رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مهمة "أركتيك سنتري": الناتو يفتح جبهة القطب الشمالي ضد أطماع ترامب

جزيرة جرينلاند
جزيرة جرينلاند

أعلن حلف شمال الأطلسي "الناتو" عن استعداده لإطلاق مهمة "أركتيك سنتري" في القطب الشمالي خلال الأيام المقبلة، في تحرك استراتيجي يهدف إلى احتواء أزمة السيادة المشتعلة حول جزيرة جرينلاند. وتأتي هذه الخطوة، التي نقلتها رويترز عن مصادر دبلوماسية وعسكرية، لتخفيف التوتر المتصاعد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحلفاء الأوروبيين، بعد تلويح واشنطن بخيارات عسكرية وجمركية لفرض سيطرتها على الجزيرة الدنماركية.

ومن المقرر أن يُحسم قرار الإطلاق النهائي خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل يوم 12 فبراير الجاري، حيث تسعى دول كبرى مثل ألمانيا وبريطانيا إلى تحويل أمن القطب الشمالي إلى مسؤولية جماعية.

ويهدف الحلف من وراء هذه المهمة الاستخباراتية إلى سحب الذرائع الأمنية التي يرتكز عليها ترامب للمطالبة بضم الجزيرة، عبر نشر شبكة مراقبة متطورة تعتمد على المسيرات والأنظمة الذكية، بما يضمن حماية المنطقة من النفوذ الروسي والصيني دون المساس بالسيادة الدنماركية.

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

وتشكل مهمة الناتو حربًا للخرائط في المنطقة، إذ يتجاوز الهدف مجرد مراقبة السطح الجليدي إلى فرض سيادة تكنولوجية على الأعماق المجهولة، من خلال عمليات المسح الباثيمتري المتقدمة.

وتهدف عملية "أركتيك سنتري" إلى رسم خرائط رقمية دقيقة لقاع المحيط، لقطع الطريق أمام الغواصات الروسية والصينية التي تستغل التضاريس كنقاط للتسلل؛ وهي خطوة تهدف في جوهرها إلى تجريد واشنطن من ذريعة الفراغ الأمني في القطب الشمالي، عبر إثبات أن الحلف بات يمتلك الآن العيون الرقمية الكافية للسيطرة على ما تحت الماء.

السيادة المعلوماتية 

بدأت الفرق التقنية التابعة لحلف "الناتو" في تجهيز أولى وحدات المسح الباثيمتري المتطورة، إيذانًا بانطلاق "معرفة قاع العالم" ضمن مهمة "أركتيك سنتري". هذه الوحدات المجهزة بأنظمة تصويرية متعددة الحزم، تهدف إلى رسم خرائط ثلاثية الأبعاد بدقة مليمترية لقاع المحيط المحيط بجرينلاند، وهي مساحة ظلت لعقود ثقبًا أسودًا في الخرائط العسكرية الدولية.

ويسعى الناتو من خلال هذا المسح إلى كشف النقاط العمياء التي تستغلها الغواصات الروسية والصينية ذات الدفع الهادئ للتسلل نحو شمال الأطلسي، فامتلاك خريطة دقيقة للتضاريس الوعرة تحت الجليد يسمح للحلف بتوقع مسارات التسلل ونشر كمائن استشعارية ذكية، مما ينهي الحقبة التي كانت فيها الأعماق القطبية ملاذًا آمنًا للتحركات غير المرصودة.

قوات حلف شمال الأطلسي
قوات حلف شمال الأطلسي

ويمثل هذا التحرك محاولة أوروبية لكسر الاحتكار المعلوماتي الأمريكي؛ حيث تصر برلين وباريس على أن تُخزن هذه البيانات في قاعدة بيانات مشتركة للحلف في بروكسل، في محاولة لمنع واشنطن من استخدام تقارير استخباراتية منفردة حول تهديدات تحت مائية غير مؤكدة كذريعة للمطالبة بفرض سيادة عسكرية أمريكية مباشرة على مياه الجزيرة.

وفي ظل تغير المناخ وذوبان الجليد المتسارع، تتحول هذه الخرائط من وثائق عسكرية إلى ما يشبه صكوك الملكية في المستقبل؛ فمن يمتلك البيانات الدقيقة للجرف القاري سيكون له اليد العليا في تحديد ممرات الملاحة الدولية الجديدة.

وبذلك، تصبح "أركتيك سنتري" وسيلة تقنية لترسيم حدود السيادة الدنماركية رقميًا، وإغلاق الباب أمام أي محاولات لإعادة رسم الخرائط السياسية للمنطقة بناءً على فرضيات القوة العسكرية.

الأتمتة العسكرية  

تعتمد المهمة بشكل جذري على جيش من الروبوتات والأنظمة غير المأهولة التي تعمل في بيئات قاسية تصل حرارتها إلى 50 درجة تحت الصفر. هذا التحول التقني يهدف إلى استبدال الحاجة لنشر قواعد عسكرية بشرية ضخمة بمحطات مراقبة آلية ومسيرات جوية بعيدة المدى، قادرة على البقاء في الجو لعدة أيام متواصلة لرصد أي تحرك غريب فوق الجليد.

مهمة أركتيك سنتري
مهمة أركتيك سنتري

في ظل الظروف المناخية القاسية، يتنحى العنصر البشري ويتجه الناتو بدلًا من تحمل التكاليف الباهظة لبناء مدن عسكرية نحو نموذج الدفاع المؤتمت الذي يوفر حماية فائقة بتكلفة أقل، مما يسحب بساط الجدوى الاقتصادية من تحت أقدام المطالبين بضم الجزيرة للولايات المتحدة.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، توفر هذه المسيرات حضورًا سياديًا للناتو دون إثارة حفيظة سكان جرينلاند الأصليين الذين يخشون تحول بلادهم إلى ثكنة عسكرية؛ فالروبوتات والمستشعرات الموزعة بعناية تقدم ردعًا صامتًا لا يغير النسيج الديموجرافي أو الاجتماعي للجزيرة، مما يعزز موقف الدنمارك في الحفاظ على الوضع القائم ومقاومة ضغوط الاستحواذ الأمريكية.

وتعمل هذه الأنظمة الآلية وفق خوارزميات ذكاء اصطناعي مرتبطة بمركز القيادة في بروكسل. هذا الربط التقني يضمن أن أي قرار بالرد العسكري سيكون قرارًا جماعيًا داخل الحلف، مما يمنع انفراد أي دولة عضو باتخاذ إجراءات تصعيدية قد تجر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة مع القوى القطبية الأخرى.

 أمن الكابلات البحرية

أدرجت قيادة الناتو حماية البنية التحتية للكابلات البحرية تحت القطب الشمالي كأولوية قصوى ضمن محاور المهمة المرتقبة. ومع تزايد الاعتماد على طريق الحرير الرقمي القطبي لربط آسيا بأوروبا، أصبحت هذه الكابلات العميقة هدفًا استراتيجيًا لعمليات التخريب في المنطقة الرمادية، إذ تُتهم غواصات متخصصة بمحاولة التنصت على البيانات أو قطع الشرايين المعلوماتية الدولية.

وتعتمد "أركتيك سنتري" في هذا الجانب على نشر أسوار صوتية وألياف بصرية استشعارية تُزرع بمحاذاة الكابلات الحيوية، قادرة على رصد أي اقتراب مريب من غواصات قزمية أو غواصين آليين. هذه التقنية تمنح الحلف القدرة على التمييز بين الضوضاء الطبيعية للجليد وبين التحركات العسكرية المتعمدة، مما يرفع من مستوى الأمان الرقمي للشركات العالمية والدول المستفيدة من هذه الممرات.

مهمة أركتيك سنتري
مهمة أركتيك سنتري

هذا الوضع الجديد يجعل من العبث بمكانة الجزيرة السياسية تهديدًا مباشرًا لاستقرار الإنترنت العالمي وتدفقات المال الدولية، وهو ما يشكل ضغطًا مضادًا على أي طموحات أمريكية أحادية الجانب.

ختامًا:

 حماية هذه الكابلات تحت مظلة الناتو تنهي الذريعة الأمنية القائلة بأن أمريكا وحدها قادرة على حماية مصالح التكنولوجيا العالمية في القطب الشمالي، فمن خلال مهمة الناتو يثبت الحلفاء الأوروبيون أنهم شركاء في حماية البنية الرقمية للعالم، مما يرسخ دور بروكسل كضامن للاستقرار في بيئة لم تعد تعترف بالحدود التقليدية بل بمدى قوة الشبكات وسرعة تدفق البيانات.

الخلاصة، "أركتيك سنتري" هي في الحقيقة عملية استملاك رقمي وبصري لقاع القطب الشمالي؛ من يمتلك أدق خارطة للأعماق في 2026، هو من سيتحكم في طرق التجارة والحروب القادمة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء