فيتو اللاعودة.. استراتيجية أستراليا للتخلص من إرث داعش عبر بوابة القضاء
أعلن رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، موقفًا حازمًا يقضي بامتناع حكومته عن تقديم أي مساعدة لإعادة 34 امرأة وطفلًا من مواطنيها المحتجزين في مخيم "روج" شمال شرقي سوريا؛ وذلك على خلفية فشل محاولة قامت بها 11 عائلة لمغادرة المخيم نحو دمشق بسبب تعقيدات إجرائية مع السلطات السورية، لتعود العائلات أدراجها إلى نقطة الصفر، وسط تأكيدات رسمية من كانبيرا بأنها لن تبذل أي جهد دبلوماسي أو لوجستي لتسهيل عودتهم.
ويستند الموقف الحكومي المتصلب إلى نص قانوني وفرته المحكمة الاتحادية الأسترالية في وقت سابق، حيث قضت بعدم وجود التزام قانوني يُجبر الدولة على استعادة مواطنيها من مناطق الصراع، إذ استغل ألبانيز هذا الغطاء القضائي لترسيخ استراتيجية اللاعودة، معتبرًا أن من اختاروا الانضمام إلى تنظيم "داعش" يتحملون وحدهم تبعات قرارهم، في إشارة واضحة إلى فك الارتباط الأخلاقي والسياسي بين الدولة وهؤلاء الرعايا.
يمثل هذا التوجه ذروة محاولات كانبيرا للتحلل من إرث داعش الثقيل عبر مسارات قضائية تضع حدًا للضغوط التي تمارسها المنظمات الحقوقية، مثل "أنقذوا الأطفال"، فبينما تحذر هذه المنظمات من مخاطر ترك الأطفال في بيئات متطرفة، اختارت الحكومة الأسترالية تقديم الأمن القومي على واجبات المواطنة التقليدية، ملوحةً في الوقت ذاته بملاحقة أي عائد بمفرده بأقصى عقوبات القانون، مما يغلق عمليًا الباب الموارب أمام أي حلول إنسانية مستقبلية.

المحاكم كدرع سياسي
تستند استراتيجية "اللاعودة" الأسترالية إلى أرضية قانونية صلبة تم تشكيلها بعناية خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما بعد صدور حكم المحكمة الاتحادية عام 2024. هذا الحكم لم يكن مجرد إجراء تقني، بل مثّل سندًا سياسيًا للحكومة، حيث قضى بأن الدولة ليست ملزمة بموجب القانون بضمان عودة مواطنيها من مناطق النزاع، مما حوّل حق العودة من استحقاق دستوري إلى خيار سيادي خاضع لتقدير السلطة التنفيذية.
ومن خلال هذا الالتفاف القانوني، أعادت كانبيرا تعريف مفهوم الحماية القنصلية؛ إذ لم يعد جواز السفر الأسترالي يضمن لصاحبه تدخل الدولة لإنقاذه في حالات الأزمات الكبرى إذا ما ارتبطت تلك الأزمات بشبهات أمنية.
هذا التحول يعني عمليًا إسقاط العقد الاجتماعي بين الدولة والفرد في حالات "الإرهاب"، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية دولية حول مدى مشروعية تجريد المواطنة من محتواها الحمائي بناءً على توجهات سياسية أو أيديولوجية.
وعلاوة على ذلك، تستخدم الحكومة الأسترالية المسؤولية الجنائية الفردية كأداة لتبرير تقاعسها المؤسسي؛ فالتشريعات الحالية تسمح بملاحقة العائدين بموجب قوانين "المناطق المعلنة" التي تجرّم السفر إلى معاقل التنظيمات الإرهابية.
هذا الربط القانوني يمنح الحكومة القدرة على تصوير عمليات الإجلاء ليس كواجب إنساني تجاه رعاياها، بل كمخاطرة أمنية قد تؤدي إلى استقدام عناصر يشكلون خطرًا داهما على السلم الأهلي، مما يعزز من فكرة المنفى القانوني.

دلالات الخطاب السياسي
أبرزت تصريحات أنتوني ألبانيز الأخيرة طبيعة التوجه السياسي الأسترالي، حيث استخدم لغة شعبوية صريحة تهدف إلى مخاطبة الوجدان الأمني للناخب المحلي، معلنًا نهاية عهد التعاطف الرسمي مع عائلات المقاتلين الأجانب، وتحويل القضية من ملف إنساني شائك إلى قضية عدالة جزائية يقررها الشارع قبل القضاء.
هذا الخطاب الحاد يخدم غرضًا استراتيجيًا مزدوجًا؛ فهو من جهة يغلق الباب أمام أي معارضة سياسية داخلية قد تتهم الحكومة باللين تجاه الإرهاب، ومن جهة أخرى يرسل رسالة ردع قوية لأي مواطن قد يفكر في الانخراط في صراعات خارجية مستقبلًا. إن تجريد النساء والأطفال من صفة ضحايا في الخطاب الرسمي يعكس رغبة الحكومة في تجنب أي كلفة سياسية قد تنتج عن عمليات استعادة مثيرة للجدل.
كما يعكس هذا الموقف رغبة أستراليا في تحسين صورتها من أي ارتباط بظاهرة التطرف العابر للحدود؛ فمن خلال التبرؤ العلني من هؤلاء الرعايا، تحاول كانبيرا إثبات أنها لا تتحمل وزر خيارات مواطنيها الذين سعوا لتقويض نمط الحياة الأسترالي.
تلك القومية الدفاعية تلقى رواجًا كبيرًا في الأوساط السياسية المحافظة، مما يجعل من الصعب على الحكومة العمالية الحالية التراجع عن هذا المسار دون دفع ثمن انتخابي باهظ.
وبالرغم من جمود الخطاب، إلا أنه يعبر عن واقعية سياسية باردة؛ فالكلفة اللوجستية والأمنية لإعادة دمج هؤلاء الأفراد ومراقبتهم تفوق بكثير الفوائد الحقوقية المرجوة من إعادتهم. لذا، فإن استراتيجية الصدمة اللفظية التي اعتمدها ألبانيز تهدف إلى تهيئة الرأي العام لتقبل فكرة الترك النهائي، واعتبار أن هؤلاء الأستراليين قد اختاروا جنسية أخرى أيديولوجية تسقط عنهم عمليًا جنسيتهم الأصلية.

الصدام مع المبادئ الحقوقية
تمثل قضية الأطفال الـ 34 العالقين في سوريا الثغرة الأخلاقية الأبرز في استراتيجية "اللاعودة" الأسترالية، حيث يصطدم الحزم السياسي مع المواثيق الدولية لحقوق الطفل، إذ إن ترك الأطفال في بيئات موبوءة بالفكر المتطرف وفقدان الأمل قد يحولهم مستقبلًا إلى تهديد أمني حقيقي، بدلًا من استيعابهم وإعادة تأهيلهم في بيئة آمنة.
هذا التناقض يضع أستراليا في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية، ويشوه صورتها كدولة رائدة في الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الطفل عالميًا.
وعلاوة على ذلك، فإن إصرار الحكومة على معاملة الأطفال والنساء ككتلة واحدة مرتبطة بـ"داعش" يلغي مبدأ التفرقة القانونية بين الجناة والتابعين؛ فبينما قد تكون لبعض النساء أدوار في التنظيم، يظل الأطفال خارج دائرة التجريم القانوني، مما يجعل سياسة العقاب الجماعي المتبعة حاليًا موضع انتقاد لاذع من قبل خبراء القانون الدولي الذين يرون فيها انتهاكًا لمبدأ شخصية العقوبة.
العوائق اللوجستية
يكشف فشل المحاولة الأخيرة لنقل العائلات من دمشق عن تعقيدات جيوسياسية تتجاوز الإرادة الأسترالية المنفردة، حيث تبرز المشكلات الإجرائية كذريعة أو كعائق حقيقي يعكس غياب التنسيق بين الأطراف الفاعلة على الأرض. فمخيم "روج" يقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بينما تتطلب عمليات الإجلاء أحيانًا عبور مناطق تابعة للحكومة السورية، مما يضع كانبيرا في مأزق التعامل مع نظام لا تعترف بشرعيته الكاملة.

ويطرح هذا التعثر تساؤلات حول مدى جدية الحكومة الأسترالية في تسهيل هذه المحاولات؛ فمن الممكن أن تخدم هذه العقبات اللوجستية سردية الحكومة الأسترالية بأن العملية مستحيلة ميدانيًا، مما يرفع الحرج عنها أمام المنظمات الدولية.
لكن غياب الغطاء الدبلوماسي القوي لكانبيرا في سوريا يجعل من أي محاولة إجلاء مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهو ما تستخدمه الحكومة لتبرير سياستها الحذرة والمترددة.
بالإضافة إلى ذلك، تتقاطع المصالح الإقليمية في ملف المخيمات السورية بشكل يجعل من قضية العائدين ورقة مقايضة سياسية؛ فـ"قسد" تطالب الدول باستعادة مواطنيها لتخفيف العبء الأمني والمادي، بينما تتردد الدول الغربية ومنها أستراليا في الاستجابة خوفًا من التبعات الأمنية.
هذا الشد والجذب يحول العائلات الأسترالية إلى رهائن لوجستية لتعقيدات الصراع السوري، حيث لا توجد ممرات آمنة أو تفاهمات واضحة تضمن سلاسة الخروج.

ختامًا:
استراتيجية اللاعودة تجد في العوائق اللوجستية مبررًا إضافيًا للتحلل من المسؤولية، إذ تتذرع الحكومة بصعوبة الوصول والتنسيق، لكن الإرادة السياسية لو توفرت، لأمكن تذليل هذه العقبات كما فعلت دول أخرى استعادت مواطنيها.
وأخيرًا، فإن بقاء هؤلاء الأستراليين في مخيم روج ليس مجرد نتيجة لمشكلات إجرائية، بل هو قرار استراتيجي يفضل بقاء التهديد بعيدًا عن الحدود الأسترالية، مهما كانت الكلفة الإنسانية.