أوروبا والجيوش الرقمية.. تحوّل استراتيجي لإنهاء دور المسيرات الانتحارية
أعلن وزراء دفاع القوى الأوروبية الخمس الكبرى (E5) من مدينة كراكوف البولندية إطلاق مبادرة استراتيجية لتطوير جيل جديد من أنظمة الدفاع الجوي والمنصات ذاتية التشغيل منخفضة التكلفة، ويأتي هذا التحالف، الذي يضم فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وبريطانيا، كاستجابة مباشرة للدروس المستفادة من حرب الاستنزاف في أوكرانيا، حيث تسعى الدول الخمس إلى كسر احتكار الأنظمة الصاروخية التقليدية باهظة الثمن لصالح حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي والإنتاج الكمي السريع للمسيرات الاعتراضية.
تتجاوز هذه المبادرة البعد التقني لتكشف عن رغبة أوروبية متنامية في تحقيق سيادة دفاعية بعيدًا عن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة مع تصاعد الضغوط الجيوسياسية على الحدود الشرقية للناتو.
ومن خلال الالتزام بجدول زمني صارم يقضي بدخول هذه المنظومات حيز الإنتاج خلال 12 شهرًا فقط، يبعث كبار المنفقين عسكريًا في أوروبا برسالة حازمة حول قدرتهم على الابتكار السريع لمواجهة التهديدات الهجينة، وضمان حماية الأجواء الأوروبية بتكلفة اقتصادية مستدامة قادرة على الصمود في حروب المستقبل.

اقتصاديات الاستنزاف
التوجه الاستراتيجي الجديد يهدف إلى كسر معادلة التكلفة غير المتكافئة في الحروب الحديثة من خلال تطوير مستجيبات صاروخية واعتراضية منخفضة التكلفة، ويهدف هذا التحول إلى معالجة خلل بنيوي كشفته الحرب في أوكرانيا، حيث تُستنزف مخزونات الصواريخ الدفاعية التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات لإسقاط طائرات مسيرة انتحارية زهيدة الثمن.
وتعتمد المبادرة الجديدة على فلسفة الإنتاج الكمي بدلًا من التعقيد التكنولوجي المفرط، حيث يسعى الحلفاء إلى إنشاء خطوط إنتاج مرنة قادرة على ضخ آلاف الوحدات الاعتراضية في وقت قياسي، لضمان استدامة العمليات الدفاعية لفترات طويلة دون إرهاق الميزانيات السيادية للدول المشاركة، مما يحول الدفاع الجوي من عبء مالي ثقيل إلى سلاح استنزاف مضاد للمعتدي.
ومن المتوقع أن تعيد هذه الاستراتيجية تعريف مفهوم الردع في القارة الأوروبية، إذ لن يعتمد الدفاع بعد الآن على عدد البطاريات الصاروخية التقليدية فحسب، بل على القدرة على مواكبة الهجمات الواسعة بأعداد مماثلة من المقذوفات الذكية الرخيصة، مما يسحب ورقة التفوق العددي من يد الخصوم الذين يعتمدون على سلاح المسيرات منخفضة التكلفة.

الذكاء الاصطناعي كقائد ميداني
تمثل المنصات ذاتية التشغيل العمود الفقري لهذا المشروع، حيث يخطط التحالف لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتمكين المنظومات الدفاعية من اتخاذ قرارات اعتراض مستقلة وفورية. هذا التطور التقني يهدف إلى تقليص زمن الاستجابة للتهديدات الجوية، خاصة عند مواجهة أسراب المسيرات المنسقة التي تتطلب سرعة تحليل ومعالجة تفوق قدرات الأطقم البشرية التقليدية.
وعلى الصعيد الفني، يسعى المشروع إلى توطين تكنولوجيا البرمجيات الأوروبية الخالصة لضمان استقلالية هذه المنصات عن سلاسل التوريد والقيود التقنية الخارجية، وتتضمن الخطة تطوير خوارزميات متقدمة تسمح للمسيرات الاعتراضية بالتواصل فيما بينها لتوزيع الأهداف بكفاءة، مما يقلل من فرص الخطأ البشري ويضمن تغطية دفاعية شاملة للأجواء الأوروبية على مدار الساعة وبأقل تدخل بشري ممكن.
ويحمل هذا التوجه أبعادًا أمنية تتجاوز ميدان القتال، حيث يعكس رغبة القارة في ريادة عسكرة الذكاء الاصطناعي بضوابط أوروبية. فمن خلال دمج المنصات غير المأهولة في هيكل الدفاع الجوي، تؤسس دول الـ E5 لجيل جديد من الجيوش الرقمية التي يمكنها العمل في بيئات شديدة الخطورة، مما يوفر حماية قصوى للعنصر البشري مع الحفاظ على تفوق تكنولوجي حاسم في مواجهة التهديدات الهجينة.
وبينما كانت أوروبا تعتمد تاريخيًا على ترسانات دفاعية نخبوية وباهظة، فرضت الحرب في أوكرانيا واقعًا جديدًا يتطلب ديمقراطية الدفاع؛ أي امتلاك أعداد هائلة من المسيرات الرخيصة القادرة على استنزاف العدو دون استنزاف ميزانيات الدول، وهو ما يفسر هذا التحالف غير التقليدي بين كبار المنفقين العسكريين في القارة لتوطين صناعة المستجيبات الذكية.

بناء الدرع الأوروبي الذاتي
يجسد اجتماع كبار المنفقين العسكريين في مدينة كراكوف البولندية ولادة قطب دفاعي أوروبي جديد يسعى إلى تقليل الاعتماد التاريخي على المظلة الأمنية الأمريكية. ويأتي هذا التحالف، الذي يجمع بريطانيا وبولندا إلى جانب القوى التقليدية في الاتحاد الأوروبي، كرسالة استباقية تعبر عن شكوك القارة المتزايدة حول ثبات الالتزام الأمريكي العابر للأطلسي، ورغبة صريحة في امتلاك قرار أمني سيادي.
وتسعى القوى الخمس الكبرى إلى توحيد العقيدة الدفاعية، متجاوزة التعقيدات السياسية لـ"بريكست" والبيروقراطية المؤسسية للناتو، لخلق تعاون صناعي عسكري عابر للحدود. ومن خلال وضع سقف زمني لا يتجاوز 12 شهرًا لبدء الإنتاج، يهدف الحلفاء إلى إثبات قدرتهم على التحرك السريع والمنسق لمواجهة الأخطار المحدقة بحدودهم الشرقية، بعيدًا عن انتظار الضوء الأخضر أو المساعدات من واشنطن.
وعلى الجانب الاستراتيجي، يمثل هذا المشروع خطوة نحو السيادة الدفاعية الكاملة بحلول عام 2027، حيث تهدف أوروبا إلى أن تصبح مصدرًا للتكنولوجيا الدفاعية منخفضة التكلفة بدلًا من أن تظل مستهلكًا للأنظمة الأمريكية الباهظة.

هذا التحول لا يعزز الأمن القومي الأوروبي فحسب، بل يمنح القارة ثقلًا جيوسياسيًا جديدًا يمكنها من التعامل مع الأزمات الإقليمية كقوة عسكرية مستقلة تمتلك أدوات الردع والتصنيع الخاصة بها.
ختامًا:
يمثل مشروع الـ E5 الجديد نقطة تحول جوهرية في العقيدة العسكرية للقارة العجوز، حيث لم يعد الرهان الأوروبي محصورًا في امتلاك التكنولوجيا الأكثر تعقيدًا، بل في القدرة على تطويع الذكاء الاصطناعي لإنتاج دفاعات ذكية ورخيصة قادرة على الصمود في حروب الاستنزاف الطويلة.
ومع اقتراب موعد التسليم النهائي في عام 2027، تضع القوى الخمس الكبرى مصداقيتها الصناعية والسياسية على المحك في سباق مع الزمن لإثبات أن أوروبا باتت تمتلك الإرادة والقدرة على بناء درعها السيادي بعيدًا عن المظلة الأمريكية التقليدية، وبما يضمن حماية أجوائها من تهديدات المسيرات التي أعادت رسم خارطة الصراعات الحديثة.
دعاء إمام*



