رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صراع الصلاحيات: المفوضية الأوروبية وأزمة المشاركة في مجلس السلام العالمي

الاجتماع الاول لمجلس
الاجتماع الاول لمجلس السلام العالمي

فجّر حضور المفوضية الأوروبية الاجتماع الأول لمجلس السلام بواشنطن أزمة شرعية حادة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، إذ اعتبرت فرنسا أن إرسال المفوضية مسؤولًا رفيعًا للمشاركة في هذا الكيان الجديد يمثل تجاوزًا صريحًا للصلاحيات، كون المفوضية لا تملك تفويضًا سياديًا لتمثيل الدول الأعضاء في قضايا السلم والأمن الدوليين.

وتعكس هذه المواجهة الفرنسية-الأوروبية شرخًا عميقًا في كيفية التعامل مع إدارة الرئيس دونالد ترامب ونهجه في دبلوماسية الصفقات؛ فبينما ترى بروكسل في الحضور محاولة لضمان مقعد على طاولة الترتيبات المالية لإعادة إعمار غزة، ترى باريس في هذا التصرف هروباً يقوّض الإجماع الأوروبي التقليدي.  

وتصرّ فرنسا على أن أي انخراط في المجلس يجب أن يمر عبر القنوات الشرعية للمجلس الأوروبي، وبما يضمن عدم تهميش قرارات مجلس الأمن الدولي أو الانزلاق نحو هياكل موازية تفتقر إلى الوضوح القانوني.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين

ويمثل حضور المفوضية دون غطاء من الدول الأعضاء سابقة قد تعيد تعريف الأدوار داخل الاتحاد؛ ففي وقت لقاء ترامب بممثلي أكثر من 45 دولة، معلنًا عن حشد مليارات الدولارات، تظلّ المقاطعة الفرنسية والاحتجاج على تمثيل بروكسل علامة استفهام كبرى حول قدرة هذا المجلس على تحقيق إجماع دولي متماسك في ظل غياب القوى الأوروبية الرئيسية الفاعلة.

صراع الصلاحيات

ترى الخارجية الفرنسية أن المفوضية تجاوزت حدود مهامها التنفيذية لتمارس دورًا سياديًا في قضايا الأمن والسلم الدوليين، وهي صلاحيات محصورة تاريخياً بالمجلس الأوروبي الذي يمثل إرادة الدول مجتمعة، مما يضع العمل الأوروبي المشترك أمام اختبار حقيقي حول وحدة القرار الخارجي.

وفي المقابل، يبدو أن توجه المفوضية للمشاركة يعكس رغبة تكنوقراطية في بروكسل لانتزاع دور سياسي أكبر في الشرق الأوسط، بعيدًا عن التعقيدات والبطء اللذين يغلبان على قرارات الدول الأعضاء.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

هذه الخطوة، التي وصفتها فرنسا بالمفاجئة، تفتح الباب أمام سابقة قانونية قد تمنح المفوضية الحق في التحدث باسم القارة في المحافل الدولية دون الرجوع إلى العواصم، وهو ما تعتبره قوى سيادية مثل فرنسا وإسبانيا تهديداً مباشراً لجوهر السيادة الوطنية وهيكل الاتحاد الذي يقوم على الإجماع في الملفات الحساسة.

وبذلك، نجحت إدارة ترامب في تعميق الفجوة بين المؤسسات الأوروبية، حيث استغلت رغبة المفوضية في إثبات حضورها لتمرير شرعية مجلسها الجديد. وبينما تصرّ باريس على الغموض الذي يكتنف مهام المجلس وغياب التنسيق مع الأمم المتحدة، تجد المفوضية نفسها في موقف حرج؛ فهي حاضرة في قاعة الاجتماعات بواشنطن لكنها تفتقد الغطاء السياسي والقانوني من كبرى القوى المؤسسة للاتحاد، مما يجعل تمثيلها منقوصاً من الناحية البروتوكولية والسياسية.

دبلوماسية المليارات

يتجلى انقسام أوروبي حاد حول كيفية التعامل مع صندوق إعادة الإعمار الذي أعلن عنه الرئيس ترامب بقيمة 5 مليارات دولار كدفعة أولى. وبينما تقاطع فرنسا الاجتماع رفضًا لآليات التمويل التي تربط المساعدات بشروط سياسية وأمنية محددة، حضرت دول أوروبية أخرى بصفة مراقب، في محاولة لمسك العصا من المنتصف.

هذا التباين يعكس صراعًا بين رؤيتين، رؤية فرنسية متمسكة بالشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، ورؤية براغماتية لبعض الدول والمفوضية تخشى من ضياع فرص النفوذ الاقتصادي في غزة ما بعد الحرب.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

وتقايض هذه المقاربة العضوية الدائمة والقرار السياسي بمساهمات مالية ضخمة، وهو ما يصطدم مع القيم الأوروبية التقليدية في تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية عبر القنوات الأممية مثل الأونروا.

فرنسا، التي تُعدّ من أكبر الداعمين للمسار متعدد الأطراف، ترى في توجه المفوضية للمشاركة في هذا المجلس استسلاماً لنهج ترامب القائم على تهميش المؤسسات الدولية واستبدالها بتحالفات مؤقتة تقوم على المصالح المالية المباشرة.

هذا الانقسام لا يقتصر على المواقف السياسية فحسب، بل يمتد ليشمل الشركات الأوروبية العملاقة في مجالات الإنشاءات والطاقة، التي تجد نفسها مشتتة بين الالتزام بالخط السياسي الرسمي لدولها كما في حالة فرنسا، وبين إغراءات عقود إعادة الإعمار الضخمة التي يديرها المجلس في واشنطن.

المؤكد أن غياب الموقف الأوروبي الموحد تجاه صندوق مجلس السلام يضعف قدرة القارة على التأثير في صياغة الحل السياسي الدائم، ويحولها من لاعب استراتيجي إلى ممول ثانوي يسعى للحصول على فتات الصفقات تحت مظلة أمريكية صرفة.

أوروبا والاستقلال الاستراتيجي

يمثل اجتماع واشنطن اليوم الاختبار الأكثر قسوة لمفهوم الحكم الذاتي الاستراتيجي الذي نادت به فرنسا لسنوات؛ فدعوة ترامب لتشكيل مجلس السلام نجحت في استقطاب أجزاء من الهيكل الأوروبي، مما يهدد بتحويل القارة إلى توابع سياسية بدلاً من قطب عالمي موحد.

توقيع ميثاق مجلس السلام العالمي
توقيع ميثاق مجلس السلام العالمي

والاحتجاج الفرنسي الشديد على مشاركة المفوضية ليس مجرد خلاف بروتوكولي، بل هو حالة دفاع عن استقلالية القرار الأوروبي تجاه الأجندات الأمريكية التي تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط دون اعتبار للمصالح أو الرؤى الأوروبية المتوسطية.

وعلى وقع الخطاب الذي ألقاه ترامب في معهد السلام التابع له، يبدو أن أوروبا باتت أمام واقع جيوسياسي جديد يفرض عليها الاختيار بين الولاء للتحالف الأطلسي بشروط واشنطن الجديدة، أو العزلة الدبلوماسية دفاعًا عن مبادئ القانون الدولي.

كما أن تداعيات هذا الاجتماع ستتجاوز حدوده لتؤثر على ملفات أخرى حساسة، من أوكرانيا إلى العلاقة مع الصين؛ فإذا نجح ترامب في تفكيك الموقف الأوروبي تجاه غزة عبر إغراءات المجلس المالي وقوة الاستقرار الدولية، فإنه سيمتلك المفتاح لإعادة صياغة بقية الملفات الدولية وفق رؤية "أمريكا أولاً".

ختامًا:

تُظهر الأحداث الأخيرة أن الفجوة بين أوروبا الدول وأوروبا المؤسسات قد وصلت إلى مرحلة حرجة من الصدام العلني؛ فالمفوضية الأوروبية، ببحثها عن دور سياسي مباشر في مجلس السلام، قد وضعت نفسها في مواجهة مع العواصم التي تمنحها الشرعية أساساً.

وفي المحصلة، يظل نجاح هذا المجلس منوطًا بمدى قدرته على تحويل الالتزامات المالية إلى واقع أمني وسياسي مستدام على الأرض، وهو أمر مشكوك فيه في ظل غياب الإجماع الأوروبي والتمثيل الفلسطيني. وإذا ما استمرت فرنسا في مقاطعتها وانتقاداتها، فقد يتحول المجلس إلى هيكل أطلسي-إقليمي تقوده واشنطن، بينما تبقى أوروبا الرسمية تراقب من بعيد، منقسمة بين مفوضية تبحث عن دور سياسي وعواصم تتمسك بمبادئ قديمة في عالم يتغير بسرعة وفق منطق القوة والصفقات. 

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء