الاعتدال الاشتراكي ينتصر.. هزيمة اليمين المتطرف في الانتخابات البرتغالية
حقق المرشح الاشتراكي المعتدل، أنطونيو جوزيه سيجورو، فوزًا كاسحًا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية البرتغالية التي جرت الأحد 8 فبراير، ليصبح أول رئيس ينتمي للحزب الاشتراكي منذ عقدين.
وبحسب النتائج الرسمية شبه النهائية، حصد سيجورو نحو 67% من الأصوات، متفوقًا بفارق كبير على منافسه اليميني المتطرف أندريه فينتورا، الذي حصل على 33%، لينهي بذلك التكهنات حول إمكانية صعود اليمين الراديكالي لسدة الحكم.
وجرت هذه الانتخابات التاريخية، وهي الثانية فقط التي تمتد لجولة إعادة في تاريخ البلاد، ولا يعكس هذا الفوز الكاسح لسيجورو مجرد رغبة شعبية في استعادة التوازن السياسي داخل مؤسسات الدولة فحسب، بل يمثل حائط صد ديمقراطي أمام طموحات اليمين المتطرف المتصاعدة.

فبينما نجح أندريه فينتورا في تحويل حزبه إلى قوة سياسية برلمانية لا يستهان بها، كشفت صناديق الاقتراع أن الشارع لا يزال يضع ثقته في "الاعتدال الاشتراكي" كصمام أمان لمواجهة الأزمات، مما يضع الرئيس المنتخب أمام اختبار حقيقي لترجمة هذا التأييد العريض إلى استقرار اجتماعي واقتصادي ملموس.
يضع هذا الانتصار البرتغال في موقع الوسيط القوي داخل شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث يعزز التناغم السياسي مع الحكومة الاشتراكية في إسبانيا المجاورة؛ هذا الثنائي المعتدل في جنوب أوروبا قد يشكل جبهة ضغط قوية داخل المجلس الأوروبي للمطالبة بإصلاحات اقتصادية وبيئية، مما يحول البرتغال من دولة طرفية إلى لاعب محوري في صياغة مستقبل القارة بعيدًا عن رياح الشعبوية اليمينية.
ومن المقرر أن يتسلم الرئيس المنتخب مهامه رسميًا في التاسع من مارس المقبل، خلفًا للرئيس الحالي مارسيلو ريبيلو دي سوزا، ليبدأ ولاية مدتها خمس سنوات يواجه خلالها تحدي توحيد البلاد في ظل مشهد سياسي يزداد استقطابًا.

الظهير الخارجي لليمين البرتغالي
ارتبط صعود أندريه فينتورا ووصوله إلى الجولة النهائية بروابط أيديولوجية وثيقة مع تيارات اليمين القومي في الولايات المتحدة، حيث استنسخ حزب شيجا البرتغالي آليات الدعاية والمخاطبة المباشرة التي يعتمدها تيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وظهر هذا التأثير بوضوح في الخطابات التي ركزت على تفكيك النخبة ومهاجمة المؤسسات التقليدية، مما خلق انطباعًا بوجود جبهة يمينية عابرة للأطلسي تهدف إلى زعزعة استقرار اليسار المعتدل في أوروبا.
ولم يقتصر الدعم على الجانب الفكري، بل امتد ليشمل القاعدة التصويتية الكبيرة للبرتغاليين الأمريكيين في الولايات المتحدة، الذين شهدوا انقسامًا حادًا تجاه هذه الانتخابات، فبينما مالت شرائح واسعة من المغتربين في بعض الولايات لدعم فينتورا استجابةً لوعوده بمكافحة الفساد وتعزيز القيم التقليدية، شكل هذا الزخم الخارجي ضغطًا إعلاميًا كبيرًا حاول تصوير فينتورا كجزء من موجة عالمية لا يمكن إيقافها.
وعلى الصعيد الرسمي، راقبت الدوائر السياسية في واشنطن والاتحاد الأوروبي هذا السباق بحذر شديد، خوفًا من تحول البرتغال إلى بؤرة توتر جديدة داخل حلف الناتو والكتلة الأوروبية.
وجاء فوز سيجورو بمثابة استعادة للهدوء في العواصم الغربية، إذ مثل ضمانة لاستمرار التزامات لشبونة الدولية بعيدًا عن تقلبات السياسات السيادية المتطرفة التي كان يلوح بها خصمه اليميني.
علاوة على ما سبق، يمثل انكسار طموح فينتورا عند حاجز الـ34% فشلًا نسبيًا لتصدير النموذج الشعبوي الأمريكي إلى الداخل البرتغالي في الوقت الراهن، ورغم ذلك فقد نجح الدعم الخارجي في شرعنة وجود اليمين المتطرف كقوة ثانية في البلاد، سيعاني منها الرئيس الجديد طوال عهده.
تركة الانقسام السياسي
يواجه سيجورو تحديًا دستوريًا وسياسيًا معقدًا فور تسلمه مهامه في مارس المقبل، حيث سيكون عليه التعامل مع ما يُعرف في السياسة البرتغالية بالقنبلة الذرية، التي تتمثل في قدرة الرئيس على حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، وهو سلاح ذو حدين يتطلب حكمة بالغة لتجنب انزلاق البلاد نحو جولة رابعة من الانتخابات التشريعية في غضون سنوات قليلة.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يحكم الرئيس المنتمي لليسار بلدًا يعاني من أزمات هيكلية فجرها خطاب اليمين المتطرف خلال الحملة الانتخابية، وعلى رأسها أزمة السكن وتكلفة المعيشة، هذه الملفات لم تعد مجرد مطالب اقتصادية، بل تحولت إلى وقود للاستقطاب الشعبي، حيث نجح خصمه فينتورا في ربطها بملف الهجرة، مما يضع سيجورو أمام اختبار صعب للموازنة بين الانفتاح الإنساني والضغوط الأمنية والاقتصادية المتزايدة.
إن قدرة الرئيس الجديد على لعب دور الوسيط النزيه ستكون هي الفيصل في منع شلل مؤسسات الدولة، خاصة وأن المعارضة اليمينية المتطرفة داخل البرلمان ستحاول استغلال أي ثغرة لتعطيل القوانين وإظهار السلطة بمظهر العاجز.
ويظل التحدي الأكبر هو احتواء القاعدة الشعبية التي صوتت لفينتورا، والتي تمثل أكثر من ثلث الناخبين، إذ إن تجاهل هذه الكتلة أو تهميش مطالبها قد يؤدي إلى انفجار شعبوي أكبر في المستقبل، ولذلك سيتعين على سيجورو أن يثبت أن الديمقراطية الاشتراكية المعتدلة لا تزال قادرة على تقديم إجابات عملية للمهمشين والشباب الذين أغرتهم شعارات اليمين الراديكالي.
إعادة التموضع الجيوسياسي
أجهضت نتائج الانتخابات مخاوف بروكسل من ظهور جبهة تمرد جديدة داخل الاتحاد الأوروبي، ففي حال فاز اليمين المتطرف، لكانت البرتغال قد انضمت إلى دول مثل المجر وسلوفاكيا في عرقلة السياسات الموحدة تجاه الهجرة والاندماج، لكن اختيار سيجورو يعيد تثبيت لشبونة كحليف موثوق يدعم الوحدة الأوروبية في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة.
وعلى صعيد حلف شمال الأطلسي، يبعث انتخاب سيجورو برسالة طمأنة حول استقرار الجناح الجنوبي الغربي للحلف، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في شرق أوروبا ومنطقة الساحل الأفريقي.
فبينما كان خطاب فينتورا يميل نحو السيادية والتشكيك في بعض الالتزامات الدفاعية المشتركة، يُعرف سيجورو بتوجهاته الأطلسية الراسخة، مما يضمن استمرار الدور البرتغالي الحيوي كصلة وصل بين القارة الأوروبية والمحيط الأطلسي.

وفيما يخص العلاقات مع دول المهجر والناطقة بالبرتغالية، سيعمل سيجورو على ترميم التصدعات التي أحدثها خطاب اليمين المتطرف تجاه المهاجرين من البرازيل وأفريقيا؛ إذ يمثل هذا البعد الجيوسياسي قوة ناعمة كبرى للبرتغال، ومن شأن السياسة المعتدلة للرئيس الجديد أن تعزز نفوذ لشبونة في هذه الأسواق الناشئة والمناطق الاستراتيجية، بعيدًا عن الصدامات العرقية أو القومية التي كان يروج لها منافسه.
ختامًا:
رغم أن التفويض الشعبي بنسبة 66% يمنح سيجورو شرعية قوية، إلا أن الظل الطويل الذي تركه اليمين المتطرف في صناديق الاقتراع يشير إلى أن المعركة لم تنتهِ بعد، بل انتقلت من ميادين الانتخابات إلى أروقة المؤسسات ومواجهة الأزمات المعيشية.
وأخيرًا، الاختبار الحقيقي للرئيس الجديد لن يكمن فقط في قدرته على موازنة السلطات أو حماية الحدود الجيوسياسية للبلاد، بل في قدرته على استعادة ثقة الثلث الذي صوّت للراديكالية.
فإذا نجح سيجورو في هذه المهمة ستصبح البرتغال النموذج الاستثنائي في أوروبا الذي استطاع كبح جماح الشعبوية؛ أما إذا اتسعت الفجوة بين النخبة والشارع، فإن رياح التغيير التي هبت في فبراير 2026 قد تعود أكثر عصفًا في الاستحقاقات القادمة.
دعاء إمام*



