الدول الأوروبية والحرب على إيران: استجابة متأخرة لأمر واقع عسكري
تواجه العواصم الأوروبية لحظة دقيقة مع تصاعد المواجهة العسكرية مع إيران، في ظل تداخل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية. فبينما تؤكد أوروبا التزامها بمنع الانتشار النووي، فإنها تبدي في الوقت ذاته حذراً واضحاً من الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط وتضرب المصالح الأوروبية مباشرة.
ومع انخراط الولايات المتحدة في العمليات العسكرية، بات على أوروبا إعادة تموضعها بين الالتزامات الأمنية داخل التحالف الغربي ومخاوفها من ارتدادات الحرب على اقتصاداتها واستقرارها الداخلي، في ظل توقعات بأن يمتد تأثير الصراع إلى ما هو أبعد من ساحته المباشرة.
وفي هذا الصدد، أفاد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الأحد، أن بريطانيا أجازت للولايات المتحدة استخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات دفاعية هدفها تدمير مواقع الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها، نافياً مشاركة لندن في الضربات الأولى على إيران، وأنها لن تنضم إلى العملية الهجومية الآن.
لكنه أشار إلى أن طهران تنتهج استراتيجية الأرض المحروقة، مضيفاً: لذا فإننا ندعم الدفاع الجماعي عن النفس لحلفائنا وشعوبنا في المنطقة. وكان قرارنا بعدم مشاركة المملكة المتحدة في الضربات على إيران متعمداً، إذ نؤمن بأن أفضل سبيل للمضي قدماً للمنطقة والعالم هو التوصل إلى تسوية تفاوضية، بحسب ستارمر.
وبناءً على ما سبق، أعلنت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة في بيان مشترك استعدادها للدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها في الخليج، إذا لزم الأمر، باتخاذ إجراء دفاعي ضد إيران. هذا التحول السريع وضع العواصم الأوروبية أمام اختبار عملي لإدارة تداعيات الحرب، بعد سنوات من الرهان على المسارات الدبلوماسية.

أدوات الضغط الأقل تكلفة
تسعى الدول الأوروبية للجمع بين الردع الناعم والضغط الاقتصادي، في ظل غياب إجماع داخلي حول جدوى التصعيد العسكري؛ فلا تزال الأحزاب السياسية في عدة دول أوروبية تتبنى خطاباً حذراً إزاء أي انخراط مباشر في النزاع الجديد بالشرق الأوسط.
وانتقلت بروكسل من موقع الساعي لاحتواء التوتر إلى موقع إدارة تداعيات الحرب، مع تراجع فرص التهدئة في المدى القريب. فقد أظهرت الحكومات الأوروبية دعماً سياسياً أولياً للعمليات العسكرية، مع التأكيد على ضرورة ضبط نطاقها ومنع توسعها.
وتسعى عواصم مثل فرنسا وألمانيا إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف إقليمية، في محاولة لتقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة متعددة الجبهات. كما تعمل هذه الدول على تنسيق مواقفها داخل الاتحاد الأوروبي لتفادي تباينات قد تضعف القدرة على الاستجابة الجماعية، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات أو الدعم اللوجستي.
ويعكس هذا التحرك إدراكاً أوروبياً بأن احتواء آثار الحرب بات أولوية تفوق السعي لإنهائها سريعاً، في ظل تعقيدات المشهد العسكري.

هاجس الطاقة
تمثل أسواق الطاقة نقطة الضعف الأبرز في الحسابات الأوروبية؛ فالمواجهة مع إيران تهدد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وهو ما سينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز عالمياً. إذ تأتي هذه المخاوف في سياق لم تتعافَ فيه أوروبا بالكامل من تداعيات الحرب في أوكرانيا، التي أجبرت الاتحاد على إعادة صياغة سياساته الطاقوية والبحث عن بدائل سريعة للإمدادات الروسية.
وتدرك دول جنوب أوروبا، مثل إيطاليا وإسبانيا، أن أي ارتفاع حاد في الأسعار سيضغط على اقتصاداتها ويؤجج التضخم، ما قد ينعكس اضطرابات اجتماعية داخلية؛ لذلك جرى تفعيل خطط طوارئ لضمان استقرار الإمدادات، بما في ذلك زيادة المخزونات والبحث عن مصادر بديلة.
وتستحضر أوروبا تجربة الحرب في أوكرانيا، التي كشفت هشاشة منظومة الإمدادات وأدت إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار. لهذه الأسباب كانت العواصم الكبرى الأوروبية تميل إلى دعم مسارات التهدئة، ليس فقط بدافع أمني، بل لحماية استقرارها الاقتصادي الداخلي، الذي بات أكثر حساسية تجاه صدمات الطاقة العالمية.
دعم أطلسي دون انخراط قتالي
رغم الحديث المتكرر عن الاستقلال الاستراتيجي، فإن أي تصعيد تقوده واشنطن سيضع أوروبا أمام اختبار صعب؛ فالارتباط المؤسسي والأمني عبر حلف شمال الأطلسي يجعل من الصعب على الدول الأوروبية تبني موقف منفصل تماماً.

ومع بدء التصعيد العسكري الأمريكي والرد الإيراني، يقتصر الدور الأوروبي على دعم سياسي أو لوجستي، دون انخراط قتالي واسع، خاصة في ظل تحفظات داخلية وشعبية في عدد من الدول. إذ تحاول بعض العواصم الإبقاء على هامش مناورة دبلوماسي يسمح لها بلعب دور الوسيط أو القناة الخلفية لتخفيف حدة التصعيد، حفاظاً على مصالحها وعلاقاتها المتشابكة في المنطقة.
إلا أن قدرة أوروبا على المناورة ستظل مرتبطة بحجم التصعيد وحدود الرد الإيراني، إذ إن توسع رقعة المواجهة قد يفرض واقعاً جديداً يقلص خيارات الحياد النسبي.
البعد الإقليمي
يشكل التصعيد بين إيران وإسرائيل عاملاً ضاغطاً إضافياً على صانع القرار الأوروبي؛ فأوروبا ترتبط بعلاقات استراتيجية مع تل أبيب، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي حرب إقليمية واسعة ستنعكس مباشرة على أمنها الداخلي.
في هذا السياق، يبرز هدف أوروبي واضح يتمثل في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى صراع شامل، حتى وإن تطلب الأمر تحركات دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس. وتخشى الحكومات من أن يؤدي اتساع رقعة المواجهة إلى موجات نزوح جديدة نحو أوروبا أو إلى اضطرابات أمنية داخلية، كما تتابع أجهزة الأمن تداعيات الحرب على التماسك المجتمعي في ظل احتمالات تصاعد الاستقطاب السياسي.
ويثير احتمال تحول الحرب إلى صراع إقليمي واسع قلقاً أوروبياً متزايداً، خاصة مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تحركات دبلوماسية موازية تهدف إلى منع اتساع نطاق العمليات العسكرية.
ختامًا:
أخيراً، تعكس استجابة أوروبا للحرب على إيران محاولة لاحتواء الخسائر أكثر من التأثير في مسار العمليات، وسط إدراك بأن اتساع الصراع قد يفرض على القارة أعباء أمنية واقتصادية يصعب احتواؤها في المدى القريب.
دعاء إمام*



