطمت طائرة مسيّرة من طراز "شاهد" إيرانية الصنع على مدرج القاعدة، متسببةً بأضرار محدودة، قبل أن يتم اعتراض طائرتين أخريين بعد ساعات.

وقال وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس إن أثينا ستنشر فرقاطتين وطائرتين مقاتلتين من طراز "إف-16" لرفع مستوى الجاهزية العسكرية في منطقة تشهد توترات متزايدة.

كما تعتزم فرنسا إرسال أنظمة مضادة للصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافةً إلى فرقاطة بحرية، إلى قبرص، وأفادت التقارير بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أبلغ نظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس بقرار الدعم صباح الثلاثاء، وهو ما أكده مصدر حكومي قبرصي.

وترجع أهمية إبحار فرقاطتين تابعتين لليونان إلى أن إحداهما مزودة بنظام التشويش المضاد للمسيّرات "سينتاوروس"، الذي أثبت فاعليته سابقًا ضد هجمات جماعة الحوثي قبالة سواحل اليمن، ويتمتع بقدرة على رصد وتعطيل الطائرات المسيّرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، كالتي تمكنت من تجاوز الرادارات قبل سقوطها في القاعدة البريطانية.

قاعدة أكروتيري الجوية
قاعدة أكروتيري الجوية

وتأتي هذه القرارات في ظل توتر أمني متصاعد في شرق المتوسط، حيث تتداخل مصالح الطاقة والتحالفات العسكرية مع التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية. وبينما يبدو الانتشار اليوناني إجراءً دفاعيًا في ظاهره، فإنه يحمل دلالات أوسع تتعلق بتوازنات الردع وحماية البنية الأمنية في المنطقة.

وتطرح هذه التحركات تساؤلات حول أبعادها الاستراتيجية، سواء على مستوى حماية المنشآت العسكرية في قبرص، أو على صعيد إعادة ترتيب موازين القوى في شرق المتوسط، وكذلك انعكاساتها على علاقات التحالف والردع في المنطقة.

تعزيز الدفاع الجوي 

يمثل نشر الفرقاطات المجهزة بأنظمة دفاع جوي متطورة خطوةً تهدف إلى سد فجوة أمنية كشفتها الهجمات بالطائرات المسيّرة في السنوات الأخيرة، إذ أصبحت هذه الطائرات أداة فعالة في النزاعات المعاصرة نظرًا لانخفاض تكلفتها وصعوبة رصدها مقارنةً بالوسائل التقليدية.

وتوفر الإمدادات الفرنسية والفرقاطات اليونانية المزودة بأنظمة رادار واعتراض متقدمة مظلة دفاعية بحرية حول الجزيرة، ما يسمح برصد أي تهديدات جوية منخفضة الارتفاع والتعامل معها قبل وصولها إلى المنشآت الحساسة.

كما أن نشر مقاتلات "إف-16" يمنح القوات اليونانية قدرةً على الاستجابة السريعة لأي اختراق جوي محتمل، ويعزز عمليات المراقبة الجوية فوق المجال المحيط بقبرص، خاصةً في ظل كثافة الحركة العسكرية في شرق المتوسط.

وتشير هذه الإجراءات إلى تحول متزايد لدى الدول الأوروبية نحو تطوير قدرات الدفاع ضد المسيّرات، بعد أن أصبحت هذه التكنولوجيا عنصرًا رئيسيًا في معادلات الأمن الإقليمي.

وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس
وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس

قبرص كنقطة ارتكاز استراتيجية 

تكتسب قبرص أهمية جيوسياسية كبيرة نظرًا لموقعها عند تقاطع طرق الطاقة والتجارة بين أوروبا والشرق الأوسط، كما تستضيف الجزيرة قواعد عسكرية بريطانية تجعلها جزءًا من البنية الأمنية الغربية في المنطقة. وهذا الموقع يجعل أي تهديد أمني على الجزيرة ذا أبعاد تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ يمكن أن يؤثر في خطوط الملاحة البحرية ومشروعات الطاقة في شرق المتوسط.

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى التحركات الفرنسية اليونانية باعتبارها محاولات لتعزيز الاستقرار حول هذه النقطة الاستراتيجية، وضمان عدم تحول الجزيرة إلى ساحة اختراق أمني قد يهدد مصالح دول عدة.

كما يعكس القرار إدراك أثينا أن أمن قبرص مرتبط مباشرةً بحساباتها الاستراتيجية، سواء بحكم العلاقات التاريخية والسياسية أو باعتبار الجزيرة امتدادًا مهمًا لعمقها الجيوسياسي في شرق المتوسط.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

التنافس الإقليمي

يحمل الانتشار العسكري الأوروبي رسالة ردع واضحة مفادها أن أي تهديد أمني في قبرص سيقابل برد فعل سريع؛ فإرسال قطع بحرية ومقاتلات متطورة يعكس استعدادًا للتدخل لحماية التوازن الأمني في المنطقة. وهذه الرسالة لا تتوجه فقط إلى الجهة المسؤولة عن هجوم المسيّرة، بل أيضًا إلى الأطراف الإقليمية التي تراقب توازن القوى في شرق المتوسط، حيث تتداخل ملفات الطاقة والنفوذ البحري.

كما أن الخطوة تعزز موقع اليونان داخل منظومة التحالفات الغربية، عبر إظهار قدرتها على لعب دور أمني مباشر في حماية المصالح المشتركة في المنطقة. وتسهم هذه التحركات في رفع مستوى الردع، وهو ما قد يساعد على احتواء التصعيد عبر إظهار جاهزية عسكرية تمنع أي مغامرات محتملة.

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي

وبينما يبدو الهدف المباشر هو تعزيز الدفاع عن الجزيرة، فإن الخطوة تحمل أيضًا أبعادًا جيوسياسية أوسع تتعلق بإعادة تثبيت معادلات الردع في منطقة تتزايد فيها المنافسة على النفوذ والموارد.

ختامًا:

يعكس التحرك المشترك لكل من فرنسا واليونان نحو تعزيز القدرات الدفاعية في قبرص تحولًا لافتًا في مستوى الانخراط الأمني الأوروبي بشرق المتوسط، إذ لم يعد الدعم مقتصرًا على المواقف السياسية، بل بات يتخذ طابعًا عملياتيًا عبر نشر أنظمة دفاع جوي وبحري ومقاتلات متقدمة.

ويعكس هذا التنسيق إدراكًا متزايدًا لطبيعة التهديدات غير التقليدية، خصوصًا الطائرات المسيّرة، ويؤشر في الوقت ذاته إلى سعي أوروبي لرفع مستوى الردع وحماية البنية العسكرية الحيوية في المنطقة. وبينما يبقى الهدف المعلن هو تعزيز الاستقرار ومنع تكرار الهجمات، فإن هذه الإمدادات ترسم أيضًا ملامح مرحلة جديدة من الحضور الدفاعي المنظم في شرق المتوسط.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء