رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أردوغان في أديس أبابا: أنقرة تعيد ترتيب أوراقها في القرن الإفريقي

زيارة الرئيس أردوغان
زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا

بخطوات مدروسة بعناية شديدة أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارته الثانية لإثيوبيا في 17 فبراير الماضي، وذلك بعد زيارته الأولى التي قام بها في عام 2015. وتأتي تلك الزيارة الحالية في ظل سياقات إقليمية معقدة في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية صوماليلاند في نهاية 2025، وأيضًا التوترات الأمنية التي تشهدها إثيوبيا في مناطق التيجراي، والتوترات الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا على خلفية رغبة إثيوبيا في الوصول إلى منفذ بري لها على البحر الأحمر.

حملت الزيارة العديد من الدلالات الرمزية التاريخية؛ فالزيارة أتت في ظل الذكرى المئوية لبناء العلاقات التركية الإثيوبية، كما تأتي الزيارة في ظل الذكرى التاريخية لانتصارات إثيوبيا (إمبراطورية الحبشة) في معركة العدوة عام 1896، والتي انتصر فيها الإمبراطور الحبشي منيلك الثاني على الجيش الإيطالي، ويؤرخ هذا الانتصار بمثابة إعلان استقلال إثيوبيا وقبولها في المجتمع الدولي في ذلك التوقيت.

كما حملت الزيارة دلالات رمزية أخرى، وهي إهداء الرئيس التركي لنظيره الإثيوبي سيارة "توغ" الكهربائية، والتي باتت مؤخرًا إحدى أبرز الهدايا الدبلوماسية التركية خلال الفترة الأخيرة، حيث سبق أن أهدت سيارة من نفس الطراز للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارة أردوغان الأخيرة للقاهرة.

زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا
زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا

تعزيز التعاون الدبلوماسي

في عام 1926 أنشأت تركيا أول سفارة لها في إفريقيا جنوب الصحراء في أديس أبابا، حيث كانت إثيوبيا هي الدولة الإفريقية الوحيدة، رفقة ليبيريا، التي كانت تتمتع بالاستقلال السياسي، وتم تعيين السياسي التركي وقتها أحمد منير أول سفير تركي في إثيوبيا.

وفي عام 1933 تم افتتاح السفارة الإثيوبية في أنقرة، وتم تعيين برهان ماركوس أول سفير إثيوبي في تركيا، وخلال العدوان الإيطالي على إثيوبيا في عام 1935 سبق أن أعربت تركيا عن تضامنها مع إثيوبيا في مواجهة الاحتلال الإيطالي.

الأبعاد الاستراتيجية لزيارة أردوغان

تحمل زيارة أردوغان لإثيوبيا العديد من الأبعاد السياسية التاريخية، سواء على مستوى العلاقات بين البلدين أو على مستوى التضامن في العديد من المواقف التاريخية في القضايا الحساسة:

أولًا: تضامن تركي غير معلن

 لم تصرح تركيا أو أية جهة سياسية تركية حول موقف أنقرة من أزمة مياه النيل وحقوق مصر التاريخية في مياه النيل، إلا أنه في الحقيقة، ضمنيًا، نجد أن هناك توافقًا غير معلن بين الجانبين، أي التركي والإثيوبي، في ملف سد النهضة وتقسيم مياه النيل، فكلا الدولتين تحملان موقفًا مشابهًا؛ فتركيا تسيطر على منابع نهري دجلة والفرات في شمال هضبة الأناضول، كما تتحكم في الموارد المائية الخاصة بدولتي سوريا والعراق، بانيةً العديد من السدود الحاجزة مثل سد أتاتورك، الذي حجب وخصم الكثير من حصة العراق المائية، لذا فالدولتان تتضامنان في مسألة المياه وتوزيعها نظرًا للتشابه الشديد في مواقفهما.

ثانيًا: تعزيز الدبلوماسية الإثيوبية

 منذ انتهاء حرب التيجراي في عام 2022 عانت إثيوبيا من حالة عزلة دولية خانقة على خلفية الجرائم الإنسانية في إقليم التيجراي، لذا تعد الزيارة بمثابة مكسب دبلوماسي استراتيجي للنظام الإثيوبي الحالي، حيث جرى الترتيب لتلك الزيارة حينما التقى رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في جنوب إفريقيا في ديسمبر الماضي، على هامش اجتماعات مجموعة العشرين.

زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا
زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا

ثالثًا: المنفذ البحري والموانئ الصومالية

يعيش 130 مليون نسمة في إثيوبيا دون منفذ مائي على البحار العالمية، الأمر الذي شكل دافعًا للحكومة الإثيوبية من أجل توجيه تهديداتها إلى دول الجوار للحصول على هذا المنفذ، وشكلت الرغبة الإثيوبية في الوصول إلى البحر الأحمر عمق التوترات بين إثيوبيا وإريتريا.

تحاول تركيا حاليًا استغلال تلك الأزمة الإثيوبية من أجل الترويج للمشاريع التركية في الصومال، خاصة عمليات تطوير الموانئ الصومالية، فتركيا باتت تستحوذ على موانئ كسمايو ومقديشيو وأخيرًا ميناء هوبيو في ولاية جلمدج في وسط الصومال.

أي أن أنقرة تحاول الترويج لبدائل بحرية أمام إثيوبيا، مثل تسهيل استخدامها للموانئ الصومالية المطورة من قبل تركيا، إلا أنه في الحقيقة قد تفشل تلك الجهود التركية في الترويج للموانئ الصومالية؛ فأديس أبابا لها المزيد من العلاقات التجارية التاريخية مع ميناء دوراليه في جيبوتي، وأيضًا ميناء بربرة في أرض الصومال، وما تريده أديس أبابا هو الحصول على سيادة بحرية، أي انتزاع استقلال موانئ إريتريا أو الصومال لصالح إثيوبيا.

رابعًا: السوق الإثيوبية

نجحت تركيا خلال العقدين الماضيين في الوصول إلى مستويات عالية من التصنيع، مما أهلها لتكون إحدى أكبر الدول المصدرة على مستوى العالم، لذا تسعى أنقرة إلى فتح أسواق جديدة أمامها، ولا تجد أفضل من السوق الإثيوبي الذي يبلغ حوالي 130 مليون نسمة، لذا فالزيارة الأخيرة تم الاتفاق فيها على حزمة من الاتفاقيات التجارية التي تبلغ حوالي مليار دولار تقريبًا، كما تعد أنقرة هي ثاني أكبر مستثمر حاليًا في إثيوبيا باستثمارات قدرها حوالي 2.5 مليار دولار تقريبًا، تدعم توظيف ما يقارب 20 ألف إثيوبي.

خامسًا: التنسيق الصومالي

 بات من الجلي أن الصومال هي القاعدة الخلفية لتركيا، حيث نجحت تركيا منذ عام 2011 في ترسيخ تواجدها في الصومال، ولأجل استمرار الوجود التركي الناجح في الصومال كان لزاماً على أنقرة تعزيز التعاون مع أديس أبابا، خاصة من الناحية الأمنية في الصومال، فإثيوبيا تمتلك وجودًا عسكريًا في الداخل الصومالي منذ عام 2006 وإلى اليوم.

زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا
زيارة الرئيس أردوغان إلى أديس أبابا

ختامًا:

لا يمكن قراءة زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أديس أبابا بوصفها تحركًا بروتوكوليًا عاديًا، بل باعتبارها محطة استراتيجية في إعادة تموضع أنقرة داخل معادلات القرن الإفريقي، إذ جمعت الزيارة بين الرمزية التاريخية والحسابات الجيوسياسية، وربطت بين المصالح الاقتصادية والطموحات البحرية والتنسيق الأمني في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

كما تعكس الزيارة إدراكًا تركيًا لأهمية إثيوبيا كقوة ديموغرافية وسياسية صاعدة في إفريقيا، وفي الوقت ذاته تكشف عن سعي أديس أبابا إلى تنويع شراكاتها الدولية للخروج من ضغوط العزلة والأزمات الداخلية. وبين المصالح المتبادلة والحسابات المتشابكة، تبقى نتائج هذا التقارب مرهونة بقدرة الطرفين على موازنة طموحاتهما الإقليمية مع حساسيات الجوار، خاصة في ملفات المياه والموانئ والأمن الصومالي، وهي ملفات كفيلة بإعادة رسم توازنات المنطقة خلال السنوات المقبلة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء