رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اليوم التالي في غزة: تسليم السلاح الثقيل مقابل بقاء "التسليح الشخصي"

حركة حماس -أرشيفية
حركة حماس -أرشيفية

ما زالت المشاورات جارية فيما يخص باقي الخطوات الخاصة بإتمام المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إذ ضمنت المرحلة الأولى وقفًا كاملًا لعملية إطلاق النار بين الجانبين، والبدء في عملية تسليم الرهائن والأسرى بين الجانبين. أما المرحلة الثانية، أو ما يُسمى إعلاميًا "اليوم التالي في قطاع غزة"، فتشمل العديد من الترتيبات السياسية والأمنية في قطاع غزة، مثل تشكيل مجلس السلام الدولي المنوط به إدارة القطاع، وتعيين نيكولاي ملادينوف مديرًا تنفيذيًا لمجلس السلام الدولي.

واستكمالًا لخطوات المرحلة الثانية من اتفاق قطاع غزة، تم تشكيل اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية المنوط بها إدارة الأمور التنفيذية في القطاع بقيادة الدكتور علي شعث رئيسًا للجنة، ولم يتبق سوى تشكيل قوة الاستقرار الدولية المنوط بها حفظ الأمن والاستقرار في قطاع غزة.

الدكتور علي شعث 
الدكتور علي شعث 

 

تم الاستقرار على إسناد مهمة قيادة قوة الاستقرار الدولية إلى الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز قائدًا للقوة الدولية، وبقيت نقطة أخيرة عالقة، وهي مسألة نزع سلاح حركة حماس، والتي كانت ولا تزال تهدد بإفشال الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، حيث حرصت تل أبيب في جميع المحافل السياسية والدبلوماسية على تأكيد رغبتها في ضرورة نزع السلاح بالكامل من حركة حماس وباقي فصائل المقاومة الفلسطينية، وهو ما ترفضه الفصائل.

 الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز
 الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز

انفراجة محتملة

مؤخرًا برزت شبه انفراجة مؤقتة في مسألة نزع سلاح حركة حماس، حيث أفادت صحيفة النيويورك تايمز أنها اطلعت على مسودة خطة جديدة، محتواها إلزام حركة حماس بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، وفي المقابل احتفاظ الحركة بالتسليح الشخصي لمقاتليها (الأسلحة الخفيفة)، فضلًا عن احتفاظ الحركة بهيكلها التنظيمي الداخلي وعدم إبعاد مقاتليها عن قطاع غزة.

لم يتم التأكيد على تلك الخطوة، حيث إنه وفقًا لصحيفة النيويورك تايمز من المحتمل أن يتم إضافة مسودات أخرى للاتفاق، وأن جميع التفاصيل الخاصة بتسليم السلاح قابلة للتغيير في أي وقت، كما أنه لم يتم تحديد الدول التي ستعمل على استضافة أسلحة حركة حماس الثقيلة المزمع نزعها.

ويدور هنا أيضًا خلاف على مصير أسلحة حركة حماس، خاصة السلاح الثقيل، ويقصد هنا ترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة وبعض المركبات المدرعة. هل سيتم إيداعها لدى بعض الدول الضامنة كودائع للحركة قد تستفيد منها الحركة في إعادة بيع تلك الأسلحة لأطراف أخرى، أم سيتم تدمير تلك الأسلحة تمامًا؟ وهو ما عبّر عنه جاريد كوشنر خلال مؤتمر دافوس، والذي صرح بأن الأسلحة الثقيلة للحركة يجب إخراجها من الخدمة فورًا، أي تدمير تلك الأسلحة وإعطابها تمامًا.

مشاركة إندونيسية 

مما يعزز فرضية احتمالية اقتصار عملية نزع السلاح على السلاح الثقيل في مقابل احتفاظ الحركة بالسلاح الخفيف "التسليح الشخصي"، هو إعلان قائد القوات المسلحة الإندونيسي مارولي سيمانيونتاك عن بدء تحضيرات بلاده لإرسال قوة إندونيسية مكونة من ثمانية آلاف عنصر إلى قطاع غزة، وبذلك تكون إندونيسيا هي أول الدول المشاركة في قوات حفظ الاستقرار في غزة.

قائد القوات المسلحة الإندونيسي مارولي سيمانيونتاك
قائد القوات المسلحة الإندونيسي مارولي سيمانيونتاك

كما تعد إندونيسيا من كبرى الدول المشاركة في قوات حفظ الاستقرار، إذ ستشارك بثمانية آلاف جندي من أصل عشرين ألف جندي، هذا فضلًا عن وجود تأكيدات عن مشاركات مصرية وتركية وقطرية ضمن تلك القوات الجديدة المزمع تشكيلها في قطاع غزة.

رفض حماس للنزع الشامل

تزامنت تسريبات صحيفة النيويورك تايمز مع إعلان حركة حماس على لسان خالد مشعل، والذي يعد من الجناح المقرب من الدول العربية المعتدلة داخل الحركة، أن الحركة ترفض تمامًا مسألة نزع سلاحها، حيث وصف عملية نزع السلاح بأنها محاولة لجعل الغزيين فريسة سهلة يسهل القضاء عليها وإبادتها، وجاءت تصريحاته خلال منتدى الجزيرة يوم الأحد 8 فبراير 2026.

 نيكولاي ملادينوف
 نيكولاي ملادينوف

ماذا يعني تسليم السلاح الثقيل والاحتفاظ بالسلاح الخفيف؟

من سياق المعلومات السابق يتضح أن الحركة باتت ملزمة بتسليم أسلحتها مثل الصواريخ وورش التصنيع الخاصة بها، فضلًا عن الطائرات المسيرة وبعض المركبات المدرعة وغيرها، سيتم تحديدها لاحقًا، وهي الأسلحة التي طالما تغنت بها الحركة على مدار السنوات الماضية، حيث خلدت أسماء زعمائها التاريخيين بتسمية الصواريخ التي تنتجها بأسمائهم، مثل "صواريخ القسام" التي تم تسميتها على اسم عز الدين القسام، وقذائف الياسين على اسم مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين، وصواريخ عياش على اسم القيادي الراحل يحيى عياش، وغيرها من الصواريخ التي طالما خلدت القادة التاريخيين للحركة.

حركة حماس
حركة حماس

كما يتضح لنا أن الحركة بصدد الاحتفاظ الكامل أولًا بهياكلها الداخلية وتنظيماتها داخل قطاع غزة، وعدم تعرضها للتفكيك والإبعاد عن الحركة، فضلًا عن احتفاظ عناصرها بالسلاح الخفيف الشخصي المتمثل في البنادق الآلية والمسدسات الشخصية، وهو تسليح أقرب لتسليح القوات الشرطية في أي دولة. ومما سبق يتضح لنا عدد من النتائج التي ستترتب على نزع السلاح الثقيل وإبقاء السلاح الخفيف، وهي كالتالي:

أولًا: استمرارية الانقسام الفلسطيني

 احتفاظ مقاتلي حماس وحركة الجهاد بالسلاح الخفيف يعني احتفاظ الحركتين بقوتهما في الداخل الفلسطيني، وبالتالي استمرار الحركتين في إظهار المعارضة والمقاومة في مواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومقارعة أجهزتها الأمنية، وأيضًا انتقال المواجهة إلى اللجنة الفنية الفلسطينية التي ينتمي أعضاؤها إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يعني استمرار حالة الانقسام الفلسطيني.

ثانيًا: استمرار حرب الميليشيات داخل غزة

 احتفاظ حركة حماس بسلاح أفرادها الشخصي معناه تمكين الحركة في مواجهة أعدائها في داخل قطاع غزة، مثل ميليشيا ياسر أبو شباب وميليشيا حسام الأسطل وغيرها من الميليشيات التي نشأت خلال حرب غزة الأخيرة، وهو ما يعني احتمالية اندلاع اشتباكات مستمرة بين الحركة وتلك الميليشيات خلال الفترة المقبلة، مما يعني استمرار الاضطراب الأمني في غزة خلال الفترة المقبلة.

ثالثًا: حركات الشبيبة

 من المحتمل أن يتم تحويل حركة حماس وحركات المقاومة إلى ما يسمى حركات الشبيبة التي شهدتها الأحزاب السياسية الأوروبية في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث كانت الأحزاب السياسية تمتلك ميليشيات مسلحة تسليحًا خفيفًا تساعدها في فرض توجهاتها السياسية، مثل الحزب النازي في ألمانيا والحزب الفاشي في إيطاليا. لذا من المحتمل خلال الفترة المقبلة أن تتحول فصائل المقاومة، في حال ابتعادها عن مواجهة إسرائيل وانخراطها في الشأن الداخلي الفلسطيني، إلى ما يشبه حركات الشبيبة السابق ذكرها، وهو ما سيؤدي أيضًا إلى زيادة الاضطراب الأمني والسياسي في فلسطين.

حركة حماس
حركة حماس

رابعًا: تجميد طويل الأجل

يبدو أن حركة حماس بصدد عملية تجميد طويل الأجل لسلاحها، وأيضًا تجميد طويل الأجل لمشروعها السياسي والديني، والمتمحور أساسًا حول فكرة المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي، وهو على المدى الطويل سيؤدي إلى انهيار الحركة داخليًا وتآكلها عبر مر الزمن. فالحركة نشأت في إطار المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، وعلى أساس ذلك كان خطابها التعبوي ضد إسرائيل هو العنصر الأول والأساس في عملية التعبئة والتجنيد السياسي على مدار العقود الماضية.

بسقوط فرضية المقاومة من أدبيات حماس خلال الفترة المقبلة بالتنازل عن السلاح الثقيل، ستفقد الحركة جزءًا كبيرًا جدًا من أدوات التعبئة والتجنيد السياسي، وبالتالي ستتعرض الحركة خلال الفترة إلى حالة من الفتور والنفور الشعبي، وستتحول تدريجيًا إلى ما يشبه فصائل المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان حاليًا مثل "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة" وغيرها من الفصائل. فمعظم تلك الفصائل تمتلك سلاحًا، إلا أنه غير مفعل، مما أدى فعليًا إلى تجميد وتهميش دور تلك الفصائل وافتقادها إلى العنصر الأساسي في عملية الحشد والتعبئة السياسية.

حركة حماس
حركة حماس

ختامًا:

القبول بتسليم السلاح الثقيل مع الإبقاء على السلاح الخفيف لا يمثل "حلًا جذريًا" لمسألة سلاح حماس بقدر ما يمثل صيغة إدارة مؤقتة للأزمة، تُخفف الضغط الدولي والإسرائيلي دون أن تُنهي حقيقة وجود الحركة كقوة مسلحة داخل قطاع غزة. فالسلاح الخفيف، وإن بدا محدود التأثير مقارنة بالصواريخ والطائرات المسيرة، يبقى أداة سيطرة داخلية تضمن للحركة حضورًا قسريًا في معادلة الحكم والأمن، وتُبقي احتمالات الاشتباك الأهلي والانقسام الفلسطيني قائمة ومفتوحة على سيناريوهات طويلة الأجل.

كما أن هذا المسار يعكس توجهًا دوليًا نحو "تجميد" الصراع بدلًا من حسمه، عبر تفريغ المقاومة من أدواتها الثقيلة دون تفكيك بنيتها التنظيمية، وهو ما يخلق نموذجًا رماديًا بين الدولة والميليشيا، وبين الفصيل السياسي والقوة المسلحة. وفي ظل غياب ضمانات واضحة بشأن مستقبل السلاح الثقيل ومصير البنية العسكرية للحركة، فإن غزة قد تدخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسي ليس إنهاء الحرب، بل إعادة توزيع أدوات القوة داخل القطاع، بما يجعل الاستقرار مسألة قابلة للانهيار في أي لحظة مع أول اختبار سياسي أو أمني حقيقي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء