رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أزمة ماندلسون وإبستين.. قراءة في مصير الحرس القديم في حزب العمال البريطاني

كير ستارمر وسط داعمي
كير ستارمر وسط داعمي حزب العمال البريطاني

دخلت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مرحلة خطر بعد سلسلة استقالات كان أبرزها رحيل العقل المدبر مورجان ماكسويني، الذي صاغ خارطة طريق حزب العمال نحو السلطة؛ إذ لم تكن هذه الاستقالة إجراءً إداريًا فقط، بل جاءت كحل سياسي لتهدئة غضب النواب وتطويق تداعيات تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا في واشنطن؛ وهو القرار الذي وُصف بالخطيئة السياسية نظرًا لارتباط ماندلسون التاريخي بالملياردير جيفري إبستين، مما قوّض وعود ستارمر بالنزاهة ووضع معاييره الأخلاقية تحت مجهر النقد اللاذع.

وبرحيل ماكسويني ومدير الاتصالات تيم آلان، يجد رئيس الوزراء البريطاني نفسه في ذروة عاصفة برلمانية وشعبية، حيث فقد فريقه القيادي قدرته على المناورة قبل اختبارات انتخابية حاسمة، بما يحتم عليه النجاح في إعادة بسط السيطرة على حزب العمال المنقسم، أو مواجهة تمرد داخلي قد يجعل من بقائه في داونينج ستريت مسألة وقت ليس إلا.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر

وتمتد خطورة هذه الانهيارات الإدارية لتضع ستارمر في مواجهة مباشرة مع اختبار الشرعية والمصير؛ خاصة أن فقدان مهندس استراتيجي بحجم ماكسويني في هذا التوقيت الحرج يجرد رئيس الوزراء من بوصلته السياسية قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الفرعية في جورتون ودنتون.

الاستفتاء الشعبي 

تتجه الأنظار في 26 فبراير 2026 إلى دائرة جورتون ودنتون، حيث يخوض حزب العمال اختبارًا انتخابيًا هو الأصعب منذ وصوله للسلطة، وسط تقديرات تشير إلى احتمال خسارة الحزب لمعقله التاريخي الذي فاز فيه بأغلبية 13 ألف صوت في 2024، مما قد يحول الانتخابات إلى فرصة أخيرة للعمال.

تسبب قرار ستارمر بمنع عمدة مانشستر المحبوب، آندي بورنهام، من الترشح في هذه الدائرة في تزايد الغضب الداخلي؛ إذ يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها تصفية حسابات سياسية لمنع منافس محتمل على الزعامة من دخول البرلمان، وهو ما قد يرتد سلبًا على نتائج الصناديق.

كما تُظهر استطلاعات الرأي تفتت كتلة التصويت التقليدية للعمال، حيث يبرز حزب الخضر كبديل قوي في المناطق الحضرية مستفيدًا من غضب الناخبين تجاه سياسات الحكومة، بينما يهدد حزب الإصلاح باختراق القواعد العمالية في المناطق الأقل دخلًا، مما يضع ستارمر بين مطرقة اليمين وسندان اليسار.

ما سبق يعني أن أي تراجع للعمال إلى المركز الثالث خلف الخضر أو الإصلاح سيمنح المتمردين داخل الحزب الذريعة الرسمية للتحرك لإطاحة ستارمر.

مورجان ماكسويني
مورجان ماكسويني

"لعنة ماندلسون" العابرة للقارات

تحول تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا في واشنطن من خطوة دبلوماسية إلى عبء ثقيل، بعد تفجر فضيحة ارتباطه الوثيق والمدان بجيفري إبستين؛ وهو ما تسبب في حرج بالغ للحكومة البريطانية أمام الإدارة الأمريكية التي تبدي حساسية مفرطة تجاه ملفات الاستغلال الجنسي.

في حين أحدث اعتذار ستارمر العلني واعترافه بعلمه المسبق بعلاقة ماندلسون بإبستين هزة في النزاهة المفترضة للحكومة؛ فبدلًا من أن يكون ماندلسون جسر التواصل مع واشنطن في ملفات التجارة والأمن، أصبح محورًا لتحقيقات جنائية وبرلمانية حول سوء السلوك وفشل إجراءات التدقيق الأمني.

أصبحت الدبلوماسية البريطانية في موقف دفاعي تحاول تبرير اختياراتها الشخصية بدلًا من التركيز على المصالح القومية العليا، وذلك مع مطالبة مجلس العموم بالكشف عن كافة الوثائق المتعلقة بتعيين ماندلسون؛ بما يعني أن الأزمة لن تنتهي باستقالة المستشارين فحسب، بل قد تمتد لتشمل مراجعة شاملة لكيفية اتخاذ القرارات في داونينج ستريت، مما يضع مصداقية ستارمر أمام حلفائه الغربيين على المحك.

شبهات اختراق المنظومة الأمنية

تواجه الحكومة البريطانية ضغوطًا غير مسبوقة للكشف عن كواليس عمليات التدقيق الأمني التي سبقت تعيين ماندلسون، وسط اتهامات لجهاز الاستخبارات الداخلية بالتغاضي عن تحذيرات مبكرة تتعلق بمتانة الروابط التي جمعت السفير الجديد بشبكة جيفري إبستين.

وتصاعدت حدة الأزمة مع تسريبات تشير إلى أن التحقيقات الجارية لا تقتصر على الجانب الأخلاقي، بل تمتد لتشمل مراجعة دقيقة لمذكرات رسمية تعود لعام 2009، يُشتبه في أنه جرى تداولها خارج الأطر القانونية خلال فترة تولي ماندلسون حقيبة وزارة الأعمال.

 آندي بورنهام
 آندي بورنهام

هذا المنعطف القانوني حوّل القضية من مجرد سوء تقدير سياسي لمستشاري ستارمر إلى تهديد مباشر للأمن القومي البريطاني، مما دفع لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان للمطالبة بمثول رئيس الوزراء شخصيًا للإدلاء بشهادته حول معايير الاختيار.

الفجوة في التدقيق تعكس حالة من التراخي الإداري في مكتب ستارمر، حيث سُمح للاعتبارات السياسية بالصعود فوق البروتوكولات الأمنية الصارمة، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الثقة بين أجهزة الاستخبارات البريطانية ونظيراتها في تحالف العيون الخمس.

ويظل التحدي الأكبر حاليًا هو احتواء التداعيات الدولية لهذه الشبهات، خاصة مع تلميحات من أعضاء في الكونجرس الأمريكي بضرورة مراجعة مستوى التنسيق المعلوماتي مع السفير الجديد إذا لم يتم تبرئته بشكل قاطع من أي شبهة اختراق.

انتفاضة "العمال" 

على الصعيد الحزبي، تسبب رحيل مورجان ماكسويني في انهيار حاجز الخوف الذي كان يفرضه مكتب رئيس الوزراء على النواب المتمردين، حيث بدأت كتل برلمانية داخل حزب العمال في التنسيق علانية للمطالبة بتغيير جذري في نهج القيادة.

وتوصف الحالة الراهنة بأنها حرب استنزاف ضد ستارمر، يقودها جناح اليسار الذي يرى في فضيحة ماندلسون فرصة ذهبية لاستعادة السيطرة على هوية الحزب بعد سنوات من التهميش المتعمد تحت مسمى الواقعية السياسية.

ولم تقتصر الضغوط على الداخل الحزبي، إذ شنت زعيمة المعارضة المحافظة كيمي بادينوك هجومًا لاذعًا وصفت فيه الحكومة بأنها سفينة بلا ربان، داعية إلى سحب الثقة من رئيس الوزراء في حال ثبت علمه بتفاصيل علاقة ماندلسون بإبستين قبل التعيين.

جيفري إبستين
جيفري إبستين

ختامًا:

يبدو أن ستارمر يواجه حاليًا انقلابًا صامتًا قد يصبح علنيًا فور إعلان نتائج الانتخابات المقبلة، حيث يترقب المنافسون داخل الحكومة، بمن فيهم وزراء بارزون، الفرصة لتقديم أنفسهم كبدائل قادرة على إنقاذ الحزب من السقوط الحر، مما يجعل الأسابيع القادمة بمثابة اختبار أعصاب سيحدد ما إذا كانت حكومته ستستمر كقيادة فاعلة أم ستتحول إلى إدارة تصريف أعمال مكبلة بالأزمات.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء