رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اختراق الدفاعات الجوية: كيف انهارت الاستراتيجية الوطنية في إسرائيل؟

نتنياهو وقيادات جيش
نتنياهو وقيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

خلفت حرب الإثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل حالة من الجدل في الأوساط السياسية والثقافية الإسرائيلية، إذ بدأ الجميع يتحدث عن أهمية جدوى الاستراتيجية الوطنية الحالية في حماية إسرائيل، فلأول مرة منذ عقود طويلة تصبح إسرائيل ساحة للمعارك الكبرى، مما عرض حياة المواطنين للخطر الشديد فضلًا عن تدمير العديد من المنشآت الوطنية الهامة.

على مدار تاريخ الاشتباكات العربية الإسرائيلية بعد حرب النكبة عام 1948، حرصت إسرائيل على نقل معاركها مع الدول العربية إلى خارج مناطق السيادة الإسرائيلية، ففي أغلب الأوقات كانت تل أبيب هي المبادرة بالحرب وناقلة ميادينها إلى داخل الأراضي العربية، كما حدث في سيناء وهضبة الجولان والضفة الغربية في عام 1967، كما حرصت على إبقاء الاشتباكات في عام 1973 داخل الأراضي العربية المحتلة، سواء في سيناء أو الجولان.

وفي عام 1982 كانت أيضًا المبادرة بنقل الحرب إلى الجنوب اللبناني، متوغلة حتى العاصمة بيروت، فارضة حصارًا خانقًا عليها من أجل نقل فصائل حركة التحرير الفلسطينية خارج الأراضي اللبنانية لضمان أمن وسلامة المناطق الشمالية في إسرائيل.

تحولات استراتيجية

شهدت الساحة الفلسطينية في عام 1987 تحولات استراتيجية كبرى تمثلت في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وما واكبها من تطورات خطيرة أبرزها انتقال مفهوم المقاومة إلى الداخل الفلسطيني على يد جماعات جديدة منتمية إلى تيار الإسلام السياسي، مثل حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، التي تبنت استراتيجيات جديدة في المقاومة مثل تكثيف العمليات الاستشهادية ضد الأهداف والمواقع الإسرائيلية.

العدوان على غزة 
العدوان على غزة 

ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر 2000، باتت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية على يقين بضرورة استمرارية الحفاظ على الاستراتيجية الوطنية الإسرائيلية القائمة على فكرة ضمان أراضي السيادة الإسرائيلية خارج نطاق العمليات الأمنية والعسكرية، فبعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية نشطت حركات المقاومة الفلسطينية في إيلام تل أبيب بالمزيد من الضربات الأمنية والعمليات الاستشهادية.

وهو ما أدى في النهاية إلى اقتناع رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها أريئيل شارون بما يسمى "خطة فك الارتباط الأحادية" عن قطاع غزة، وبناء عليه تم تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة في أغسطس 2005، كما تم إخلاء بعض المستوطنات في مناطق شمال الضفة الغربية.

الدفاع الجوي متعدد الطبقات

عقب الخروج الإسرائيلي من قطاع غزة في عام 2005، وسيطرة حركة حماس على القطاع في عام 2007، اتجهت الاستراتيجية الوطنية الإسرائيلية إلى تعزيز القدرات الدفاعية الصاروخية الإسرائيلية لمواجهة صواريخ المقاومة الفلسطينية، حيث تم بناء العديد من منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية مثل معطف داوود والقبة الحديدية ونظام أرو 3، وكثفت إسرائيل تعاونها مع الولايات المتحدة من أجل تعزيز قدراتها في مجال الدفاع الجوي، وبنسبة كبيرة نجحت تل أبيب في تحييد صواريخ المقاومة الفلسطينية.

وبجانب استراتيجيات الدفاع الجوي متعدد الطبقات، لجأت أيضًا تل أبيب إلى سياسة الجدر العازلة من خلال بناء الجدار العازل في الضفة الغربية، فضلًا عن بناء الجدار الخرساني بالحدود مع قطاع غزة، وذلك لمنع تسلل الفلسطينيين إلى داخل المدن والمستوطنات الإسرائيلية.

الجيش الإسرائيلي 
الجيش الإسرائيلي 

ولم تكتفِ إسرائيل ببناء الجدر الخرسانية المسيجة والمزودة بكاميرات المراقبة وأجهزة الإنذار المبكر، حيث حرصت على بناء أسيجة بشرية على طول الحدود مع الضفة الغربية وقطاع غزة، فأغلب المستوطنات القريبة من غلاف غزة على سبيل المثال يقطنها التجمعات العربية في إسرائيل وأيضًا يهود الفلاشا، مما جعلهم بمثابة حائط صد بشري في مواجهة أية هجمات من المقاومة الفلسطينية.

حرب الإثني عشر يومًا 

في يونيو 2025 شنت تل أبيب ضربات قاصمة على مواقع البرنامج النووي الإيراني والمواقع العسكرية الإيرانية، بل أيضًا استهدفت كبار القادة الإيرانيين داخل مساكنهم الخاصة، الأمر الذي أثار إعجاب الجميع بمدى قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على الوصول إلى أدق التفاصيل حول المواقع الحيوية والهامة في إيران فضلًا عن مساكن القادة العسكريين الخاصة.

فور الضربة الجوية الأولى الإسرائيلية، انطلقت صاليات الصواريخ الباليستية الإيرانية رفقة المسيرات في اختراق الأجواء الإسرائيلية متجاوزة طبقات الدفاع الجوي الإسرائيلية، مستهدفة العديد من المساكن الإسرائيلية فضلًا عن استهداف معهد وايزمان للعلوم ومصفاة حيفا لتكرير البترول.

المقاومة الفلسطينية 
المقاومة الفلسطينية 

ونتيجة لفعالية أثر الصواريخ الباليستية الإيرانية واحتمالية أن تطال المزيد من المنشآت الإسرائيلية، تم وضع برنامج الصواريخ الإيرانية على طاولة المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. 

البط في ميدان الرماية

في مقالته المعنونة "البط في ميدان الرماية: غياب استراتيجية وطنية" المنشورة على موقع معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، انتقد د. شموئيل هارلاب عدم وجود استراتيجية إسرائيلية تتعامل مع الخطر الصاروخي الإيراني، مطالبًا القادة في إسرائيل بالعمل على تبني استراتيجية قومية جديدة تهدف إلى صياغة عقيدة حرب جديدة تمنع إيران من تحويل مواطني إسرائيل إلى أهداف سهلة، خاصة بعد استهداف طهران للمزيد من الأهداف المدنية خلال حرب الإثني عشر يومًا.

يمكن ملاحظة ثمة بوادر إسرائيلية في إعادة التفكير في مسألة الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة الأخطار الإيرانية من خلال خطوتين رئيسيتين، أولهما محاولة إزالة النظام السياسي الحالي في طهران من خلال دعم الثورات والاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في نهاية ديسمبر الماضي، وإعلان جهاز الموساد عن دعمه الشديد للتظاهرات، ودفع الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب إلى اتخاذ إجراءات أكثر قوة تجاه النظام الإيراني مثل التهديد الأمريكي بالتدخل المسلح في حال استخدام العنف ضد المتظاهرين.

الجيش الإسرائيلي 
الجيش الإسرائيلي 

أما الخطوة الثانية فتتمثل في إعادة التفكير حول المستقبل العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة، فالجانبان سبق أن وقعا على اتفاقية عسكرية في عام 2016 مدتها عشر سنوات تبدأ في عام 2018 وتنتهي في عام 2028.

وبناء على تلك الاتفاقية زودت واشنطن تل أبيب بمنحة عسكرية قدرها 38 مليار دولار تقريبًا في صورة مساعدات عسكرية لإسرائيل، ومع اقتراب نهاية مدة الاتفاقية العسكرية بين البلدين تحاول إسرائيل حاليًا عدم تجديد الاتفاقية بين الجانبين وتحويلها من اتفاقية منحة عسكرية إلى اتفاقية شراكة دفاعية بين الجانبين، تستفيد من خلالها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من تراكم الخبرات الأمريكية في مجالات الدفاع والتسليح، أي أن تل أبيب تحاول توطين الخبرات التصنيعية العسكرية الأمريكية في الداخل الإسرائيلي.

وختامًا:

 تتوقف الاستراتيجية الأمنية الجديدة الإسرائيلية في مواجهة إيران على ما ستؤول إليه المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأمريكا، إذ يدور تساؤل حول إمكانية نجاح الضغوط الأمريكية في تحييد الأخطار الناجمة عن البرنامج الصاروخي الإيراني، وفي حال الفشل في المفاوضات يدور تساؤل آخر حول مدى قدرة الدفاعات الجوية الإسرائيلية على مواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية، خاصة أن طهران تلوح باستخدام صواريخ جديدة لم يتم استخدامها بكثافة خلال الحرب الماضية مثل صواريخ خورمشهر ذات القدرات التدميرية الفائقة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء