رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الضفة الغربية بعد غزة: سباق إسرائيلي لفرض السيادة الكاملة

تحركات المستوطنين
تحركات المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية

لم تهدأ التحركات الإسرائيلية من أجل السيطرة على الضفة الغربية، خاصة بعد انتهاء حرب غزة في أكتوبر الماضي، فالسلطات الإسرائيلية كانت تسابق الزمن من أجل فرض السيطرة التامة على الضفة الغربية عبر مسارين: أحدهما عسكري متمثل في العمليات العسكرية المطولة في الضفة، والتي ينتج عنها المزيد من الاعتقالات في وسط أبناء الضفة الغربية، وهدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في العديد من محافظات الضفة الغربية مثل جنين ونابلس.

أما المسار الثاني، وهو المسار القانوني، فمن خلال تسوية الأراضي في الضفة الغربية ونزع ملكيات الفلسطينيين وتحويل حوالي 15% من أراضي الضفة الغربية، خاصة المنطقة (ج)، إلى ما يسمى أراضي دولة، حتى يسهل الاستيلاء عليها في المستقبل وضمها إلى الأراضي الإسرائيلية، وبالتالي توسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتطبيق خطة اليمين الإسرائيلي الرامية إلى تهجير فلسطيني الضفة والاستيلاء على أراضيهم وإعلان السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش
وزير المالية بتسلئيل سموتريتش

كما أعلنت الحكومة الإسرائيلية في 15 فبراير 2026 عن موافقتها على مقترح بفتح عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، وذلك لأول مرة منذ عام 1967، وهو الأمر الذي يسهل على اليهود عملية شراء الأراضي، وذلك من خلال رفع السرية عن ملاك الأراضي الحقيقيين، حيث بات من المتاح لليهود التواصل الفعلي والمباشر مع الملاك الحقيقيين لتلك الأراضي والتفاوض عليهم من أجل شرائها، وهو ما يعد مخالفة لاتفاق الخليل عام 1997 بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل.

وسبق أن قدم هذا الاقتراح كل من وزير العدل ياريف ليفين، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، وسيسمح هذا بتجديد الاستيطان في الأراضي في الضفة الغربية.

عليات هاتكوما

التحركات الإسرائيلية الحالية في الضفة الغربية من أجل السيطرة عليها لا يمكن فصلها عما يسمى "عليات هاتكوما"، وهي الخطة الإسرائيلية المتعلقة بتسريع وتيرة الهجرة إلى إسرائيل من الدول التي تشهد تصاعدًا في موجات معاداة السامية ضد اليهود، خاصة الدول الغربية وأستراليا.

اليهود خارج إسرائيل 
اليهود خارج إسرائيل 

فمنذ اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023 فقدت إسرائيل رصيدها السياسي والثقافي في المجتمعات الغربية، حيث نجحت الآلة الإعلامية الفلسطينية رغم بساطتها في نقل الصورة الحقيقية للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، مما أدى في النهاية إلى تكون صورة سلبية عن إسرائيل وجيشها في المجتمع الغربي خلال الشهور الماضية، مما أدى إلى تصاعد موجات معاداة الصهيونية في تلك الدول، مترافقًا معها أيضًا موجات معاداة للسامية.

ونتج عن ذلك تعرض اليهود في مدينة مانشستر البريطانية في أكتوبر 2025 لحادث اعتداء، وفي ديسمبر من نفس العام تعرض بعض اليهود المحتفلين بعيد هانوكا العبري في مدينة بوندي الأسترالية لعملية إطلاق رصاص أدت إلى وفاة 15 شخصًا تقريبًا.

حادث شاطئ بوندي يعد الأبرز في حوادث معاداة السامية، إذ كان له بالغ الأثر في إيصال صورة لإسرائيل مفادها انعدام حالة التعاطف العالمي مع اليهود وقضاياهم نتيجة لما حدث في غزة خلال الحرب الماضية، وما يدل على ذلك الأجواء المتوترة التي رافقت زيارة الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ إلى أستراليا خلال الشهر الجاري، حيث طالبت العديد من الأحزاب والقوى المدنية الأسترالية، ومنها جمعيات يهودية، بضرورة اعتقال الرئيس هرتسوغ على خلفية الجرائم في قطاع غزة.

وزير الدفاع يسرائيل كاتس
وزير الدفاع يسرائيل كاتس

هل نشهد موجات هجرة كبيرة؟

مما سبق يتضح أن الإجراءات الدائرة حاليًا في الضفة الغربية من عملية تسوية الأراضي والاستيلاء تدخل ضمن خطة إسرائيلية كبرى أعدتها قوى اليمين، تتضمن توسيع المقدرات الإسرائيلية من أجل استضافة المزيد من المهاجرين الجدد.

فعليًا تتصاعد موجات معاداة السامية في الدول الغربية، إلا أنه في الحقيقة أن منبع معاداة السامية في الدول الغربية ليس نابعًا في الأساس من تحركات المنظمات المؤيدة للحق الفلسطيني والمنددة بالجرائم الإسرائيلية، بل نابعة في الأساس من جماعات اليمين المتطرف الأوروبي، الذي يعد امتدادًا تاريخيًا للجماعات اليمينية التي نشأت قبيل الحرب العالمية الثانية مثل الحزب الفاشي الإيطالي والحزب النازي الألماني.

وبالفعل لا تخفى تلك الجماعات المؤيدة لليمين المتطرف عداءها لليهود وإسرائيل، فعلى سبيل المثال أنصار اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري الأمريكي مثل تاكر كارلسون ونيك فوينتس لا يتورعون في إظهار عدائهم لليهود وإسرائيل، مطالبين بلادهم بضرورة فك الارتباط الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل.

اليهود خارج إسرائيل
اليهود خارج إسرائيل

وإزاء تصاعد موجات العداء للسامية خرجت العديد من التصريحات الإسرائيلية الرسمية الرامية إلى تسريع وتيرة الهجرة إلى إسرائيل، فعلى سبيل المثال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، عقب مجزرة بوندي، صرح بأن "اليوم، يضطهد اليهود في جميع أنحاء العالم"، داعيًا جميع اليهود في أستراليا وبريطانيا وفرنسا وكندا وبلجيكا إلى العودة إلى ديارهم في إسرائيل، كما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل هي المكان الوحيد الذي يشعر فيه اليهود بالأمان.

وبناء على ذلك أعدت الحكومة الإسرائيلية خطة طارئة تسمى "عليات هاتكوما" بهدف تسريع وتيرة الهجرات اليهودية إلى إسرائيل، أو بالأحرى الأراضي الفلسطينية المسيطر عليها حديثًا من الضفة الغربية، حيث تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى استيعاب 30 ألف مهاجر إلى إسرائيل خلال عام 2026 بعد أن كان متوسط عدد المهاجرين حوالي 10 آلاف مهاجر كل عام.

وزير العدل ياريف ليفين
وزير العدل ياريف ليفين

هل يستجيب يهود الشتات لدعوات الهجرة؟

يدور تساؤل حول مدى استجابة يهود الشتات إلى دعوات الهجرة إلى إسرائيل، وبمقارنة أرقام المهاجرين خلال العام الماضي نجد أنها لا تتجاوز 10 آلاف مهاجر، وهو رقم متوسط بسيط للغاية لا يتم مقارنته بأعوام 1991، 1992 على سبيل المثال حين استوعبت إسرائيل مئات الآلاف من المهاجرين اليهود الروس من دول الاتحاد السوفيتي السابقة، ولا حتى بموجات الهجرة اليهودية التي اندلعت قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، والتي كانت السبب في إنشاء الدولة الإسرائيلية عام 1948.

رغم تصاعد موجات معاداة السامية في أوروبا وأمريكا وأستراليا، إلا أنه ثمة مخاوف تهدد مصير الخطط الإسرائيلية الرامية إلى السيطرة على الضفة الغربية وتوطين يهود الشتات بها، منها على سبيل المثال:

أولًا: المخاوف الاقتصادية

 تعد المخاوف الاقتصادية من أبرز المخاوف التي تواجه يهود الشتات، وهو ما يدفع هؤلاء للتردد في قبول عروض الهجرة، ليس اليوم فقط بل أيضًا في الحقب السابقة. فعلى سبيل المثال انتشرت موجات الهجرة في أوساط التجمعات اليهودية الفقيرة في شرق أوروبا وروسيا قبيل الحرب العالمية الثانية، فيما قلت موجات الهجرة من يهود الولايات المتحدة رغم كونها تحتضن أكبر الجاليات اليهودية في الغرب، ويرجع ذلك إلى حالة الاستقرار الاقتصادي لليهود في تلك الدول فضلًا عن حصولهم على وظائف أكثر تميزًا ورقيًا، وبالتالي لن يستطيعوا تعويضها في حال انتقالهم إلى إسرائيل.

العدوان على غزة 
العدوان على غزة 

ثانيًا: المخاوف الأمنية

 يدعي نتنياهو بأن إسرائيل أكثر أمانًا لليهود في العالم، إلا أنه في الحقيقة ساهمت أحداث 7 أكتوبر وحرب الاثني عشر يومًا مع إيران، والتي خلالها استقبلت تل أبيب وحيفا ما يقارب 500 صاروخ إيراني، في انقلاب موجات الهجرات اليهودية. فبعد أن كانت إسرائيل مقصدًا ليهود الشتات باتت طاردة لليهود، فخلال عامي الحرب هاجر نحو 80 ألف يهودي لخارج إسرائيل، كما أن 15% من اليهود الذين وفدوا إلى إسرائيل خلال الفترة 2019 وحتى 2023 كمهاجرين غادروا إسرائيل نهائيًا، وهو ما عبر عنه عوديد فورر رئيس لجنة الهجرة بالكنيست بأنه رغم العروض المغرية للهجرة إلى إسرائيل إلا أن عدد المهاجرين الجدد من الدول الغربية أقل من المتوقع.

وختامًا:

 لا يبدو أن التحركات الإسرائيلية الحالية في الضفة الغربية ستؤتي ثمارها في الوقت القريب من تسريع وتيرة الهجرات اليهودية إلى إسرائيل، فلا تزال هناك مخاوف أمنية واقتصادية تدفع يهود الشتات في الغرب بعيدًا عن إسرائيل، كما أنه من المحتمل أيضًا أن تسهم الإجراءات الأخيرة في دفع يهود الشتات بعيدًا عن إسرائيل. فالموجات الاستيطانية القادمة قد تفجر الأوضاع الأمنية مرة أخرى في الضفة الغربية، الأمر الذي سيساهم مستقبلًا في عدم الاستقرار الأمني في إسرائيل، وبالتالي توفير ذريعة قوية أمام يهود الشتات لعدم المجيء لإسرائيل، كما أنه سيعد ذريعة قوية للهجرة المضادة من الداخل الإسرائيلي إلى الخارج.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء