رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خرائط الأنابيب.. النرويج تحذر من تجسس روسي يستهدف البنية التحتية

أنابيب الغاز النرويجية
أنابيب الغاز النرويجية - أرشيفية

أطلق جهاز الأمن الداخلي النرويجي تحذيرًا شديد اللهجة في تقريره السنوي لعام 2026، مؤكدًا أن البلاد ستشهد تكثيفًا غير مسبوق في أنشطة التجسس الروسية خلال الأشهر المقبلة. ويركز التقرير بشكل خاص على منطقة القطب الشمالي وأرخبيل سفالبارد، محذرًا من تحول نوعي في التهديدات الروسية يتجاوز جمع المعلومات إلى احتمالية تنفيذ عمليات تخريبية فعلية تستهدف المنشآت الحيوية والقواعد العسكرية وتدريبات الحلفاء.

وتأتي هذه المخاوف في وقت باتت فيه النرويج المزود الرئيسي للغاز لأوروبا، مما يجعل بنيتها التحتية للطاقة هدفًا استراتيجيًا لموسكو، في ظل استمرار الدعم النرويجي العسكري لأوكرانيا. وتخشى أوسلو من تعرض أنابيب الغاز والكابلات البحرية لهجمات هجينة أو سيبرانية من قبل أجهزة المخابرات الروسية، كأداة للضغط السياسي والاقتصادي على القارة الأوروبية واختبار قدرات الردع لدى حلف شمال الأطلسي.

تاريخيًا، كانت الحدود القطبية تُعتبر مناطق للتعاون التقني، لكنها تحولت في عام 2026 إلى ساحة اشتباك باردة تُجبر الاستخبارات النرويجية على إعادة ترتيب أولوياتها، لمواجهة تكتيكات روسية هجينة تمزج بين الوجود العسكري التقليدي والتهديدات السيبرانية الخفية.

أنابيب الغاز النرويجية
أنابيب الغاز النرويجية

جغرافيا الصراع المتجدد

يمثل أرخبيل سفالبارد نقطة ارتكاز حيوية في العقيدة العسكرية الروسية، حيث تعتبره موسكو بوابة للتحكم في حركة الأساطيل البحرية بين المحيطين الأطلسي والمتجمد الشمالي؛ لذلك يهدف أي نشاط استخباري مكثف في هذه المنطقة بالأساس إلى ضمان التفوق الروسي في مراقبة تحركات غواصات الناتو، مما يحول الأرخبيل من منطقة تعاون علمي دولي إلى نقطة انطلاق لعمليات الرصد المتقدم.

وتستغل روسيا معاهدة سفالبارد لعام 1920، التي تمنحها حقوقًا اقتصادية ومدنية في الأرخبيل، لتحويل منشآتها التعدينية والبحثية إلى مراكز لجمع المعلومات. وتعلن الاستخبارات النرويجية أن روسيا تعيد توظيف وجودها المدني كغطاء لنشر أجهزة استشعار متطورة ورادارات، مما يخلق تحديًا سياديًا لأوسلو التي تحاول موازنة التزاماتها الدولية مع حماية أمنها القومي.

تكثيف التجسس الروسي في 2026 يأتي ردًا على زيادة وتيرة تدريبات الحلفاء في الشمال، كما تخشى النرويج  أن يكون هذا النشاط مقدمة لفرض واقع عسكري جديد يهدف إلى عزل مناطق في الشمال عن سيادة الدولة النرويجية في حالات الطوارئ، مما ينهي عقودًا من سياسة الهدوء القطبي.

أمن الطاقة والتخريب الممنهج

أصبحت أنابيب الغاز النرويجية هي الشريان الذي يغذي المصانع والمنازل الأوروبية بعد انقطاع إمدادات الغاز الروسي عن القارة. هذا الدور الحيوي جعل من البنية التحتية للطاقة هدفًا مغريًا لموسكو؛ فتعطيل شحنة واحدة أو افتعال عطل في خط أنابيب رئيسي كفيل بإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما تعتبره أوسلو سلاحًا سياسيًا يُستخدم ضدها.

تمتد شبكة أنابيب الغاز النرويجية لآلاف الكيلومترات في أعماق البحار، مما يجعل حمايتها الكاملة أمرًا شبه مستحيل تقنيًا، وهو ما يحذر منه التقرير النرويجي، ومن خطورة رسم خرائط دقيقة لهذه الأنابيب بواسطة سفن الأبحاث الروسية، باعتباره ليس مجرد روتينًا، بل هو تحضير لعمليات تخريبية قد تنفذها غواصات مسيرة صغيرة يصعب رصدها، مما يضع أمن الطاقة في المنطقة الرمادية بين السلم والحرب.

ولا تهدف موسكو بالضرورة إلى تدمير شامل للبنية التحتية، بل تتبنى تكتيك الوخزات المؤلمة؛ بتنفيذ عمليات تخريبية صغيرة تسبب ارتباكًا تقنيًا دون أن تستدعي ردًا عسكريًا مباشرًا.

هذا النوع من التهديدات يهدف إلى تقويض ثقة الحلفاء الأوروبيين في قدرة النرويج على تأمين احتياجاتهم، وبالتالي إضعاف الجبهة الموحدة الداعمة لأوكرانيا.

أنابيب الغاز النرويجية
أنابيب الغاز النرويجية

تحول العقيدة الاستخباراتية

تمثل هذه المناوشات تحولًا جوهريًا في مهام المخابرات الروسية داخل النرويج؛ فبعد سنوات من التركيز على سرقة الأسرار التكنولوجية، انتقلت الأولوية إلى تحديد نقاط الضعف الفيزيائية في محطات الكهرباء وشبكات الاتصالات لتسهيل عمليات التخريب عند الحاجة.

ويشير التقرير الاستخباراتي إلى تكتيك خطير يتمثل في محاولة تجنيد أفراد عاديين أو الضغط على لاجئين لتنفيذ مهام استطلاع ميداني. هذا الأسلوب يهدف إلى خلق طبقة عازلة بين المخابرات الروسية والعمليات الميدانية، مما يمنح موسكو القدرة على الإنكار في حال تم كشف هذه الأنشطة، ويزيد من صعوبة مهمة الأجهزة الأمنية النرويجية في التمييز بين النشاط المدني والاستخباري.

رد الفعل النرويجي وتحدي "الناتو"

تضاعف أوسلو استثماراتها في الأمن السيبراني لمواجهة هذا التصعيد، وحماية أنظمة التحكم الصناعية التي تدير قطاعي الطاقة والمياه. وتدرك الإدارة النرويجية أن الهجوم الرقمي قد يكون طلقة البداية في أي عملية تخريبية، لذا تعمل بالتعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى على بناء درع سيبراني قادر على رصد التسللات الروسية في مراحلها الأولى قبل الوصول إلى غرف التحكم.

أنابيب الغاز النرويجية
أنابيب الغاز النرويجية

استجابةً لتهديدات سفالبارد، زادت النرويج من طلعاتها الجوية ونشرت طائرات "بوسيدون P-8" لمراقبة التحركات البحرية بدقة أكبر، كما عززت البحرية النرويجية وجودها حول حقول الغاز بالتعاون مع بريطانيا وألمانيا، مما يعكس تحولًا من الدفاع السلبي إلى الحضور النشط لردع السفن الروسية التي تحاول الاقتراب من المنشآت الحساسة.

كما يهدف التنسيق الوثيق في عام 2026 إلى إرسال رسالة واضحة لموسكو بأن أي مساس بالبنية التحتية النرويجية سيعامل كاعتداء على أمن الطاقة الجماعي للغرب، مما يرفع من تكلفة أي مغامرة روسية محتملة.

ختاما:

 يبدو أن العام الحالي سيمثل نقطة تحول استراتيجية للنرويج ولأمن القارة الأوروبية على حد سواء؛ فإما أن تنجح أوسلو، بدعم من حلفائها، في تشييد درع دفاعي متكامل سيبراني وميداني يجهض محاولات التخريب الروسية في مهدها. أو أننا بصدد الانزلاق نحو مواجهة هجينة طويلة الأمد في القطب الشمالي، تصبح فيها أنابيب الغاز وكابلات البيانات رهينة في صراع سياسي أكبر، مما قد يضطر النرويج للتخلي عن توازنها التقليدي التاريخي والتحول نحو عسكرة شاملة لأقصى الشمال لضمان بقائها كصمام أمان للطاقة في الغرب.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء