رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أزمة التمويل تهدد الاستقرار: قوات حفظ السلام تواجه شبح الفشل المالي

قوات الأميصوم- أرشيفية
قوات الأميصوم- أرشيفية

يعيش الصومال في إقليم مضطرب أمنيًا، فلا تزال نذر الحرب تتصاعد بين إريتريا وإثيوبيا على خلفية اتهامات وجهتها أديس أبابا إلى أسمرة بالتدخل عسكريًا في شؤونها الداخلية، وفي المقابل تتهم إريتريا جارتها إثيوبيا بدعم وتمويل العديد من الجماعات المتمردة في إريتريا.

وعلى جانب آخر، تعيش أوغندا حالة من الاضطراب السياسي خاصة بعد الانتخابات الأخيرة وما واكبها من توقعات باندلاع حالة من الانفلات الأمني على خلفية حالة الانسداد السياسي والأمني في البلاد، بعد نجاح يوري موسيفني في الانتخابات التي جرت في منتصف يناير 2026. فيما تعيش المنطقة المجاورة، منطقة البحيرات العظمى، حالة حرب مستمرة في إقليم شرق الكونغو، وتدخل العديد من الدول الإقليمية مثل أوغندا ورواندا وبروندي في الصراع الدائر في منطقة كيفو شرق الكونغو.

قوات الأميصوم- أرشيفية 
قوات الأميصوم- أرشيفية 

وفي إطار الإقليم المضطرب أمنيًا، يعيش الصومال منذ عقدين من الزمان حالة من الانفلات الأمني على خلفية تنامي قدرات التنظيمات الإرهابية مثل حركة شباب المجاهدين، بالإضافة إلى تنظيم داعش في الصومال، خاصة في إقليم بونتلاند. وإزاء حالة الاضطراب الأمني في الصومال منذ عقدين، دفع الاتحاد الأفريقي ببعثة حفظ سلام في الصومال "الأميصوم" في عام 2007 واستمرت تلك البعثة حتى عام 2022.

نجحت بعثة الأميصوم، التي تشكلت فور الإطاحة بحكم المحاكم الإسلامية، في استعادة السيطرة على معظم الأراضي الصومالية وتحجيم نفوذ الحركات الإرهابية مثل حركة شباب المجاهدين إلى حد ما، إلا أن البعثة واجهت مشكلات تمويلية أدت في النهاية إلى إيقاف تمويلها، مما أدى إلى إنهاء عمل الأميصوم عام 2022، ومنذ ذلك العام يتم التجديد للبعثة عامًا بعد عام.

في إبريل 2022، وافق مجلس الأمن الدولي على إنهاء بعثة الأميصوم وتشكيل بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال "أتميس"، والتي كان من المفترض أن تنتهي ولايتها في 31 ديسمبر 2024، وبعدها سيتم نشر بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال، والتي كان من المفترض أن تبدأ مهامها في 1 يناير 2025.

عانت بعثة "أتميس" من حالة الفشل في أداء مهامها بسبب ضعف التمويل المقدم لتلك البعثة خلال السنوات الماضية، ومن المحتمل أن تواجه البعثة الجديدة "الأوصوم" نفس المصير الذي واجهته بعثتا الأتميس والأميصوم اللتان عانتا من قلة التمويل.

قوات الأميصوم- أرشيفية 
قوات الأميصوم- أرشيفية 

خيبة أمل كبيرة

أعلنت مصر أنها ستشارك في بعثة الأوصوم في نهاية عام 2024، إلا أن القاهرة حذرت من احتمال فشل تلك البعثة في حال عدم توفير التمويل اللازم. فبعد عامين من المفاوضات في أروقة الأمم المتحدة حول تمويل بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار "الأوصوم"، لم تصل تلك المفاوضات إلى حل نهائي لأزمة التمويل الخاصة بالبعثة، مما يعني مواجهتها لعجز تمويلي شديد.

سبق أن تأكدت الأمم المتحدة من وجود عجز تمويلي للبعثة خلال استضافة فعاليات في سبتمبر 2025 بشأن تمويل البعثة، إلا أنها لم تصل إلى أية استجابات في هذا الشأن.

تدخل مجلس الأمن

إزاء حالة الفشل في جمع وتوفير التمويل اللازم لبعثة الأوصوم، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 2809 في 23 ديسمبر 2025، حيث دعا الاتحاد الإفريقي إلى تقديم خطط محدثة بشأن نقص التمويل وتفسير ذلك النقص، أي أن مجلس الأمن ألقي باللوم على الاتحاد الإفريقي في فشله في تدبير التمويل اللازم لعملية الأوصوم.

تشير تقديرات الاتحاد الإفريقي إلى أن بعثة الأوصوم تحتاج إلى 196 مليون دولار سنويًا، معظمها يذهب إلى تغطية رواتب الجنود، حيث يتقاضى كل جندي ما يقارب ألف دولار شهريًا. سبق أن غطى الاتحاد الأوروبي تكاليف تلك العملية في عام 2025، إلا أنه مؤخراً أعلن عن نيته تخفيض مساهمته، مشيراً إلى انعدام فعالية الاتحاد الإفريقي، فضلاً عن تركيز الدول الأوروبية على مسألة الأمن الأوروبي في الفترة الأخيرة.

قوات الأميصوم- أرشيفية 
قوات الأميصوم- أرشيفية 

تدخل أمريكي

ساهمت الولايات المتحدة في تعزيز وتعقيد أزمة تمويل بعثة الأوصوم، فسابقًا نجح الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والدول الإفريقية الأعضاء في مجلس الأمن في استصدار القرار رقم 2719 لسنة 2023، والذي يرمي إلى مساهمة الأمم المتحدة في 75% من عملية التمويل، إلا أن مواقف الولايات المتحدة حالت دون تبني الأمم المتحدة عملية التمويل وتعقد الأمر بصورة كبيرة مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025.

وإزاء ذلك، تعهد الاتحاد الإفريقي في سبتمبر 2025 بدفع 20 مليون دولار من ميزانية البعثة، فيما تعهدت المملكة المتحدة بدفع 22 مليون دولار من ميزانية البعثة، فيما تبددت الآمال التي كانت معلقة على دول الخليج العربي، وفي مقدمتهم قطر، في المساهمة في تمويل البعثة الأممية. لذا، فإن التعهدات الحالية لم تتجاوز حاجز 48 مليون دولار من أصل 196 مليون دولار.

ويعقد الصوماليون الأمل حاليًا على دور الاتحاد الإفريقي، الذي من المفترض خلال الأيام القادمة الإعلان عن حزمة مساعداته ومساهماته في تمويل بعثة الأوصوم، حيث خصص الاتحاد الأوروبي مبلغ 60 مليون دولار كمساعدات إلى الصومال، إلا أنه لم يعلن الجزء المخصص لبعثة الأوصوم، حيث أن جزءاً من المنحة الأوروبية سيذهب مباشرة إلى الحكومة والجيش الصومالي.

تداعيات نقص التمويل على الوضع في الصومال

من المؤكد أن تراجع التمويل لعملية الأوصوم في الصومال له العديد من التداعيات السلبية على الأمن والاستقرار، منها على سبيل المثال:

أولًا: تزايد اعتماد الصومال على الاتفاقات العسكرية الثنائية

 سيؤدي نقص تمويل بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال إلى اعتماد الحكومة الفيدرالية الصومالية على الاتفاقيات الثنائية مع دول الجوار من أجل نشر قواتها في الداخل الصومالي، مثل عملية انتشار الجيشين الإثيوبي والكيني.

قوات الأميصوم- أرشيفية 
قوات الأميصوم- أرشيفية 

ثانيًًا: تأخر نشر القوات المصرية

 تعهدت القاهرة في السابق بنشر عشرة آلاف جندي في الصومال، وتحديدًا في منطقة شبيلي الوسطى، إلا أن نقص التمويل سيؤدي في النهاية إلى عدم نشر القوات المصرية، خاصة بعد اقتراب انسحاب القوات البروندية من تلك المنطقة، مما سيؤدي إلى انهيار الأمن فيها.

ثالثًا: تزايد نشاط حركة الشباب

 كان من المفترض نشر القوات المصرية في ولاية شبيلي الوسطى التي تشهد نشاطًا ملحوظًا لحركة شباب المجاهدين، لذا من المحتمل أنه فور انسحاب القوات البروندية وعدم نشر القوات المصرية، سيؤدي ذلك إلى سيطرة حركة الشباب على تلك المنطقة.

قوات الأميصوم- أرشيفية  
قوات الأميصوم- أرشيفية  

رابعًا: تعزيز النفوذ الإقليمي في الصومال

سيؤدي التعاون العسكري الثنائي بين الصومال وبعض الدول الإقليمية مثل إثيوبيا وكينيا وتركيا أيضاً إلى تعزيز نفوذ تلك الدول في الصومال. فعلى سبيل المثال، تتلقى قوات تلك الدول أوامرها مباشرة من قيادتها العسكرية في عواصمها، وغالباً ما تتحرك تلك القوات ليس وفق المصالح الصومالية، بل وفق مصالح تلك الدول في الداخل الصومالي.

ختامًا:

يبقى الوضع في الصومال مرهوناً بالقدرة على تأمين التمويل اللازم لبعثة الأوصوم، فغياب هذا الدعم المالي يهدد بعودة حالة الفوضى التي سادت لعقدين من الزمن، ويترك الفرصة سانحة للجماعات الإرهابية مثل حركة شباب المجاهدين لتوسيع نفوذها، خصوصاً في مناطق مثل شبيلي الوسطى. كما أن الاعتماد المتزايد على الاتفاقيات العسكرية الثنائية يعزز النفوذ الإقليمي لدول الجوار على حساب سيادة الصومال، ما يحول البلاد إلى ساحة لصراعات خارجية تمس الأمن والاستقرار الداخلي.

قوات الأميصوم- أرشيفية 
قوات الأميصوم- أرشيفية 

وفي ضوء ضعف التمويل والالتزامات الدولية المتقطعة، يواجه الاتحاد الأفريقي تحدياً مزدوجاً: إدارة البعثة في الميدان مع ضمان بقاء الدعم المالي مستمراً، وفي الوقت ذاته، الحفاظ على مصداقية المؤسسة الدولية في التعامل مع الأزمات الأمنية. لذلك، فإن مستقبل بعثة الأوصوم لن يحدد فقط مصير الاستقرار في الصومال، بل سيكون مؤشراً حقيقياً على قدرة المجتمع الدولي على فرض إصلاحات ملموسة وتحقيق الأمن في مناطق النزاع، وتحويل المبادرات الدولية من شعارات إلى واقع ملموس على الأرض.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء