غارات أمريكية في نيجيريا.. هل استهدفت داعش أم أخطأت الهدف؟
في عشية عيد الميلاد في ديسمبر 2025، شنت القيادة الأمريكية في أفريقيا "الأفريكوم" غارات جوية استهدفت مواقع في ولاية سوكوتو شمال غرب نيجيريا، مستهدفةً فيما وصفته بتنظيم داعش في غرب إفريقيا، كما ادعت الأفريكوم أن الضربة تم تنفيذها بالتنسيق مع الجيش النيجيري والمخابرات، فضلًا عن التنسيق مع دولة غانا التي انطلقت الطائرات الأمريكية من مطار أكرا في اتجاه الأهداف في نيجيريا.
خلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين، شنت الحكومة الأمريكية ضغوطًا هائلة على النظام النيجيري، موجهةً إليه اتهامات متعلقة بعدم حماية المسيحيين في البلاد، وأن نيجيريا، خاصة في ولايات الوسط مثل ولاية النيجر، تشهد حربًا ضد المسيحيين، خاصة بعد حادثة اختطاف طلاب إحدى المدارس المسيحية، وعليه تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحماية مسيحيي نيجيريا، ونفذ وعوده بشن غارات ليلة عيد الميلاد.
صوّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الغارات الأمريكية على نيجيريا على أنها محاولة لوقف ما وصفه وقتها بالإبادة الجماعية للمسيحيين في نيجيريا، مهددًا في الوقت نفسه بفرض عقوبات على نيجيريا وإمكانية التدخل العسكري في البلاد.
تخوفات إفريقية
مؤخرًا برزت تحليلات وتقارير أفريقية تشير إلى وجود فجوة كبرى في ربط الولايات المتحدة بين استهداف تنظيم الدولة في نيجيريا وبين اضطهاد المسيحيين في نيجيريا، كما أن الفجوة تمتد إلى إدراك حقيقة التهديدات الأمنية في نيجيريا، كما تثار العديد من التخوفات حول إمكانية سقوط ضحايا مدنيين خلال الغارات الأخيرة التي شنتها أمريكا على شمال غرب نيجيريا.

وفق معلومات أكدها مركز الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا، أُكد أن الغارات الأمريكية على ولاية سوكوتو في نيجيريا جاءت مبنية على معلومات استخباراتية ضعيفة، وهو ما يعكس حقيقة النوايا الحقيقية للولايات المتحدة من تدخلاتها في الشأن النيجيري.
كما أن المعلومات الاستخباراتية الضعيفة التي ساقتها أبوجا إلى واشنطن تعكس حالة الارتباك في القيادة السياسية النيجيرية في مواجهة الضغوط الخارجية الأمريكية، وأن الضربات جاءت بالمخالفة للسياسات النيجيرية الراسخة برفض التدخلات العسكرية الأجنبية في شؤونها الداخلية، كما تعكس تلك المعلومات الاستخباراتية الضعيفة، أو بالأحرى الخاطئة، مدى تورط الحكومة النيجيرية قسرًا في قبول السردية الأمريكية المتعلقة بالصراع في شمال ووسط البلاد، بتوصيفه صراعًا طائفيًا بين المسلمين والمسيحيين، وأن هناك عملية إبادة جماعية للمسيحيين في البلاد.
معلومات استخباراتية مضللة
في تحقيق مركز الدراسات الأمنية ببريتوريا، أكد أن الغارات الأمريكية نهاية ديسمبر الماضي على ولاية سوكوتو النيجيرية بُنيت في الأساس على معلومات استخباراتية مضللة، وذلك وفق الحقائق التالية:
أولًا: الأغلبية المسلمة
تُعد ولاية سوكوتو التي تم استهدافها من قبل الغارات الأمريكية ولاية مسلمة بالكامل، أي أنها ذات أغلبية مسلمة ساحقة، ولا يوجد بها أي خطوط تماس بين المسلمين والمسيحيين.
ثانيًا: عدم تأثر بوكو حرام
يشير التقرير الجنوب إفريقي إلى أن جميع مواقع تنظيم داعش في غرب إفريقيا (ISWAP) وبوكو حرام لم تتأثر بأيٍّ من الغارات الأمريكية الأخيرة، كما أن الغارات استهدفت فقط مناطق تنشط فيها العصابات الإجرامية المسلحة وقطاع الطرق.
ثالثًا: استهداف لاكوروا
يؤكد معهد الدراسات الأمنية أن جماعة لاكوروا هي من استُهدفت خلال الغارات الأمريكية الأخيرة، خاصة أنها تنشط فعليًا في ولاية سوكوتو، فيما تنشط داعش في ولاية بورنو بالقرب من بحيرة تشاد، وتُعد جماعة لاكوروا جماعة إرهابية هجينة، إذ تربط بين الإطار الجهادي والإطار الإجرامي، ولا تنتمي إلى تنظيم الدولة، ولم يثبت قيامها بأي عمليات إرهابية أو إجرامية تجاه المسيحيين في نيجيريا، وإنما عملياتها موجهة في الأساس إلى المسلمين في ولاية سوكوتو.
رابعًا: موقع جابو
يُعد موقع جابو من المناطق التي استهدفتها الغارات الأمريكية الأخيرة، وبمراجعة الموقع يتضح أنه لا توجد به أي سجلات سابقة لوجود الإرهابيين أو أي نشاط عنيف، ونتيجة لذلك حاول العديد من المسؤولين في نيجيريا تقليل وطأة الغارات الأمريكية في منطقة جابو المكتظة بالمسلمين، حيث تم الادعاء أن المنطقة أُصيبت فقط بشظايا متطايرة من الغارات الأمريكية وليست بغارات متعمدة، وذلك محاولة نيجيرية لتدارك أخطاء الغارات الأمريكية في تحديد الأهداف.
تداعيات المعلومات الاستخباراتية المضللة
إلى تلك اللحظة لم يتبين من المسؤول عن المعلومات الاستخباراتية المضللة التي تسببت في استهداف المناطق الخاطئة في نيجيريا، إلا أن التقرير الصادر من معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا يشير إلى تعمد الولايات المتحدة تلك الغارات، وإن كانت مبنية على معلومات استخباراتية مضللة، وذلك لتلائم الغارات الأمريكية سردية واشنطن المتعلقة بما يسمى الإبادة الجماعية لمسيحيي نيجيريا، خاصة أن ولاية سوكوتو أقرب لولايات الوسط في نيجيريا، والتي تشهد تقاسمًا بين المسلمين والمسيحيين، وبالتالي ستكون الغارات الأمريكية في تلك المنطقة ذات تأثير واسع في الداخل النيجيري، لذا تحمل المعلومات الاستخباراتية المضللة العديد من الدلالات الخطيرة، ومنها:
أولًا: تأجيج التوترات الدينية
يبدو أن اتجاه أمريكا لعدم استهداف داعش في الغارات الأخيرة واستهداف مجتمعات إسلامية أخرى من شأنه تأجيج التوترات الطائفية في البلاد، فهي من ناحية أثارت غبن المجتمعات الإسلامية تجاه المجتمعات المسيحية في نيجيريا، وفي الوقت نفسه حافظت على مخلب القط (تنظيم داعش) الذي قد يتم استغلاله في الفترات المقبلة من أجل تأجيج الصراع الطائفي في البلاد.

ثانيًا: إضعاف الحكومة في أبوجا
دفعت الضغوط الأمريكية إلى وضع الحكومة النيجيرية بين فكي الرحى، أولهما الضغوط الأمريكية التي انتهت بالغارات الأمريكية، وثانيهما الحفاظ على السيادة النيجيرية وتزايد الغضب في المناطق المسلمة في المناطق الشمالية، مما قد يؤدي إلى انعدام الأمن تمامًا في شمال البلاد.
ثالثًا: إجبار أبوجا على تقبل السردية الأمريكية
يُعد قبول نيجيريا للغارات الأمريكية انتهاكًا مباشرًا للسيادة النيجيرية على مستويين؛ أولهما اختراق السيادة وتدخل أمريكي مباشر في الشأن الداخلي، وثانيهما إجبار السلطات النيجيرية على تبني الرواية الأمريكية الخاصة بأطر الصراع في نيجيريا وتوصيفه على أنه صراع طائفي وإبادة جماعية لمسيحيي البلاد.

رابعًا: اختيار سوكوتو
وليس بورنو، معقل تنظيم الدولة الإسلامية، أو بينو، أو بلاتو، أو شمال أداماوا، حيث تعرضت المجتمعات المسيحية لهجمات، أجبر نيجيريا على قبول مخاطر سياسية داخلية، حيث تُعد سوكوتو منطقة ذات حساسية رمزية بالغة، فهي مقر السلطان، زعيم المسلمين في نيجيريا، كما اعتبر كثيرون الضربات، ولا سيما تلك التي استهدفت جابو، معادية للإسلام وسط اتهامات أمريكية باضطهاد المسيحيين. دفع ذلك الوزراء النيجيريين إلى التأكيد سريعًا على عدم وجود أي دوافع دينية، وأن جابو استُهدفت بشظايا حطام.
ختامًا:
تكشف الغارات الأمريكية على شمال غرب نيجيريا عن فجوة عميقة بين السردية السياسية التي تروجها واشنطن والوقائع الميدانية على الأرض، حيث يبدو أن توظيف معلومات استخباراتية مضللة أسهم في توجيه الضربات نحو أهداف لا ترتبط مباشرة بتنظيم داعش، بل انعكس سلبًا على التوازنات الداخلية الهشة في البلاد. هذا النهج لا يهدد فقط بتفاقم التوترات الدينية والاجتماعية، بل يضعف أيضًا من قدرة الدولة النيجيرية على إدارة أمنها وسيادتها بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
وعليه، فإن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعقيد المشهد الأمني بدلًا من احتوائه، وتغذية روايات الصراع الطائفي بما يخدم الجماعات المتطرفة على حساب الاستقرار الإقليمي. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر دقة وواقعية، تقوم على فهم حقيقي لطبيعة التهديدات في نيجيريا، واحترام سيادتها، وتجنب توظيف الملفات الأمنية لأغراض سياسية قد تدفع المنطقة نحو مزيد من الاضطراب.
محمد الدابولي*



