انتخابات اليابان وجزر الكوريل: اختبار استراتيجي للقيادة المقبلة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت المفاوضات بين روسيا واليابان على قضية الجزر الشمالية أو "جزر الكوريل الجنوبية"، كما تلقبها موسكو، لعقود طويلة دون التوصل إلى نتيجة، غير أن رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، المرشحة للرئاسة، أعلنت خلال المؤتمر الوطني للمطالبة بعودة الأراضي الشمالية، وأن طوكيو تعتزم إبرام معاهدة سلام مع روسيا رغم صعوبة العلاقات بين البلدين، مشيرة إلى أن العلاقات الحالية مع موسكو صعبة.
لم يعد هذا النزاع الذي طال أمده مجرد خلاف تاريخي بين موسكو وطوكيو، بل تحول إلى أداة نفوذ دولية تستخدمها روسيا للتأكيد على مكانتها الاستراتيجية في شمال المحيط الهادئ، ولإرسال رسائل سياسية للدول الغربية ولليابان على حد سواء.
وفي الوقت ذاته، تواجه الحكومة اليابانية الجديدة تحديًا مزدوجًا، يتمثل في موازنة طموحاتها الداخلية بالتعاطي مع مطالب الناخبين، وفي الوقت ذاته الحفاظ على علاقاتها مع حلفائها الدوليين، وخاصة الولايات المتحدة، دون دفع الأزمة مع روسيا نحو التصعيد.
وتشير التوترات الحالية إلى أن أي قرار سياسي مرتبط بالجزيرة الصغيرة سيكون له انعكاسات على السياسة الخارجية اليابانية، والاستقرار الإقليمي، وحتى على أولويات الانتخابات في الداخل.
ومع اقتراب الانتخابات المقرر عقدها في الثامن من فبراير الجاري، يصبح النزاع حول جزر الكوريل الجنوبية اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة الجديدة على التوازن بين الضغوط الدولية وطموحات الداخل؛ فالقرار السياسي في هذا الملف سيمتد ليشمل التحالفات العسكرية، النفوذ الإقليمي، واستراتيجية اليابان في آسيا-المحيط الهادئ.

النزاع حول الكوريل
تقع الجزر الأربع المتنازع عليها "كوناشير وشيكوتان وإيتوروب وهابوماي" في أقصى الجنوب، ولذلك فهي الأقرب إلى اليابان من سلسلة طويلة من الجزر البركانية، التي تتناثر على شكل قوس بين شبه جزيرة كامتشاكتا الروسية في الشمال، وجزيرة هوكايدو اليابانية الكبيرة في الجنوب.
وتنبع أهمية هذه الجزر من غناها بالمياه الحرارية والمعادن النادرة مثل الرينيوم، الذي يستخدم في صنع محركات الطائرات الأسرع من الصوت؛ لذلك قامت روسيا وأمريكا بضخ استثمارات مشتركة في بناء محطات للطاقة فيها قبل سنوات.
الجزر تقع على مفترق طرق حيوي من الناحية الجغرافية، ما يمنحها قيمة استراتيجية تتجاوز حجمها الصغير. السيطرة على المياه المحيطة تعني القدرة على التأثير في خطوط الشحن، النشاط البحري، ومناورات الأسطول الأمريكي–الياباني.
ونظرًا للأهمية الاقتصادية والجيوسياسية للجزر، ستكون الحكومة اليابانية الجديدة مضطرة لموازنة المطالب الشعبية بالمطالبة بالسيادة على الجزر مع الواقع العسكري والدبلوماسي في شمال المحيط الهادئ، مع الوضع في الاعتبار أن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى تصعيد مع موسكو، خصوصًا في ظل التحركات العسكرية الروسية في المنطقة.

النفوذ الروسي وارتباطه بالوجود العسكري الأمريكي
تستخدم روسيا النزاع حول الكوريل كورقة ضغط استراتيجية على اليابان، بحيث يجعل أي تحرك ياباني مرتبطًا بتقدير الرد الروسي المحتمل، كما أن التهديدات الروسية المستمرة تضيف طبقة من التعقيد لأي قرار حكومي.
كما يعزز الوجود الأمريكي في المنطقة، وبالأخص القواعد العسكرية قرب اليابان، قدرة طوكيو على المناورة السياسية، لكنه في الوقت نفسه يزيد حساسية الملف؛ خاصة أن أي دعم أمريكي قد يُفسر في موسكو على أنه تصعيد استراتيجي، ما يجعل الخيار الياباني أكثر دقة وحذرًا.
علاوة على ذلك، تضمن القواعد الأمريكية للطرف الياباني التفوق في المراقبة والتدخل السريع في حالة أي مواجهة بحرية محتملة، لكن هذا الربط العسكري الدولي يعكس أيضًا مدى اعتماد اليابان على تحالفاتها الدفاعية في حل نزاعاتها الإقليمية، خاصة في ظل تقاطع المصالح الروسية الأمريكية، بما يمكن اعتباره الجزر نقطة التقاء للنفوذ الدولي على مساحة محدودة.

الجزر كورقة نفوذ إقليمية وتأثيرها على التحالفات
حظيت جزر الكوريل باهتمام متزايد منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وتدعم الصين الآن روسيا في مواجهتها مع اليابان بشأن هذه الجزر، ويرتبط هذا الدعم من بكين بتأييد موسكو لطموحات الصين في تايوان، وصارت جزءًا من صراع النفوذ بين القوى الكبرى في شمال المحيط الهادئ.
ومع تحول العمليات البحرية الصينية–الروسية المشتركة إلى استراتيجية رئيسية لردع اليابان وكوريا الجنوبية عن تصعيد دعمهما لتايوان، تكتسب روسيا، بفضل موقعها الاستراتيجي قرب السواحل الشمالية لهوكايدو، ميزة كبيرة؛ فالسيطرة على سلسلة الجزر لا توفر لروسيا مواقع استماع أمامية بالغة الأهمية فحسب، بل تضمن أيضًا مسارات أكثر أمانًا لطائراتها.
التحالفات الإقليمية، بما في ذلك شراكات اليابان مع أستراليا وكوريا الجنوبية، مرتبطة جزئيًا بالملف الكوريل، فالسيطرة على المنطقة تمنح اليابان ميزة استراتيجية في الأمن البحري ومراقبة خطوط الشحن الحيوية.
ختامًا:
يوضح هذا الصراع كيف يمكن للجغرافيا الصغيرة أن تحدد مسارات السياسة الدولية، فالجزر، رغم صغر حجمها، أصبحت محورًا لإعادة تموضع القوى الكبرى في شمال المحيط الهادئ، وتحديد مواقف اليابان من تحالفاتها الدولية والسياسات الدفاعية.
دعاء إمام*



