رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ماكرون في الهند: من صفقات “رافال” إلى شراكة الذكاء الاصطناعي

ماكرون ورئيس وزراء
ماكرون ورئيس وزراء الهند

في رابع زيارة له منذ انتخابه عام 2017، يتوجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الهند، في جولة تُعتبر بمثابة إعلان رسمي عن انتقال الشراكة بين باريس ونيودلهي من مورد سلاح إلى شريك صناعي وتكنولوجي استراتيجي؛ حيث تمثل المفاوضات لبيع 114 طائرة رافال ومشاريع التصنيع المحلي للمروحيات خطوة هندية حاسمة لفك الارتباط التاريخي بالمعدات الروسية وتوطين التكنولوجيا الدفاعية المتطورة.

وبعيدًا عن صفقات السلاح، يسعى البلدان، من خلال قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي، إلى بناء قطب سيادي ثالث يكسر الاحتكارالتقني للولايات المتحدة والصين، مما يعزز نفوذ فرنسا كبوابة للهند نحو أوروبا، ويثبت مكانة الهند كحليف موثوق لفرنسا في منطقة المحيطينالهندي والهادئ ضمن رؤية «أفق 2047» المشتركة.

ماكرون
ماكرون

ولا يقتصر هذا التحالف العسكري والتقني على صفقات السلاح فحسب، بل يمتد ليشكل شبكة أمان جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح باريس الطامحة لاستعادة ثقلها في المحيطين الهندي والهادئ، مع طموحات نيودلهي الساعية لتنويع مصادر قوتها؛ مما يجعل من  ملفات الذكاء الاصطناعي والتصنيع المشترك حجر الزاوية في بناء قطب عالمي جديد يتجاوز الثنائية القطبية التقليدية بين واشنطن وبكين.

السيادة الجوية للهند

تسعى نيودلهي لتحديث أسطولها الجوي المتقادم بصفقة تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار؛ إذ تجري المفاوضات لبيع 114 طائرة مقاتلة منطراز «رافال»، مما يعكس الاستراتيجية الهندية الجديدة لتعويض النقص الحاد في سرب المقاتلات التابع لسلاح الجو، الذي واجه تحديات تقنية ولوجستية في السنوات الأخيرة.

رئيس الوزراء الهندي- ناريندرا مودي
رئيس الوزراء الهندي- ناريندرا مودي

وتكمن القوة الحقيقية لهذه الصفقة في التزام باريس بنقل التكنولوجيا وتوطين التصنيع داخل الأراضي الهندية، تماشيًا مع مبادرة «اصنعفي الهند»، ومن المتوقع أن يتم إنتاج الغالبية العظمى من هذه الطائرات في مصانع هندية بالتعاون مع شركات محلية، مما يمنح  نيودلهي استقلالية كاملة في الصيانة والتطوير المستقبلي دون الحاجة إلى الرجوع الدائم إلى المصنع الأم في فرنسا.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، تهدف هذه الشراكة العسكرية إلى كسر الاحتكار التاريخي لروسيا كمورد رئيسي للسلاح للهند؛ نظرًالانشغال موسكو بحروبها الخاصة وتعثر سلاسل التوريد الروسية، وجدت نيودلهي في «الرافال» الفرنسية البديل الأكثر موثوقية وتطورًا،خاصة أنها أثبتت كفاءة عالية في الأجواء الهندية خلال المناوشات الحدودية السابقة، مما يمنح الهند تفوقًا نوعيًا في المنطقة.

ماكرون خلال زيارة  الهند
ماكرون خلال زيارة  الهند

سباق الذكاء الاصطناعي

تمثل قمة الذكاء الاصطناعي في نيودلهي منصة استراتيجية لماكرون ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإعلان رفضهما للثنائية القطبية التقنية بين واشنطن وبكين؛ إذ يسعى الزعيمان لبناء طريق ثالث في عالم التكنولوجيا يركز على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي سيادية تضمنللدول الحفاظ على بيانات مواطنيها وأمنها القومي بعيدًا عن هيمنة خوارزميات شركات وادي السليكون أو الرقابة الصينية المشددة.

وتركز النقاشات التقنية خلال الزيارة على دمج الخبرة الفرنسية في مجال البرمجيات والرياضيات المتقدمة مع الكتلة البشرية الهندية الهائلة من المهندسين والمبرمجين؛ وهذا التعاون يهدف إلى خلق نماذج لغوية وتطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لقطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والزراعة الذكية، مما يسهم في تحسين جودة الحياة لملايين الهنود وتوفير حلول تقنية منخفضة التكلفة.

ويأتي إطلاق «عام الابتكار 2026» إطارًا عمليًا لربط الشركات الناشئة في باريس وبومباي؛ حيث تستهدف فرنسا الاستفادة من السوقالهندي الضخم كحقل تجارب لتقنياتها الجديدة، بينما تسعى الهند لجذب الاستثمارات الفرنسية في مراكز البحث والتطوير.

ماكرون ورئيس وزراء الهند
ماكرون ورئيس وزراء الهند

هذا التكامل يخلق بيئة ابتكارية عابرة للقارات تعتمد على تبادل المواهب والتمويل المشترك للمشاريع التكنولوجية الكبرى، ويسهم في وضعمعايير دولية وأخلاقية لحوكمة الذكاء الاصطناعي. ومن خلال قمة نيودلهي، يريد ماكرون أن يظهر للعالم أن الجنوب العالمي بقيادة الهند،وبالتعاون مع أوروبا بقيادة فرنسا، قادر على صياغة مستقبل التكنولوجيا بشكل يضمن العدالة الرقمية ويمنع الاحتكار التقني الذي قد يهدد استقلال الدول في المستقبل.

 التحالف الاستراتيجي

تكتسب الزيارة بعدًا أمنيًا عميقًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تعتبر فرنسا نفسها دولة مقيمة في المنطقة عبر أقاليمها وراءالبحار. ويعد التنسيق مع الهند ضرورة استراتيجية لباريس لضمان أمن ممراتها البحرية ومواجهة النفوذ الصيني المتزايد، وهو ما يتلاقىتمامًا مع رغبة نيودلهي في تأمين نفوذها الحيوي في مياهها الإقليمية وما وراءها.

وتتضمن أجندة الزيارة تعزيز التعاون في مجالات الفضاء والمراقبة بالأقمار الصناعية للأمن البحري، بالإضافة إلى مشاورات حول تطويرمحركات نفاثة وغواصات هجومية، والدعم التكنولوجي في المجالات السيادية الحساسة التي تضمن للهند تفوقًا رادعًا في المحيط الهندي،مما يجعل الشراكة بينهما تحالفًا للضرورة الاستراتيجية.

وضمن رؤية «أفق 2047»، التي تهدف للاحتفال بمرور مائة عام على استقلال الهند، يعمل البلدان على صياغة نظام دولي متعددالأقطاب؛ لذلك تؤكد فرنسا أنها الحليف الأوثق للهند في أوروبا، حيث تدعم باريس حصول نيودلهي على مقعد دائم في مجلس الأمنالدولي، وتلعب دور المحامي عن المصالح الهندية في المحافل الأوروبية والدولية الكبرى.

ختامًا:

نجاح هذه الصفقة سيكرس فرنسا كشريك دفاعي أول للهند في الغرب، متفوقة على الولايات المتحدة التي غالبًا ما تضع شروطًا سياسيةمعقدة على صفقاتها؛ إذ تقدم باريس تكنولوجيا بلا قيود سياسية، وهو ما تحتاجه الهند لتأمين حدودها الشاسعة وتعزيز مكانتها كقوة عسكرية ضاربة في القارة الآسيوية، مع ضمان تدفق الاستثمارات الفرنسية في التصنيع العسكري الثقيل.

كما يكرس هذا التحالف مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الذي ينادي به ماكرون في أوروبا وتتبناه الهند في سياستها الخارجية، ومن خلالبومباي ونيودلهي، يرسل الزعيمان رسالة للعالم بأن الشراكة الفرنسية الهندية هي صمام أمان لاستقرار التجارة العالمية وأمن الممرات المائية،وأن هذا التحالف بات اليوم أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي الجديد في القرن الحادي والعشرين.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء