النظام العالمي القادم: تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود القوى المتوسطة
بدأ النظام الدولي الذي تشكل فور انتهاء الحرب الباردة يتلاشى، حيث تراجعت الولايات المتحدة عن دورها التاريخي كضامن رئيسي لهذا النظام، وبدأت في اتخاذ العديد من السياسات الأحادية التي تضمن تعزيز النفوذ الأمريكي تحت شعار "أمريكا أولًا" أو "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".
في ظل تراجع الدور الدولي الأمريكي، وعدم قدرة روسيا أو الصين على ملء الفراغ السياسي الذي تركته الولايات المتحدة، توسعت العديد من القوى الصاعدة في العالم من خارج أوروبا المركزية في تشكيل أطر جديدة للنظام الدولي.
مؤخرًا انتشرت حول العالم العديد من القوى المتوسطة والناشئة التي تسعى جاهدة لملء الفراغ السياسي الذي سببه الانسحاب السياسي الأمريكي من النظام الدولي. فعلى سبيل المثال، تسعى كل من أنجولا وجنوب أفريقيا إلى ملء الفراغ الأمريكي والغربي في أفريقيا، كما تسعى كل من تركيا وإندونيسيا والسعودية وقطر والإمارات إلى لعب أدوار متقدمة في تشكيل طبيعة العلاقات في النظام الحالي.

تحدي النظام القديم
تسعى القوى الصاعدة إلى تبني استراتيجيات جديدة لضمان استقلالها وتوزيع نفوذها، حيث باتت تتحدى التسلسلات الهرمية القائمة، وتعيد بناء الشبكات الاقتصادية وشبكات الاتصال، وتبني أشكالًا جديدة من التعاون لا تعتمد على القيادة والمشاركة الغربية، بل إن تلك الشبكة مصممة خصيصًا من أجل الالتفاف على الهياكل الغربية واستبعادها من ممرات البنية التحتية العالمية وإدارة النزاعات الدولية.
أدوات النظام العالمي الجديد
يتخذ النظام العالمي الجديد العديد من الأدوات السياسية والجيوسياسية لتذليل العقبات أمام تحركاته الدولية، ومن أبرز تلك الأدوات التي لجأت إليها القوى الصاعدة في النظام العالمي الجديد:
أولًا: تفكيك الهياكل القديمة
نشأ النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على هياكل دولية لإدارة أزماته، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كما سعت الدول الإقليمية إلى تأسيس العديد من المنظمات الإقليمية الدولية لإدارة الأزمات الإقليمية.
وعقب انتهاء الحرب الباردة برز ما يسمى "إجماع واشنطن"، الذي أضفى دورًا وأهمية كبيرة على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في إدارة الاقتصاد العالمي وفرض رؤى وتوجهات بعينها في إدارة الاقتصاد الدولي.
إلا أنه مؤخرًا باتت القوى الصاعدة أكثر تمردًا على أدوات وهياكل النظام القديم، إذ تمت تنحية المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن حل النزاعات الإقليمية، كما تمت تنحية البنك الدولي وصندوق النقد أيضًا عن ممارسة دور فعال في الأنشطة الاقتصادية.
فعلى سبيل المثال، لعبت دول كتركيا وقطر والسعودية دورًا كبيرًا في تحقيق الوساطات الدولية في العديد من مناطق النزاع حول العالم. فعلى سبيل المثال، رعت الدوحة الاتفاق الذي تم بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية، كما كان للدوحة أدوار ملموسة في العديد من الأزمات سواء في لبنان أو السودان.

ومؤخرًا لعبت مصر وتركيا وقطر دور الوساطة الدولية في إيقاف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي عام 2018 رعت السعودية اتفاقًا للسلام بين إريتريا وإثيوبيا. ومن الجدير بالذكر أن كل الاتفاقيات والوساطات السابقة تمت في معزل عن المؤسسات والهياكل الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ثانيًا: تراجع المركزية الأوروبية
على مدار قرون ماضية لعبت القارة الأوروبية دورًا مركزيًا في تشكيل أطر وتفاعلات النظام العالمي، خاصة بعد مؤتمرات برلين عام 1878، وتزايد الدور الأوروبي بشكل كبير خاصة بعد الحربين الكبريين. ولتأكيد مركزية أوروبا، استضافت القارة الأوروبية جميع مقار المنظمات الدولية.
ثالثًا: دبلوماسية الممرات الدولية
في النظام الجديد استُبدلت المؤسسات الدولية بالممرات الاقتصادية الدولية. فعلى سبيل المثال، شكل مشروع الحزام والطريق الذي تم تدشينه في عام 2013 دورًا كبيرًا في تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية في منطقة شرق ووسط آسيا، كما من المفترض أن يشكل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا دورًا موازيًا لمشروع الحزام والطريق، ومن المحتمل أن يكون الممر الهندي ذو تأثيرات سياسية قوية على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، معززًا في ذلك اتفاقيات إبراهام بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
وأخيرًا يشكل الممر التركي-العراقي، حيث تحاول تركيا ربط مواصلاتها وخطوطها التجارية مع ميناء الفاو العراقي على الخليج العربي، الأمر الذي سيعزز التواصل التركي بدول شرق وجنوب آسيا.

رابعًا: تحالف اليمين العالمي
مما يعزز فرضية التغير العالمي أننا بتنا أمام نظام عالمي جديد تشكل فيه قوى اليمين القومي العنصر الأبرز. فانتشار قوى اليمين ليس قاصرًا فقط على الولايات المتحدة وشعارها الاستراتيجي "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا"، بل امتدت القوى اليمينية إلى الهند ورئيس وزرائها الحالي ناريندرا مودي، وأيضًا تركيا التي تشهد صعودًا كبيرًا في التيار اليميني القومي التركي، والذي يعد أحد أبرز روافد النظام السياسي التركي.
في ضوء التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، يتضح أن العالم يمر بمرحلة انتقالية تتراجع فيها الهيمنة الأحادية لصالح بنية أكثر تعددية وتشابكًا. فلم تعد القوى الكبرى التقليدية وحدها قادرة على ضبط إيقاع التفاعلات الدولية، بل برزت القوى المتوسطة والناشئة بوصفها فاعلًا مؤثرًا يسعى إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية وفقًا لمصالحه وأولوياته الاستراتيجية.
فكيك تأدوات النظام العالمي الجديد تعكس مسعى لإعادة توزيع مراكز النفوذ عالميًا، بعيدًا عن المركزية الأوروبية والأمريكية التي سادت لعقود. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة استقرارًا سريعًا، بل قد يفتح المجال أمام تنافسات جديدة وتحالفات مرنة تتغير بتغير المصالح.
وعليه، فإن النظام العالمي الجديد لا يتشكل عبر قطيعة كاملة مع الماضي، بل عبر إعادة تموضع تدريجية لموازين القوة، تلعب فيها القوى المتوسطة دورًا محوريًا في رسم ملامح مرحلة دولية أكثر تعددية، وأشد تعقيدًا في آن واحد.
محمد الدابولي*



