رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ثقة مفرطة أم حسابات دقيقة؟.. قراءة في الهدوء الإسرائيلي تجاه طهران

 الحشود العسكرية
الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط

تتواصل الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط ومنطقة الخليج العربي، حيث تم تشكيل مجموعتين ضاربتين من حاملات الطائرات وعشرات المدمرات البحرية والطرادات والغواصات وناقلات الجنود والوقود، هذا فضلًا عن أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات مثل بطاريات ثاد وباتريوت، التي باتت منتشرة في قواعد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

تأتي التحركات العسكرية الأمريكية بعد انضمام حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس جيرالد آر فورد" إلى البحر المتوسط وإنهاء عملها في منطقة بحر الكاريبي والانضمام إلى حاملة الطائرات الأمريكية الأخرى "يو إس إس أبراهام لينكولن"، هذا بالإضافة إلى رفع حالة التأهب القصوى لقاذفات بي ــ 2 الأمريكية والعديد من الطائرات بعيدة المدى.

رغم حالة التأهب القصوى التي عليها القوات الأمريكية في المنطقة، إلا أن ثمة هدوءًا نسبيًا تعيشه إسرائيل هذه الأيام، حيث تنخفض موجات الذعر التي عادة ما تصاحب إنذارات الحرب في إسرائيل، مثل الهلع على سحب الأموال من البنوك والسفر إلى الخارج والحرص على تخزين المواد الغذائية، فضلًا عن عدم وجود تحذيرات إسرائيلية من هجمات صاروخية إيرانية وشيكة في حال اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني.

 الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط
 الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط

توجد العديد من الأسباب المفسرة لحالة الهدوء الإسرائيلي في التعامل مع الأحداث الجارية بين طهران وواشنطن، ومن أبرز تلك الأسباب:

أولًا: حالة الارتياح النسبي

دخلت واشنطن وطهران في جولتي مفاوضات غير مباشرة، إحداهما في مسقط والأخرى في جنيف، ورغم أن الجولتين لم تفضيا إلى نتائج ملموسة حاسمة، إلا أن ثمة ارتياحًا خاصة بعد الوعود الإيرانية بالعودة بعد أسبوعين بمقترحات أكثر تفصيلًا، أي أن خيار الحرب بين الطرفين ما زال مؤجلًا لما ستؤول إليه المفاوضات المفترض انعقادها مرة أخرى في مارس المقبل، وبالتالي خفت موجات الذعر من الحرب في الأوساط الإسرائيلية.

ثانيًا: تحذيرات كاذبة

خلال الفترة الماضية تعرضت إسرائيل للمزيد من التحذيرات والإنذارات الكاذبة الخاصة باندلاع حالة الحرب مع إيران، مما أدى إلى تململ في الشارع السياسي الإسرائيلي وعدم اهتمامه بتطورات الأوضاع الإيرانية الأمريكية. ففي الأسبوع الماضي، على سبيل المثال، ساهم عاموس يادلين، رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية "أمان" السابق، في إثارة حالة الذعر في إسرائيل حين صرح في مقابلة تلفزيونية بأنه على الناس التفكير مليًا قبل السفر إلى الخارج في نهاية ذلك الأسبوع، في إشارة منه إلى احتمالية رفض واشنطن تمديد المفاوضات، خاصة بعد اقتراب حاملة الطائرات جيرالد فورد واحتمالية استئناف الاحتجاجات في الشوارع الإيرانية، ومن ثم تصبح الظروف مواتية لشن ضربة عسكرية ضد النظام الإيراني.

ثالثًا: الثقة في القرار الأمريكي

بات الإسرائيليون على ثقة شديدة بأي قرار أمريكي بخصوص الحرب مع إيران؛ فإذا قررت واشنطن شن ضربة ضد أهداف إيرانية، سيكون ذلك بالتنسيق الأمني والاستخباراتي مع النظام الإسرائيلي لتجنب رد الفعل الإيراني، وبالتالي ستكون منصات الدفاع الجوي متعددة الطبقات في إسرائيل على استعداد لمواجهة الصواريخ الإيرانية.

خريطة  الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط
خريطة  الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط

والثقة هنا منبعها عملية التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الجانبين خلال حرب الإثني عشر يومًا الماضية، حيث نسقت تل أبيب وواشنطن في تلك الحرب، خاصة بعدما تدخلت أمريكا في الأيام الأخيرة لإيقاف الحرب بين الجانبين وتدخلها بقصف المنشآت النووية الإيرانية عالية التأمين.

رابعًا: الغرور العسكري الإسرائيلي

ساهمت حرب الإثني عشر يومًا ونتائجها في إبراز حالة من الغرور العسكري الإسرائيلي؛ ففي خلال تلك الحرب نجحت إسرائيل في تحييد المئات من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وأخيرًا النجاح في إغلاق المجال الجوي الإيراني. وأظهرت الحرب الأخيرة إيران بالقوة الضعيفة التي دائماً ما تغالي في قدراتها العسكرية.

وفي تلك النقطة يبدو أن هناك ثمة غرورًا إسرائيليًا في التعامل مع الأمر؛ فالنجاحات الإسرائيلية الساحقة تحققت في الأيام الأولى من القتال، حيث إغلاق المجال الجوي الإيراني بشكل شبه كامل وتدمير البنى التحتية العسكرية والنووية الإيرانية، فضلاً عن استهداف علماء البرنامج النووي الإيراني وبعض القادة العسكريين. إلا أن النجاح الساحق الإسرائيلي لم يمنع طهران من شن هجمات دامية استهدفت مناطق الشمال الإسرائيلي مثل مصفاة حيفا ومعهد وايزمان للعلوم، كما أن إيران في تلك الحرب لم تختبر كافة أسلحتها مثل صواريخ خورمشهر.

كما أن هناك افتراضًا غاب عن العقل الجمعي الإسرائيلي، وهو أن الحرب الماضية كانت مرحلية هدفها تعطيل البرنامج النووي الإيراني وتقليم أظافره في المنطقة، أما الحرب المقبلة فستكون مصيرية هدفها الأساسي إزاحة نظام الملالي، وبالتالي سيكون رد الفعل الإيراني أكثر تهورًا وعنفًا عما كان في السابق.

خامسًا: الركون إلى منصات الدفاع الجوي متعددة الطبقات

تعاني إسرائيل من أزمة إعلامية بطلها العسكريون السابقون في الجيش الإسرائيلي، خاصة أنهم عادة ما يطلقون تصريحات قد تسبب خللاً في الإدراك لدى الوعي الجمعي الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، صرح ران كوخاف، المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي ورئيس قيادة الدفاع الجوي، بأن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي، مؤكداً أن صناعات الفضاء الإسرائيلية تعمل على مدار الساعة كل يوم من أجل تشغيل منظومتي أرو 3 وأرو 2، وكلاهما منظومتان للدفاع الجوي الإسرائيلي.

 الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط
 الحشود العسكرية الأمريكية في البحر المتوسط

تصريحات كوخاف تنقصها الدقة؛ فإسرائيل فعلياً تمتلك منظومات دفاع جوي متقدمة قادرة على صد جزء كبير من الهجمات الصاروخية والمسيرات الإيرانية، إلا أنها في الوقت نفسه ستعاني من حالة استنزاف شديدة في مخزون الصواريخ والبطاريات لديها، الأمر الذي سيجعل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية عرضة للانكشاف خلال الفترة المقبلة.

سادسًا: حشود للضغط السياسي

تتشابه حالة الحشد العسكري في البحر المتوسط والخليج العربي حاليًا بحالة الحشد العسكري التي شهدها البحر الكاريبي قبل شهور ماضية فيما أطلق عليه عملية "العزم المطلق". ورغم الحشود العسكرية الكبرى في منطقة الكاريبي، إلا أنه لم يتم تنفيذ عملية غزو لفنزويلا، حيث اكتفت واشنطن بعملية عسكرية نوعية أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فقط.

لذا من المحتمل أن تكون الحشود العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط هدفها الأساس هو تحقيق الضغط السياسي في درجاته القصوى على النظام الإيراني من أجل إنجاح المفاوضات المباشرة بين الجانبين وترهيب الجانب الإيراني.

سابعًا: الانشغال بترتيب البيت الداخلي

بات الرأي العام مهيأ للتعامل مع أزمات الداخل الإسرائيلي بشكل كبير خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اقترابنا من الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في أكتوبر المقبل، وبالتالي لا حديث يعلو فوق حديث التحالفات والتربيطات الانتخابية في الشارع الإسرائيلي. وفي تلك الأيام أيضاً تشهد إسرائيل أزمة عنيفة سببها الأحزاب الحريدية التي تهدد بعدم التصويت لصالح مشروع الميزانية في الشهر القادم، رداً على عدم تمرير مشروع التجنيد الذي يوفر مزايا وحصانات وإعفاءات من التجنيد لمنتسبي التيار الحريدي المتشدد.

ختامًا

 لا يعكس الهدوء الإسرائيلي الراهن غياب التهديد بقدر ما يعكس قراءة سياسية وأمنية مؤقتة لمسار التصعيد بين واشنطن وطهران. فبين رهان على المفاوضات، وثقة مفرطة في التنسيق الأمريكي، وغرور عسكري تغذّيه نتائج المواجهة السابقة، تبدو إسرائيل وكأنها تؤجل القلق أكثر مما تتجاوزه. غير أن طبيعة الصراع مع إيران، بما يحمله من أبعاد عقائدية واستراتيجية، تجعل أي حسابات مبنية على تجارب سابقة عرضة للاهتزاز. وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين تسوية سياسية هشة وتصعيد واسع قد يفرض معادلات أمنية جديدة على المنطقة بأسرها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء