رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التجنيد الإفريقي في الجيوش الأوروبية.. الجنسية مقابل الخدمة العسكرية

التجنيد الإفريقي
التجنيد الإفريقي في الجيوش الأوروبية

منذ قديم الأزل حرصت الدول الأوروبية الاستعمارية على استقطاب الأفارقة في صفوف الجيوش الخاصة بها، وذلك للعديد من الاعتبارات أبرزها تعزيز القدرات العسكرية للجيوش الاستعمارية ومضاعفة أعدادها، والزج بهم في أتون المعارك الضارية وتحقيق الانتصارات للإمبراطوريات الأوروبية.

تعد بريطانيا من أبرز القوى الاستعمارية الأوروبية التي حاولت إنشاء فيالق إفريقية خاصة بها، ففي عام 1800 تم إنشاء فيلق فريزر البريطاني، والذي تحول في عام 1804 إلى الفيلق الملكي الإفريقي. وعلى مدار عقدين من الزمن استخدمت بريطانيا الفيلق الإفريقي في تعزيز سيطرتها على المستعمرات حول العالم من الهند شرقًا إلى الكيب في جنوب إفريقيا غربًا، كما تم استخدام الفيلق الإفريقي في معاقبة المستعمرات المارقة، مما أدى إلى تشوه سمعة الفيلق، مما أدى إلى حله نهائيا في عام 1821.

رغم حل الفيلق رسميًا في عام 1821، إلا أن فكرة تجنيد الأفارقة للعمل في صفوف الجيش البريطاني لم تتوقف، بل تغيرت طبيعة التجنيد، حيث تم تشكيل فيالق في المستعمرات البريطانية الإفريقية من أجل الدفاع عن المصالح البريطانية فيما وراء البحار. فعلى سبيل المثال نجحت بريطانيا في تجنيد ما يقارب من 180 ألف إفريقي خلال الحرب العالمية الأولى، تم استخدامهم في تصفية المستعمرات الألمانية في شرق أفريقيا، حيث زنجبار، وكذلك مستعمرات غرب إفريقيا الألمانية مثل الكاميرون وتوجو، كما تم استخدام الكتائب الإفريقية خلال تلك الحرب في تعزيز اللوجستيات وخدمات النقل في الجيش البريطاني.

المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية
المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية

أما على الجانب الفرنسي فكانت باريس أكثر وضوحا في تجنيد الأفارقة، إذ أنشأت الفيلق الإفريقي الأجنبي في عام 1831 بقرار من الملك لويس فليب لتجنيد الأجانب في صفوف الجيش الفرنسي. وتقوم فكرة الفيلق الإفريقي على استقطاب الشباب الأفارقة للتجنيد في صفوف الفيلق على اعتبار أنه خطوة في سبيل الحصول على الجنسية الفرنسية في حال انقضاء مدة الخدمة الإلزامية أو الإصابة في أحد العمليات العسكرية.

توسعت فرنسا في المهام الموكلة إلى الفيلق الإفريقي، إذ جرى الاعتماد عليه بشكل كبير في الحملات الاستعمارية والحربين العالميتين، وأيضا حروب الاستقلال التي خاضتها المستعمرات الفرنسية السابقة مثل الجزائر وفيتنام.

الحرب الروسية الأوكرانية

خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية انخفض الاعتماد على العنصر الإفريقي في الجيوش الأوروبية الحديثة، ما عدا فرنسا التي لا تزال تمتلك فيلقا إفريقيا خاصا بها مسلحا بأحدث أنواع الأسلحة الحديثة. إلا أنه بعد الحرب الروسية الأوكرانية وانكسار حالة السلام الأوروبي التي تم فرضها عقب نهاية الحرب العالمية الثانية بتصفية ألمانيا النازية، بدأ الحديث يعود مجددًا حول إمكانية تجنيد الأفارقة في الجيوش الأوروبية.

المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية
المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية

ساهمت الأزمة الأوكرانية الروسية في انقضاء عهد السلام والاستقرار الأوروبي والدخول في عهد القلق والتوتر في العلاقات الأوروبية الأوروبية،  خاصة بعد اتجاه الولايات المتحدة في عهد ترامب إلى رفع يدها عن الدفاع عن أوروبا وتقليل مساهمات أمريكا في حلف شمال الأطلنطي، مما أدى إلى توجه الإدارات الأوروبية في الفترة الأخيرة إلى العسكرة وإعادة التجنيد الإلزامي وزيادة النفقات العسكرية على حساب النفقات المخصصة للتنمية والاقتصاد، ومعها بدأ يدور الحديث حول إمكانية الاستعانة بمجندين من إفريقيا في الجيوش الأوروبية.

الواقع أسبق من النظرية

لم تعط الحرب الروسية الأوكرانية الفرصة أمام الدوائر العسكرية الأوروبية لنقاش جدوى الاستعانة بالأفارقة في الجيوش الأوروبية، فكلا الطرفين الروسي والأوكراني كانا سابقين في الاستعانة بخدمات الأفارقة في صفوف جيوشهما، حيث سرعان ما يتم استقطاب الأفارقة وإعادة دفعهم في مناطق الاشتباك المشتعلة بين موسكو وكييف.

مواجهة البطالة الإفريقية

تعاني معظم الدول الإفريقية من تدني مستويات المعيشة فضلًا عن ارتفاع معدلات البطالة، مما وضع العديد من الشباب الإفريقي فريسة أمام دعوات التجنيد في الجيش الروسي. فعلى سبيل المثال صرح وزير الخارجية الأوكراني في سبتمبر 2025 بأن هناك حوالي 1400 مواطن أفريقي من 36 دولة يقاتلون إلى جانب القوات الروسية، موضحًا أن معظمهم تم تجنيدهم لأسباب متعلقة بعدم توافر فرص العمل لديهم في بلادهم وانخفاض مستوى المعيشة الخاصة بهم.

المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية
المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية

المختبر الأسترالي

ما زالت الدول الأوروبية الحديثة متحرجة بعض الشيء في مسألة تجنيد الأفارقة، إلا أنها في نفس الوقت حرصت على إيجاد بؤر اختبارية لمثل تلك المسألة. فعلى سبيل المثال أقدمت أستراليا على التوقيع على اتفاقية دفاع مشترك مع دولة بابو غينيا الجديدة في عام 2025، تقوم تلك الاتفاقية على تمكين مواطني بابو غينيا الجديدة من الالتحاق بالخدمة العسكرية في أستراليا.

حيث ترغب كانبرا في تجنيد ما يصل إلى عشرة آلاف مجند من بابوا غينيا بما يوازي (10% من إجمالي قوات الدفاع الأسترالية)، وذلك لتزايد تخوف أستراليا من تزايد النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادي، فضلًا عن الموقع الجغرافي لبابو غينيا والتي تبعد عن السواحل الأسترالية بمقدار 150 كيلو متر.

رغم كونها دولة غير إفريقية، إلا أن بابوا غينيا تتشابه في ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع الدول الأفريقية جنوب الصحراء، حيث زيادة كبيرة في معدلات الشباب وارتفاع معدلات البطالة والفقر. لذا جاءت الاتفاقية الأمنية مع أستراليا فرصة جيدة للحكومة في الجزيرة الاستوائية من أجل الحد من سوق البطالة، حيث ستعمل الاتفاقية على توفير عشرة آلاف وظيفة جديدة في البلاد.

من نيروبي إلى برلين

تعد تجربة أستراليا ـ بابوا غينيا الجديدة أولى التجارب في مسألة تجنيد أبناء الدول الفقيرة لصالح الدول المتقدمة، ومن المحتمل تكرار تلك التجربة إلى أوروبا خلال وقت قصير. ففي عام 2024 تم توقيع اتفاقية نقل وهجرة العمالة بين كينيا وألمانيا، حيث تهدف تلك الاتفاقية إلى تذليل عملية نقل العمالة الكينية إلى السوق الألمانية التي باتت تعاني من عجز واضح في العمالة في الفترة الأخيرة، وذلك بسبب حالة الشيخوخة التي عليها المجتمع الألماني. وتهدف الاتفاقية إلى منح العمالة الكينية تصاريح إقامة مؤقتة تمتد إلى عامين من الممكن تجديدها.

المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية
المقاتلون الأجانب في الجيوش الأوروبية

ونظرا لحالة العسكرة التي باتت عليها الحكومة الألمانية واتجاه برلين حاليًا إلى إعادة دعم جيشها الوطني وفرض التجنيد الإلزامي خلال العامين المقبلين، ستصطدم الطموحات الألمانية العسكرية بندرة الشباب الألماني وارتفاع معدلات الشيخوخة في المجتمع الألماني، لذا ترجح العديد من الرؤى إلى إمكانية استغلال برلين اتفاقيات العمالة مع الدول النامية، وفي المقدمة منها كينيا، في استقطاب العديد من الشباب من تلك الدول للعمل في صفوف الجيش الألماني.

وختاما.. انخفاض حجم القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي بمقدار 24 مليونا خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة، وفي المقابل ارتفاع حجم القوى العاملة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بمقدار 541 مليونا، سيشكل ضغطا متزايدا على الدول الأفريقية التي قد تسمح في النهاية للدول الأوروبية بتجنيد مواطنيها في جيوشها الوطنية، مثلما هو الحال حاليا في الجيوش الروسية والأوكرانية والفرنسية والأسترالية، والألمانية لاحقا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء