رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهجرة كورقة انتخابية: معركة إعادة تعريف المواطنة في السويد

 قيادات حزب ديمقراطيي
قيادات حزب ديمقراطيي السويد - أرشيفية

تحت ضغوط متزايدة، أعلنت حكومة يمين الوسط في السويد عن حزمة إجراءات تاريخية لتشديد شروط المواطنة، استجابة لأجندة حزب ديمقراطيي السويد، وتأتي هذه التحركات، التي ترفع سقف الانتظار لثماني سنوات وتفرض قيودًا مالية ومعرفية صارمة، كمحاولة من الائتلاف الحاكم لاسترضاء القواعد الانتخابية الغاضبة وقطع الطريق على صعود اليمين الراديكالي قبل انتخابات سبتمبر المقبل، مما يضع حدًا نهائيًا لسياسة الأبواب المفتوحة التي ميزت البلاد لعقود.

وتخوض حكومة يمين الوسط ما يمكن وصفه بمعركة الهوية الأخيرة، في محاولة حاسمة لاستعادة السيطرة على ملف الهجرة الذي بات يهدد بقاءها السياسي، إذ يجد الائتلاف الحاكم نفسه مضطرًا لتبني لغة أكثر صرامة تتناغم مع طموحات اليمين المتطرف، محولًا الجنسية السويدية من حق متاح إلى امتياز صعب المنال يتطلب ثماني سنوات من الانتظار، واستقلالًا ماديًا كاملًا، واختبارًا للقيم والمجتمع.

الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 
الهجرة غير الشرعية - أرشيفية 

هذا التحول الجذري يحول الجنسية السويدية من أداة كانت تستخدم لتسهيل الاندماج إلى منحة يحصل عليها من يثبت ولاءه التام وانصهاره الاقتصادي والثقافي في المجتمع، ومع تزايد نفوذ الخطاب اليميني الذي يربط بين الهجرة وتصاعد معدلات الجريمة، تهدف التعديلات الجديدة إلى إعادة هندسة التركيبة الديموغرافية والاجتماعية للبلاد، وسط تحذيرات حقوقية من أن هذه العوائق قد تزيد من عزلة المهاجرين بدلًا من دمجهم، وتحولهم إلى فئة مقيمة بصفة دائمة دون حقوق سياسية كاملة.

ملف الهجرة واليمين المتطرف

تتبنى حكومة يمين الوسط نفسها أجندة أكثر راديكالية تجاه الهجرة لضمان بقائها في السلطة، هذا التحول ليس مجرد استجابة لضغوط إدارية، بل هو محاولة مباشرة لسحب البساط من تحت أقدام حزب ديمقراطيي السويد اليميني المتطرف، الذي استثمر لسنوات في ملف فشل الاندماج لتحقيق مكاسب انتخابية، مما جعل الحكومة الحالية تتبنى خطابه لتجنب نزيف الأصوات.

ومع اقتراب موعد انتخابات سبتمبر، بات ملف الجنسية هو الورقة الرابحة في الصراع الانتخابي، إذ تعتقد الحكومة أن تشديد القواعد يمثل استجابة لمطالب شريحة واسعة من الناخبين الذين يربطون بين الهجرة غير المنضبطة واهتزاز الأمن المجتمعي، وهو ما يفسر التوقيت الدقيق لإعلان هذه الإجراءات كرسالة طمأنة للشارع السويدي بأن السلطة لا تزال تملك زمام المبادرة في ضبط الحدود والهوية.

الاجتجاجات في الداخل السويدي
الاجتجاجات في الداخل السويدي

يمثل هذا التوجه الحكومي النهاية الرسمية للاستثنائية السويدية، حيث تخلت ستوكهولم عن دورها كواحة ليبرالية استقبلت مئات الآلاف من المهاجرين في 2015. حاليًا، تنضم السويد إلى الركب الأوروبي المتشدد، معتبرة أن التساهل السابق لم ينتج اندماجًا حقيقيًا، بل خلق فجوات سياسية استغلها اليمين الراديكالي للوصول إلى مراكز صنع القرار وتوجيه السياسة العامة.

