رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سياسة ملء الفراغ: كيف تمددت تركيا داخل العمق الإفريقي؟

النفوذ التركي في
النفوذ التركي في إفريقيا - أرشيفية

على مدار التاريخ شكّلت القارة الإفريقية ميدانًا للتنافس الاستعماري بين القوى الأوروبية المختلفة، وعقب استقلال الدول الإفريقية في بداية عقد الستينيات بدأت القوى الكبرى في استقطاب الدول الإفريقية، حتى تشرذمت القارة ما بين دول مؤيدة للغرب والولايات المتحدة، وبين دول مؤيدة للكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي.

وعقب انتهاء مرحلة الحرب الباردة، تمت إعادة تموضع الدول الكبرى في الداخل الإفريقي، إذ سعت معظم الدول الكبرى إلى امتلاك نفوذ قوي داخل الدول الإفريقية، في الوقت الذي تراجع فيه النفوذ الأمريكي في القارة الأفريقية، ومن أبرز تلك القوى الصين التي رسخت وجودها في أفريقيا عبر شبكة معقدة من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية.

النفوذ التركي في إفريقيا 
النفوذ التركي في إفريقيا 

وفي مرحلة لاحقة تكالبت القوى الإقليمية الصاعدة والناشئة من أجل إيجاد موطئ قدم لها في القارة الإفريقية مثل تركيا وإيران ودول الخليج العربي؛ فالأولى على سبيل المثال اتخذت من سياسة المساعدات الإنسانية مدخلًا للولوج إلى الدهاليز الإفريقية، حتى باتت أهم شريك عسكري واقتصادي للعديد من الدول الإفريقية، أما الثانية فلعبت على وتر نشر دعوتها وثورتها في الأوساط الإفريقية، حتى نجحت في إنشاء مجتمعات إفريقية موالية لها سياسيًا ومذهبيًا، مثل أتباع الداعية الشيعي إبراهيم الزكزاكي في نيجيريا، والذي يقدر تعدادهم بعشرات الملايين في البلاد حاليًا، أما المجموعة الثالثة فانطلقت معتمدة على استثماراتها وتمويلها للعديد من المشروعات الخدمية في القارة الإفريقية، خاصة في الصومال وإثيوبيا.

تعميق النفوذ التركي

يبدو أن تركيا أكثر القوى الإقليمية جدية في تعزيز نفوذها وتواجدها في إفريقيا، إذ قررت مؤخرًا زحزحة نفوذها التقليدي من شرق إفريقيا، وتحديدًا الصومال، واستكشاف مناطق نفوذ جديدة لها في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، مستغلة حالة الفراغ السياسي الذي سببه الانسحاب الفرنسي والأمريكي من منطقة الساحل خلال عامي 2023 و2024، على خلفية اتجاه دول الساحل إلى تصفية الميراث الاستعماري في تلك الدول.

النفوذ التركي في إفريقيا 
النفوذ التركي في إفريقيا 

كما تحاول التغلغل في مناطق الساحل استغلالًا لحالة التخبط والفشل الروسي في ملء الفراغ الفرنسي، فرغم كون موسكو حاليًا هي الشريك الأمني والعسكري لدول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينافاسو، إلا أن الفيلق الأفريقي الروسي "فاجنر سابقًا" ارتكب العديد من الجرائم والمجازر الإنسانية في العديد من دول الساحل مثل مالي، مما أدى إلى وضع حكومات تلك الدول في مآزق سياسية، كما انكشف الدعم الروسي للحكومات الأفريقية مؤخرًا، خاصة بعد حصار العاصمة المالية باماكو من قبل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ولم تحاول موسكو فك الحصار عن حلفائها العسكريين في مالي.

موريتانيا نقطة انطلاق جديدة

في عام 2011، ومع موجة الجفاف والمجاعة التي ضربت الصومال في تلك الفترة وزيادة نشاط حركة شباب المجاهدين في الداخل الصومالي، رأت القيادة التركية في ذلك التوقيت الفرصة المناسبة لتعزيز تواجدها في أفريقيا عبر تعهدها بإرسال مساعدات إغاثية قدرها 200 مليون دولار للصومال وتدريب قوات الشرطة والأمن الصومالي، واختتمت أنقرة حزمة سياساتها في ذلك الوقت بزيارة تاريخية لرئيس الوزراء حينها رجب طيب أردوغان إلى الصومال.

النفوذ التركي في إفريقيا 
النفوذ التركي في إفريقيا 

حاليًا تحاول تركيا إيجاد موطئ قدم جديد لها في غرب إفريقيا يكون بمثابة نقطة انطلاق تجاه دول غرب أفريقيا، وقد وجدت ضالتها في العاصمة الموريتانية نواكشوط، التي حظيت مؤخرًا بتمثيل دبلوماسي تركي على أعلى مستوى، حيث تم تعيين الدبلوماسي التركي المخضرم برهان كور أوغلو سفيرًا لبلاده في نواكشوط.

يعد برهان كور أوغلو من أبرز العناصر الدبلوماسية التركية التي تعتمد عليها أنقرة في ترسيخ تواجدها السياسي والدبلوماسي في أي منطقة، فعلى سبيل المثال تم تعيينه في السابق قائمًا بالأعمال التركية في دمشق فور سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، وتحديدًا بعد خمسة أيام فقط من اعتلاء أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام السلطة في دمشق.

لذا يعد إعادة تعيين أوغلو في نواكشوط بمثابة مهمة جديدة له في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، واستهل أوغلو الذي يجيد اللغة العربية نشاطه بلقاء تلفزيوني مع قناة الجزيرة القطرية يوم 9 فبراير 2026، حرص فيه على توضيح وإيجاز الاستراتيجية التركية تجاه القارة الأفريقية، والتي تعتمد بشكل كبير على الترويج لمنظومة التصنيع العسكري التركية، خاصة في مجالات الطائرات المسيرة ومنظومات الدفاع الجوي، حيث تعهدت تركيا بتقديم العديد من منظومات التسليح والتدريب العسكري والشرطي إلى دول الساحل الأفريقي، وفي مقدمتها دولة موريتانيا.

المسيرات التركية خيار جذاب للدول الإفريقية

تعد الطائرات المسيرة التركية خيارًا فعالًا وجذابًا للعديد من الجيوش الأفريقية؛ فهي من ناحية رخيصة الثمن بالمقارنة بالطائرات المقاتلة، كما أن تكلفة تشغيلها منخفضة للغاية بالمقارنة أيضًا بتكلفة تشغيل المقاتلات، كما أنها تؤدي تقريبًا نفس الدور الذي تقوم به المقاتلات والمروحيات المقاتلة.

النفوذ التركي في إفريقيا 
النفوذ التركي في إفريقيا 

ونتيجة لما سبق باتت شركة بايكار التركية للأسلحة، المتخصصة في إنتاج الطائرات المسيرة من نوع "بيرقدار"، تضم العديد من العملاء الأفريقيين، وذلك وفق معلومات منتدى الدفاع الأفريقي الذي أكد أن دولًا مثل أنجولا وبوركينافاسو وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا ومالي والمغرب والنيجر ونيجيريا والصومال وتوغو وتونس باتت تستخدم المسيرات التركية على نطاق واسع في العديد من مناطق النزاع لديها.

ولتعزيز التواجد العسكري التركي في غرب إفريقيا، أنشأت شركة بايكار التركية في نوفمبر 2025 مشروعًا لبناء مصنع يقوم بتصنيع وصيانة الطائرات المسيرة التركية من طراز بيرقدار TB2 وط

ائرة أكنجي الأكثر تطورًا، وذلك في مدينة بنسليمان في المغرب، وذلك من أجل تعزيز استراتيجية تركيا للتمدد في إفريقيا في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

السيطرة على الموانئ الإفريقية

بالإضافة إلى المحاولات التركية للسيطرة على تجارة الأسلحة والمسيرات وأنظمة الدفاع الجوي في إفريقيا، تسعى أنقرة حاليًا إلى السيطرة على الطرق الملاحية الأفريقية من خلال التواجد في الموانئ الاستراتيجية الأفريقية؛ فعلى سبيل المثال وقعت شركة ميتاج القابضة اتفاقًا في نهاية عام 2024 لتطوير ميناء هوبيو، ثاني أكبر ميناء في الصومال، باستثمارات مبدئية تبلغ حوالي 70 مليون دولار.

النفوذ التركي في إفريقيا 
النفوذ التركي في إفريقيا 

وتهدف تركيا من خلال استغلالها لميناء هوبيو إلى تخفيف الضغط على ميناء مقديشيو الذي تسيطر عليه حاليًا، ومحاولة أيضًا للسيطرة على التجارة الإثيوبية، حيث يعد الميناء الصومالي الجديد أحد بوابات التجارة الخارجية الإثيوبية، كما تسعى تركيا من خلال تطوير ميناء هوبيو إلى تحقيق السيطرة الاقتصادية على ولاية جلمدج الصومالية، وتتواجد تركيا حاليًا في ثلاثة موانئ في شرق أفريقيا، وهي مقديشيو وهوبيو وسواكن في السودان.

ختامًا:

 رغم السيولة التي عليها السياسة التركية تجاه إفريقيا، إلا أنها تجد معارضة بعض الشيء من دول الساحل مثل مالي وبوركينافاسو والنيجر، حيث إن الطائرات المسيرة التركية من طراز بيرقدار واجهت صعوبات عملياتية في مالي، مما أدى إلى إسقاط طائرتين في مارس/إبريل 2025 على الحدود الجزائرية، مما أدى إلى تراجع تلك الدول في الاعتماد على تلك المسيرات، كما علقت النيجر علاقاتها العسكرية والاستخباراتية مع تركيا في يونيو 2025.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء