الموقف التركي من الأزمة الإيرانية: براجماتية الأمن القومي في زمن الانفجار
لا تزال منطقة الشرق الأوسط في حالة ترقب شديد لما ستؤول إليه الأمور في الأزمة الإيرانية الراهنة، والتي اندلعت أحداثها في نهاية ديسمبر الماضي، حين انتشرت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية في معظم المحافظات الإيرانية ردًّا على تدني الأحوال المعيشية وانهيار قيمة العملة الإيرانية.
واكبت التظاهرات والاحتجاجات الإيرانية حالة من العنف والعنف المضاد، الأمر الذي وفر ذريعة للولايات المتحدة للتدخل في الشأن الإيراني. ففي مطلع يناير 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه توجيه ضربة عسكرية للنظام الإيراني، والتي قد تصل إلى حد اقتلاعه في حال استخدام العنف ضد المعارضين وتنفيذ عمليات إعدام ميدانية في البلاد.
كان من المفترض أن يتم توجيه الضربة الأمريكية في ليلة السادس عشر من يناير الماضي، إلا أن واشنطن تراجعت في اللحظات الأخيرة لتفسح المجال أمام المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين في مسقط، عاصمة سلطنة عمان، والتي من المحتمل تناولها للعديد من القضايا الشائكة بين الجانبين مثل البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي الباليستي، ودعم إيران للعديد من المنظمات خارج البلاد مثل حزب الله وجماعة الحوثي، وأخيرًا الأوضاع الداخلية في إيران.

رغم محاولات الوساطة غير المباشرة، إلا أن نذر الحرب ما زالت في مراحل متقدمة للغاية، خاصة بعد الأنباء المتداولة عن اكتظاظ بحر العرب والخليج العربي بالعديد من القطع البحرية الأمريكية وحاملات الطائرات، والتي قد يكون لها دور كبير في حال انهيار المفاوضات واتجاه واشنطن إلى شن غارات جوية ضد النظام الإيراني.
بات من المهم قراءة ردود الفعل الإقليمية في حال اتجاه الولايات المتحدة إلى شن حرب ضد النظام الإيراني، والنتائج المترتبة على تلك الحرب المحتملة. وفي هذا المقام ينبغي أولًا التطرق إلى الموقف التركي الرسمي للأحداث الجارية في إيران، خاصة أن أنقرة سبق أن عرضت استضافة مدينة إسطنبول للمحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة.
الأمن القومي التركي
امتلكت تركيا وإيران تاريخًا متوترًا حدوديًا منذ الإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية، حيث تم توثيق العديد من الاشتباكات التاريخية بينهما في القرن الخامس عشر. وتمتلك الدولتان حدودًا طويلة معقدة تاريخيًا، تنتشر فيها العديد من الجماعات الكردية المتمردة على الجانبين.
لذا تعد عملية استقرار إيران ليست مجرد سياسة خارجية، لكنها أيضًا عنصر أساسي في الأمن القومي الداخلي، وله تداعيات مباشرة سواء على الاقتصاد التركي أو الاستقرار في الداخل التركي. فبحكم الحدود الطويلة مع إيران، تنظر أنقرة إلى أية اضطرابات كبيرة في طهران على أنها تهديد محتمل الأبعاد، حيث تدرس أنقرة حاليًا العديد من الاضطرابات الناشئة حول تفاقم الأزمة الإيرانية مثل الهجرات وطلبات اللجوء، فضلًا عن الاضطرابات المحتملة في أسواق التجارة والطاقة، فضلًا عن ارتداد ذلك على نفوذ الجماعات الانفصالية الكردية التي تنتشر على الحدود المشتركة بين البلدين.
لذا، رغم حالة التنافس الجيوسياسي بين البلدين، فضلًا عن الانقسام السني الشيعي، تحاول أنقرة حاليًا الحفاظ على الوضع الراهن في إيران خشية انهيار الحكم الإيراني. حيث أثارت الاحتجاجات الإيرانية حالة تأهب غير مسبوقة في أنقرة، حيث دارت تساؤلات حول الموقف الذي يجب أن تتخذه تركيا إزاء الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة.

الموقف الرسمي التركي
نظرًا لخطورة الموقف في إيران وتأثيراته المحتملة على الأمن القومي التركي، تبنى العديد من المسؤولين في أنقرة مواقف سياسية مشابهة للموقف الرسمي الإيراني، ووصلت بعض المواقف التركية إلى حافة التأييد الرسمي للنظام الإيراني، حيث تم تشبيه الاحتجاجات الإيرانية على أنها مؤامرة إمبريالية غربية مدفوعة من أعداء إيران مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، تستهدف تقويض أسس النظام الإيراني.
فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان سبق أن صرح في 19 يناير الماضي، أي بعد إلغاء الضربة الأمريكية، بأن الاحتجاجات تستهدف السلم والاستقرار الاجتماعيين، وأكد معارضته لأية محاولات من شأنها جر المنطقة إلى حالة من عدم اليقين، مؤكدًا ثقته في النظام الإيراني على تجاوز تلك المرحلة العصيبة.
كما عزز وزير الخارجية هاكان فيدان من الموقف الرسمي حين قال إن إسرائيل تبحث عن فرصة لمهاجمة إيران، وأن مثل هذا التدخل سيغرق منطقة الشرق الأوسط بأكملها في فوضى لا رجعة فيها.

والموقف المؤيد للنظام الإيراني لم يقتصر فقط على الحكومة، بل امتد أيضًا للأحزاب الكبرى في النظام السياسي التركي. فمثلًا، حزب الحركة القومية التركي بقيادة دولت بهجلي كان له نفس الموقف، إذ صرح في 13 يناير بأن الاحتجاجات في إيران تشبه احتجاجات جيزي، وهي احتجاجات اندلعت في إسطنبول عام 2013، والتي توصف في تركيا على أنها احتجاجات إمبريالية مدفوعة من قبل أجهزة استخبارات أجنبية. كما أثنى بهجلي على دور الأقلية التركية في إيران والتي لم تنخرط في الاحتجاجات.
التداعيات الإيرانية على الأمن القومي التركي
تنظر أنقرة بعين قلقة ومتوجسة لما ستؤول إليه الأمور بين طهران وواشنطن خلال الأيام القليلة القادمة، فأنقرة بدأت تعد نفسها لمواجهة أزمات متصاعدة على مختلف المستويات في حال فشل المفاوضات غير المباشرة واللجوء إلى حل الحرب وإسقاط النظام. ومن أبرز تلك الأزمات التي قد تنشأ في حال إسقاط النظام السياسي في إيران:
أولًا: الاستقلال الكرد
ينتشر الأكراد في المنطقة الشمالية الإيرانية، وقد يؤدي الفراغ الأمني والسياسي في طهران إلى إعلان الأكراد في شمال إيران إقامة دولتهم التي ينادون بها، على غرار التجربة الكردية السورية التي دفعت تركيا إلى شن العديد من العمليات العسكرية في شمال سوريا منذ عام 2018. وتنظر تركيا حاليًا إلى حزب الحياة الكردستاني الإيراني على أنه امتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا، لذا فإن انهيار النظام الإيراني سيحول المناطق الشمالية الإيرانية إلى منطقة دعم لوجستي للتوجهات الانفصالية الكردية سواء في تركيا أو سوريا.

ثانيًا: أزمة اللاجئين المحتملة
فور اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، شكلت تركيا أكبر حاضنة للاجئين على مستوى العالم، إذ استقبلت حوالي 2.3 مليون لاجئ سوري، ومن المحتمل أن هذا الرقم سيتضاعف في حال انهيار الأوضاع في إيران.
وتاريخيًا لعبت طهران دور الحاجز المنيع أمام تدفقات اللاجئين من دول وسط آسيا إلى تركيا، حيث باكستان وأفغانستان. فإيران حاليًا تستضيف حوالي 3.8 مليون لاجئ أفغاني، وهو في انتظار تدهور الأوضاع لأجل الانتقال غربًا باتجاه تركيا ومنها إلى دول الاتحاد الأوروبي، لذا فإن انهيار النظام الإيراني سيشكل حالة سيولة كبيرة في موجات اللاجئين ليس فقط من الإيرانيين، بل أيضًا من باكستان وأفغانستان.
ثالثًا: أمن الطاقة
تزود طهران جارتها أنقرة بحوالي 10% من استهلاكها من الغاز الطبيعي، لذا فالنظام التركي قد يجد نفسه في مآزق في حال وقف امتدادات الغاز الإيراني، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع في أسعار الكهرباء في تركيا، مما يؤدي إلى تزايد الغضب الشعبي.
رابعًا: التبادل التجاري
من الأمور الأخرى التي تخشاها تركيا هو انهيار التبادل التجاري بين البلدين، والذي يبلغ 5.7 مليار دولار لصالح تركيا، وذلك في حال انهيار الأوضاع في إيران، والتي تعد جسرًا بريًا لتركيا في الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى.
تميل تركيا إلى تفضيل الوضع الراهن في طهران على حالة عدم اليقين المصاحبة لتغيير النظام بالعنف، نظرًا للمخاوف العميقة بشأن التداعيات الاقتصادية والأمنية المباشرة على تركيا.
ختامًا:
لا يمكن فصل الموقف التركي من الأزمة الإيرانية عن اعتبارات الأمن القومي التركي المباشرة، والتي تتجاوز حدود السياسة الخارجية إلى ملفات أكثر حساسية تتعلق باللاجئين، والطاقة، واستقرار الحدود، والهاجس الكردي المزمن. فأنقرة، رغم تنافسها التقليدي مع طهران واختلافها معها في العديد من الملفات الإقليمية، تبدو اليوم أقرب إلى تبني خيار “الاستقرار القسري” داخل إيران، خشية أن يقود انهيار النظام إلى فراغ أمني واسع ينعكس فورًا على الداخل التركي.
وبينما تظل احتمالات الحرب قائمة في ظل التصعيد الأمريكي وتكدس القطع البحرية في الخليج وبحر العرب، فإن تركيا تتحرك وفق منطق إدارة المخاطر لا منطق الاصطفاف السياسي، وهو ما يفسر لهجتها المتحفظة، ومحاولاتها الدفع نحو المفاوضات غير المباشرة. وفي جميع الأحوال، فإن الأيام المقبلة ستحدد ما إذا كانت أنقرة قادرة على حماية مصالحها في ظل أزمة قد تعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي، أو أنها ستجد نفسها أمام موجة اضطرابات جديدة تتجاوز قدرتها على الاحتواء.
محمد الدابولي*