اللاجئون ومبدأ المواطنة مقابل الإنتاجية

بموجب الشروط الجديدة، انتقلت الجنسية من كونها حقًا إنسانيًا للمقيم إلى استحقاق اقتصادي. الحكومة السويدية تهدف من خلال هذا الشرط إلى تخفيف الضغط عن نظام الرفاه الاجتماعي، والتأكد من أن كل مواطن جديد هو عنصر منتج يساهم في الخزينة العامة عبر الضرائب ولا يعتمد على المعونات الحكومية.

بموجب هذه الشروط يصبح المهاجرون واللاجئون في سباق مع الزمن لدخول سوق العمل المستقر، مما قد يغير من خارطة المهن التي يشغلونها؛ فالسعي للوصول إلى حد الدخل المطلوب سيجبر الكثيرين على تطوير مهاراتهم بسرعة، لكنه في الوقت ذاته قد يظلم الفئات الهشة التي تعمل في وظائف ذات أجور منخفضة أو المهن الموسمية التي قد لا تغطي السقف المالي المطلوب للحصول على الجنسية.

دينيس ويستربري - رئيسة منظمة الشباب في حزب ديمقراطيي السويد   
دينيس ويستربري - رئيسة منظمة الشباب في حزب ديمقراطيي السويد   

وفي سياق أوسع، يعكس هذا الشرط رغبة السويد في جذب الهجرة النوعية بدلًا من الهجرة العشوائية، فمن خلال ربط المواطنة بالقدرة المالية، ترسل الحكومة رسالة إلى المهاجرين الطموحين بأن السويد ترحب بمن يدعم اقتصادها، وهو ما يتماشى مع التوجهات الرأسمالية الحديثة التي توازن بين الحاجة للأيدي العاملة والحفاظ على توازن الميزانية العامة للدولة.

توحيد الرؤية الإسكندنافية حول الهجرة

باتت ستوكهولم تسير على خطى الدنمارك التي تبنت منذ عقد من الزمن أكثر سياسات الهجرة صرامة في القارة العجوز، إذ يمثل هذا الانزياح الجيوسياسي نهاية الاستثناء السويدي في منطقة الشمال، وتوحد الرؤية الإسكندنافية حول فكرة أن الهجرة غير المنضبطة لم تعد تمثل تحديًا داخليًا فحسب، بل تهديدًا للاستقرار الإقليمي والتماسك الذي يميز دول منظمة مجلس الشمال.

ومن منظور أمني جيوسياسي، تربط الحكومة السويدية بين تشديد قواعد الجنسية وبين حماية الأمن القومي في بيئة أوروبية مضطربة؛ فمنح المواطنة بات يُنظر إليه كإجراء أمني لمنع تسلل العناصر التي قد تهدد السلم المجتمعي أو ترتبط بشبكات جريمة عابرة للحدود.

هذا التوجه يعكس رغبة السويد في تنسيق معايير السيادة السكانية مع جيرانها، لضمان عدم تحول البلاد إلى نقطة ضعف في خاصرة الشمال الأوروبي التي تسعى لتحصين هويتها الثقافية والأمنية ضد موجات اللجوء المستقبلية.

وعلى صعيد العلاقات الدولية، ترسل السويد بهذه الإجراءات رسالة واضحة إلى الاتحاد الأوروبي بأنها لم تعد مستعدة للعب دور الملاذ الأخير، وأنها تدفع باتجاه إصلاح شامل لسياسات اللجوء الأوروبية يعتمد مبدأ الحدود الصلبة.

ختامًا:

 الموقف السويدي الحالي يقوي جبهة الدول الداعية للتشدد داخل بروكسل، مما يعيد رسم موازين القوى السياسية داخل الاتحاد، حيث تتحول الدول التي كانت يومًا قلاعًا لليبرالية إلى قادة لمشروع أوروبا الحصينة التي تضع الهوية والأمن فوق الالتزامات الإنسانية التقليدية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء