غياب الفوازير في رمضان.. الأزمة في الفكرة أم «بخل الإنتاج»؟
اعتاد المصريين على الفوازير وكانت جز من طقوس رمضان، ولم تكن فقط مجرد فقرة ترفيهية، بل جزء من روتين المصريون ينتظرونها كل عام، وموعدًا يوميًا تجتمع حوله الأسرة قبل مدفع الإفطار أو بعده، وذلك منذ بدء الفوازير في الإذاعة مع الإذاعية آمال فهمي، ثم الطفرة في التليفزيون مع نيللي ثم شريهان، مرورًا بمحمد هنيدي ومدحت صالح ونادين، فالفوازير تعتبر ذاكرة بصرية وسمعية خاصة، جمعت بين الخيال الشعبي والبهرجة المسرحية، ورسخت لفكرة أن الفن يمكن أن يكون مسابقة ممتعة واحتفالًا ثقافيًا في آن واحد.
وفي السياق، قالت الفنانة وراقصة البالية نادين، إنها لا تستطيع الجزم بما إذا كانت أزمة فوازير رمضان الحالية تعود إلى مشكلة في الإنتاج أم إلى تراجع مستوى الكتابة، مؤكدة أنها ليست صاحبة القرار في انطلاق هذا المشروع أو توقفه حتى تحدد أسباب غيابه أو استمرار تعثره.
وأضافت نادين، لـ "إيجبتك"، أنها لا تملك تفسيرًا واضحًا لعدم استكمال هذا اللون الفني، موضحة أن الأمر يرتبط بإدارات معنية هي الأقدر على الإجابة عن أسباب اختفاء الفوازير من الخريطة الرمضانية.
خطة وزارة الثقافة
واختتمت حديثها، فيما يتعلق بإمكانية إدراج الفوازير ضمن خطط وزارة الثقافة مستقبلاً، قائلةً إن تغير القيادات بشكل متكرر يجعل من الصعب وجود رؤية ثابتة أو اهتمام مستدام بهذا النوع من الأعمال، لافتة إلى أنها لا ترى مؤشرات واضحة على اهتمام أحد بإعادة إحياء الفوازير.
غياب الفوازير
وقال الفنان الكبير محمد عبد الواحد، إن غياب الفوازير عن المشهد الرمضاني نتيجة غياب الفكرة التي تجذب الجمهور للمتابعة، ولابد من توافر المؤلف والمنتج الذي يكتب وينتج كلمات وأغاني واستعراض لـثلاثين حلقة، موضحًا أن هذا يعد تكلفة كبيرة، فضلًا عن الفنان الذي يستطيع أن يؤدي نفس أداء الفوازير سابقًا.
وأضاف عبد الواحد، أن مصر مليئة بالمواهب الشابة والمبدعين، ولكن الفكرة تكمن في من يكتشفهم، مشيرًا إلى أهمية دور قصور الثقافة في اكتشاف المواهب، مُشددًا على أهمية دور وزارة الثقافة قائلًا أن الثقافة لا تقتصر على فئة معينة من المجتمع، قديمًا كان الفلاح يزرع ويستمع إلى أم كلثوم "أغدًا ألقاك"، مشيرًا إلى أن غياب الثقافة أثر على الشباب لدرجة جعلتهم يقتدون بما يرون في الدراما وخير دليل على ذلك "مشهد الولد الذي جعله أصدقائه يرتدي بدلة رقص"، مؤكدًا على ضرورة محاسبة من كانوا قدوة في الدراما.
الفن والثقافة
وشدد على أن دور وزارة الثقافة الاهتمام بالشباب من كل قرى ونجوع مصر، موضحًا أن استعادة دور الفن تبدأ بإيمان حقيقي من الدولة بأهمية الثقافة، كما حدث في أعمال درامية وطنية حديثة مثل مسلسل الاختيار، موضحًا أن الدراما قادرة على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم أكثر من الخطب السياسية المباشرة.
وأردف أن مصر مليئة بالمواهب في مختلف المحافظات، لكن المشكلة تكمن في غياب منظومة حقيقية لاكتشاف هذه الطاقات ورعايتها، مطالبًا بإعادة تفعيل دور قصور الثقافة والجامعات في تبني الفائزين بالمسابقات الفنية وعدم الاكتفاء بمنحهم شهادات تقدير دون توفير فرص حقيقية لهم.
الدراما التليفزيونية
واستكمل وأن المشهد الفني يعاني من تكرار الوجوه نفسها، في حين يتم تجاهل طاقات شابة متميزة في المسرح والأقاليم، مشيرًا إلى أن عددًا من النجوم انطلقوا أساسًا من خشبة المسرح قبل أن يحصلوا على فرصتهم في الدراما التلفزيونية.
وتابع أن مسؤولية إصلاح المشهد الفني لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تمتد إلى الأسرة والإعلام، مؤكدًا أن ما يُعرض على الشاشة يسهم بشكل مباشر في تشكيل وعي الأطفال والشباب، وأن الجمهور بطبيعته يتفاعل مع العمل الجيد عندما يُقدَّم له بشكل محترم.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة إعادة تعريف مفهوم الثقافة باعتبارها حقًا لكل فئات المجتمع، وليست حكرًا على نخبة بعينها، مشددًا على أن الاستثمار الحقيقي في الفن هو استثمار في وعي الأجيال القادمة وصورة مصر الحضارية.
اختفاء الفوازير
قالت الناقدة الفنية الكبيرة ماجدة خير الله، إن اختفاء الفوازير في السنوات الأخيرة لا يعود إلى وجود حصار أو منع متعمد، وإنما إلى غياب الجهة الإنتاجية التي كانت تتحمس لهذا اللون الفني، موضحة أنه في الماضي كان هناك قطاع إنتاج تابع للتلفزيون الرسمي يهتم بتقديم الفوازير إلى جانب المسلسلات الدينية والتاريخية خلال شهر رمضان.
وأضافت خير الله، أن هذا القطاع كان يضع الفوازير ضمن خطة واضحة ومستمرة، وهو ما ساهم في ظهور نجمات كبيرات قدمن هذا الفن الاستعراضي بنجاح مثل نيللي وشريهان، مؤكدة أن الأمر لم يكن قائمًا على نجم واحد، بل على منظومة تفكر دائمًا في البدائل والتجديد.
فوازير رمضان
وأوضحت أنه عندما توقفت بعض النجمات، كانت هناك محاولات للبحث عن وجوه جديدة، مثل التفكير في تقديم الفوازير بأسماء أخرى، وهو ما يعكس وجود إدارة لديها رؤية، بعكس الوضع الحالي الذي يفتقد لهذا التخطيط، على حد قولها.
وتابعت أن التجارب لم تنقطع تمامًا، مشيرة إلى محاولة تقديم شكل قريب من الفوازير من خلال فوازير “أبيض وأسود” الذي عُرض على شبكة ART، وشارك فيه محمد هنيدي وعلاء ولي الدين، إلى جانب لوسي، مؤكدةً أن استمرار هذا النوع من الأعمال يحتاج إلى جهة إنتاج تؤمن به وتدعمه.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن وجود جهة إنتاج تتحمس لمثل هذه الأفكار كفيل بعودة الفوازير من جديد، مشددة على أن المواهب موجودة، سواء في الكتابة أو الأداء، لكن الأمر يتطلب قرارًا وإدارة ورؤية واضحة لإعادة إحياء هذا الفن.
طقوس رمضان
قالت الكاتبة الصحفية زينب الإمام، إن فوازير رمضان كانت طقسًا من طقوس رمضان ونموذجًا واضحًا لهذا الارتباط، إذ بدأت عبر الإذاعة ثم ازدهرت في التليفزيون، وتحولت إلى طقس يومي تنتظره الأسرة المصرية، يجمع بين الاستعراض والغناء والمسابقات والجوائز، ما جعلها جزءًا لا يتجزأ من أجواء الشهر الكريم.
وأضافت الإمام، أن تراجع الفوازير لا يرتبط فقط بغياب النجوم، بل أيضًا بغياب الفكرة والكاتب والموسيقى والإدارة التي تؤمن بأهمية هذا اللون الفني وتدعمه، مؤكدةً أن الفن لا يقوم على الاجتهاد الفردي فقط، بل يحتاج إلى منظومة إنتاجية تدرك قيمته وتعمل على استمراره.

