رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تعديل خطاب حماس: كيف أربكت السردية الفلسطينية إسرائيل في الغرب؟

العدوان الإسرائيلي
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة - أرشيفية

باتت إسرائيل تعاني منذ 7 أكتوبر 2023 وضعًا دوليًا بالغ السوء، إذ توجهت معظم الإدانات الدولية تجاه إسرائيل وجيشها، إذ تم اتهامها بارتكاب أفعال مشينة وانتهاكات إنسانية ترقى إلى حد الإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين، وعليه اتخذ المجتمع الدولي منذ نشأة إسرائيل في عام 1948 العديد من السياسات المناهضة لإسرائيل مثل قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت بتهم متعلقة بالإبادة الإنسانية.

هذا بالإضافة إلى توجه دولة جنوب إفريقيا برفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي تتهم فيها تل أبيب بارتكاب جرائم إبادة إنسانية ضد المدنيين في غزة، وهو الأمر الذي أيدته العديد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، إذ تضامنت العديد من الدول مع دعوى جنوب إفريقيا.

العدوان على قطاع غزة - أرشيفية 
العدوان على قطاع غزة - أرشيفية 

هذا بالإضافة إلى انطلاق العديد من الأنشطة والمسيرات الاحتجاجية في الدول الغربية المنددة بالجرائم الإسرائيلية في غزة، ولعل أبرزها مسيرات الاحتجاج في الجامعات الأمريكية في عامي 2024 و2025، الأمر الذي شكّل قوة ضغط قوية على الحكومات الغربية التي اتخذت العديد من القرارات التاريخية بدءًا من وقف المعاملات التجارية مع إسرائيل وقطع عملية تبادل الأسلحة مع الجيش الإسرائيلي، وأخيرًا اعتراف حوالي 10 دول أوروبية في مقدمتهم فرنسا وبريطانيا بالإضافة إلى دولتي كندا وأستراليا بالدولة الفلسطينية.

كل تلك الأمور وجدت تل أبيب نفسها في عزلة دولية حقيقية، خاصة في الأوساط الغربية التي لطالما شكلت الدرع الواقي لإسرائيل خلال حروبها السابقة مع الدول العربية، وأن ما حدث خلال العامين السابقين يعد انقلابًا سياسيًا على إسرائيل.

أرجعت تل أبيب وفي مقدمتها الحكومة الإسرائيلية حالة التقلب الغربي في المواقف إلى ما يسمى عملية "عولمة الانتفاضة" ونجاح الخطاب الإعلامي الفلسطيني في نقل الحقيقة، وتبني الدول والمجتمعات الغربية السرديات الفلسطينية فيما يخص الصراع مع إسرائيل.

تعترف إسرائيل حاليًا بتفوق الإعلام الفلسطيني رغم بساطته الشديدة في السيطرة على الخطاب الموجه إلى الدول الغربية، وعليه بدأت العديد من الدوائر البحثية الإسرائيلية التي انتابها الذعر من الخطاب الفلسطيني إلى تفكيك مصطلحات ذلك الخطاب الفلسطيني وكيفية تأثيره على المجتمعات الغربية.

العدوان على قطاع غزة - أرشيفية 
العدوان على قطاع غزة - أرشيفية 

وفي هذا السياق انبرى كل من باتشيفا نوير، الباحثة بالجامعة العبرية في القدس، وأوفير دايان، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب، بتحليل خطاب حركة حماس الموجه إلى دول الغرب، وتم نشر تلك الدراسة على موقع معهد الدراسات الأمنية بتل أبيب، حيث اعتمدت الباحثتان في تحليلهما على الوثيقة التي أصدرتها حركة حماس في ديسمبر 2025 والتي توضح رؤيتها وسرديتها للصراع الذي دار خلال الفترة من 7 أكتوبر 2023 وحتى 9 أكتوبر 2025.

فئات المخاطبة

يستهدف خطاب حماس ثلاث فئات، وهم الجمهور والرأي العام الفلسطيني، والرأي العام العربي، وأخيرًا الرأي العام الغربي الذي تم توجيه الخطاب له باللغة الإنجليزية وأيضًا بالمفاهيم الغربية، فعلى سبيل المثال يتم توصيف مقاتلي حماس في الخطاب الموجه للغرب بالمقاتلين من أجل الحرية، كما يتم التركيز بصورة أكبر على قضايا حقوق الإنسان في المفردات الموجهة للغرب، وتصوير الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أنه صراع أخلاقي ينبغي على المجتمعات الغربية اتخاذ مواقف داعمة للفلسطينيين.

الجيش الإسرائيلي
الجيش الإسرائيلي

أما خطابها الموجه إلى الفلسطينيين والعرب فغالبًا ما يركز على قضايا الصمود والثبات والجهاد من أجل نصرة الأقصى، من أجل حشد الدعم والتأييد الفلسطيني والعربي للحركة وتحركاتها. وهناك أيضًا خطاب ثانوي موجه إلى إسرائيل والإسرائيليين يتركز على بث الخوف والرعب في نفوس الإسرائيليين، وكذلك الارتباك وتثبيط الهمم في نفوس الإسرائيليين.

بؤرة الفشل الأخلاقي العالمي

نجحت حماس وفق ما سردته الباحثتان الإسرائيليتان في تغيير مفهوم وطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث تم إخراج الصراع من خطاب حماس الموجه للغرب من سياقه الإقليمي وإعادة توصيفه وصياغته على أنه أحد نضالات الإنسانية، وأن إسرائيل هي تجسيد لكل ما يرفضه العالم الحر، فبعد أن كانت إسرائيل توصف في الغرب على أنها الفيلا في الغابة أو بؤرة الديمقراطية في بحر الاستبداد باتت هي الغابة المستبدة، كما أنها هي بؤرة الفشل الأخلاقي العالمي.

الجيش الإسرائيلي
الجيش الإسرائيلي

التحول في مفردات خطاب حماس

يرى البحث الإسرائيلي أن حركة حماس نجحت في تطوير خطابها السياسي على مر التاريخ، فخطابها الأول المتمثل في وثيقة التأسيس الصادرة عام 1988 كان إسلامي الطابع والهوى بعيدًا عن المصطلحات السياسية والقانونية، كما كان يصور القضية الفلسطينية على أنها قضية عامة للمسلمين جميعًا ينبغي عليهم الانخراط في دعم الحركة من أجل نصرة القدس، كما كان البيان التأسيسي رافضًا للعلمانية ومزخرًا بالآيات القرآنية.

حركة حماس
حركة حماس

مؤخرًا تبنت الحركة لغة براجماتية علمانية مستندة إلى قيم مثل حقوق الإنسان ومعايير القانون الدولي والمفاهيم الإنسانية والأخلاقية العالمية، كما أنها في وثيقتها الصادرة عام 2017 فكّت الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، كما أبدت في تلك الوثيقة مزيدًا من التسامح مع العلمانية. وفي وثيقتها الأخيرة في ديسمبر 2025 نجحت في تصنيف القضية الفلسطينية على أنها واجب أخلاقي عالمي ينبغي مساعدة الحركة من أجل حماية الفلسطينيين، وذلك بعد أن كانت نصرة الحركة مقتصرة على المسلمين فقط. وبذلك تسعى الحركة لأن تكون في الأوساط الشعبية العالمية هي الممثل الشرعي للقضية الفلسطينية والفلسطينيين، وإزاحة منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتبرت لعقود طويلة هي الممثل الوحيد والشرعي للقضية الفلسطينية.

تعظيم دور الصحفيين

من الآليات التي انتهجتها حركة حماس في تعزيز سرديتها هو إيمانها العميق بأهمية ودور الصحفيين والمراسلين خلال فترة الحرب، حيث وصفتهم الحركة بـ"الأبطال المدنيين" خلال الحرب الأخيرة، ويرجع ذلك لإدراكها بأن الحرب هي في الأساس حرب معرفية بقدر ما هي حرب حركية، لذا اعتبرت الحركة أن الساحة الإعلامية خاصة الموجهة إلى الدول الغربية هي ساحة رئيسية وليست ساحة ثانوية، وهو ما دفع العديد من الصحفيين والمراسلين خلال الحرب الماضية إلى بذل المزيد من الجهود الميدانية لنقل الصورة والحقيقة إلى الإعلام العالمي، وإن أدى ذلك إلى استشهادهم وإصابتهم خلال المعارك، حيث قدرت وسائل إعلام عربية مثل الجزيرة بأن عدد الشهداء الإعلاميين خلال الحرب الأخيرة بلغ حوالي 107 شهيدًا.

وختامًا:

 حققت الحركة مكتسبات سياسية هامة من عملية تغيير مفردات خطابها الموجه إلى الدول الغربية، فهي على سبيل المثال تمكنت من بناء علاقات قوية مع تركيا العضو في حلف الناتو، فضلًا عن علاقتها بقطر أحد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، كما بات للحركة قبول واسع في الجامعات ومنظمات المجتمع المدني الغربية، ونجحت في تحويل الرأي العام الغربي إلى قوة استراتيجية داعمة للحركة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء