رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في إطار أزمة سد النهضة.. كيف ترى أديس أبابا علاقتها مع الولايات المتحدة؟

جبهة التيجراي في
جبهة التيجراي في أثيوبية - أرشيفية

حظيت العلاقات مع إثيوبيا باهتمام كبير في السياسة الخارجية الأمريكية منذ استقلال أديس أبابا في مطلع الأربعينيات عن الاحتلال الإيطالي. فطوال عهد الإمبراطور الإثيوبي السابق هيلا سلاسي اعتُبرت إثيوبيا أحد حلفاء أمريكا في المنطقة، وتدفقت عليها العديد من المساعدات والمنح الأمريكية.

كان مشروع سد النهضة مشروعًا أمريكيًا في المقام الأول، فخلال الفترة الممتدة من عام 1957 حتى 1964 نجحت المسوح الجيولوجية الأمريكية في تقديم العديد من الدراسات الفنية الخاصة بإقامة سد عملاق في تلك المنطقة، إلا أن تكلفة المشروع المرتفعة في ذلك التوقيت، فضلًا عن التحولات السياسية التي شهدتها إثيوبيا خلال فترة السبعينيات، حالت دون إقدام واشنطن وأديس أبابا إلى بناء السد المزمع، ليتأجل حلم إنشاء السد الإثيوبي لأكثر من خمس عقود تقريبًا.

ورغم حالة الخلاف والعداء التي شهدتها العلاقات الأمريكية الإثيوبية خلال فترة حكم الديرغ بقيادة هيلا مريام منجستو (1974 ـ 1991)، لم تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية ضد النظام الإثيوبي خلال حرب الأوجادين في عام 1977، رغم طلب النظام الصومالي بقيادة محمد سياد بري المساعدات العاجلة في ذلك الوقت من الولايات المتحدة، ردًا على مساعدات الاتحاد السوفيتي وكوبا إلى النظام الإثيوبي.

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

وجدير بالذكر أن قوات محمد سياد بري كادت أن تحرر منطقة الأوجادين الصومالية خلال تلك الحرب، لولا التدخل السوفيتي في المعارك الذي نجح في قلب المعركة لصالح إثيوبيا، ورفض أمريكا نصرة النظام الصومالي وقتها.

استمر الدعم الأمريكي المباشر وغير المباشر لإثيوبيا خلال فترة حكم الديرغ، وخاصة في عام 1988، حيث توالت المساعدات الأمريكية على النظام الإثيوبي لتعزيز قدراته في مواجهة المجاعة التي ضربت البلاد خلال الفترة من عام 1986 حتى عام 1988. وجدير بالذكر أن تلك المساعدات أُعيد استخدامها في شراء الأسلحة، خاصة من قبل جبهة تحرير التيجراي بقيادة ميليس زيناوي، والتي قادت الثورة ضد نظام منجستو وتمكنت من السيطرة على البلاد حتى عام 2018.

تُعد إثيوبيا في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة أولى الدول الإفريقية جنوب الصحراء تلقيًا للمساعدات الأمريكية بمقدار 1.5 مليار دولار سنويًا تقريبًا، وتعد الدولة الخامسة على مستوى العالم في تلقي المساعدات الأمريكية، وهو ما يعني أن أديس أبابا تحظى بمكانة كبيرة في السياسة الخارجية الأمريكية.

ورغم حالة التوافق والتناغم في العلاقات بين البلدين حتى في أصعب الظروف في عهد منجستو، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت تغيرًا في العلاقات، خاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الفترة الأولى)، وذلك على خلفية موضوع سد النهضة الإثيوبي والخلافات المثارة حوله مع دولتي المصب مصر والسودان.

في بداية عام 2020 حاولت مصر توسيط الجانب الأمريكي في مفاوضات ملء سد النهضة مع الجانب الإثيوبي، ودخلت الولايات المتحدة من خلال البيت الأبيض ووزارة الخزانة الأمريكية في رعاية مفاوضات ثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان من أجل التوصل إلى اتفاق ملزم بملء وتشغيل السد، وبالفعل توصلت الإدارة الأمريكية في مارس 2020 إلى اتفاق ملزم، إلا أن الجانب الإثيوبي في اللحظات الأخيرة رفض التوقيع على الاتفاق.

أبي أحمد 
أبي أحمد 

إيقاف المساعدات

بدأت واشنطن تمارس ضغوطًا على الجانب الإثيوبي، ففي نهاية عهد الرئيس ترامب تم إيقاف حزمة من المساعدات الأمريكية إلى الجانب الإثيوبي، إلا أنه في عام 2021، وفي عهد الرئيس السابق جو بايدن، تم إعادة تلك المساعدات مرة أخرى.

خلال الحرب التيجرانية (2020 ـ 2022)، والتي راح ضحيتها الكثير من الأثيوبيين، رأت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن هناك سلوكًا إثيوبيًا بتعمد استغلال المساعدات الإنسانية في تمويل الحرب وعمليات أخرى غير المساعدات، مما أدى إلى إيقاف العديد من المساعدات في عام 2023، نظرًا لعدم الثقة الأمريكية في الجهات المحلية التي تدير مسألة المساعدات الأمريكية. وفي عام 2025 عادت بعض تلك المساعدات، لكن بأطر ووكلاء مختلفين عن السابق.

عودة ترامب والحديث عن سد النهضة

جدد الرئيس ترامب في ولايته الثانية طلبه بضرورة استعادة المفاوضات حول التوصل إلى اتفاق ملزم لتشغيل سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، وفي هذه المرة قدم اعترافًا بأن أمريكا هي من مولت سد النهضة من خلال المساعدات الإنسانية التي تمت إعادة تدويرها في عملية بناء السد، ملوحًا في هذا الاتجاه بفرض عقوبات قاسية على النظام الإثيوبي، وذلك بقطع المساعدات عنه.

جبهة التيجراي في أثيوبية - أرشيفية 
جبهة التيجراي في أثيوبية - أرشيفية 

نصائح إثيوبية في مواجهة السياسة الخارجية الأمريكية

وإزاء الأزمة في العلاقات المتبادلة بين الطرفين، لجأت العديد من الجهات الإثيوبية إلى تقديم ثمة نصائح وروشتة من أجل ضمان استقلالية السياسة الخارجية الإثيوبية، خاصة في ظل تغيرات المواقف الأخيرة التي أدت على سبيل المثال إلى إخراج أديس أبابا من قائمة الدول الأفريقية المستفيدة من قانون النمو والفرص، والذي يتيح لتلك الدول إدخال المنتجات الأفريقية إلى السوق الأمريكية دون أية عوائق جمركية.

في البداية ترى صحيفة أديس استاندرد أن الأزمة الإثيوبية ليست في الضغوط الخارجية المبذولة تجاه الدولة، بل في الانقسام الداخلي في مناطق التيجراي وأوروميا والأمهرا. فتلك الانقسامات قد استهلكت موارد البلاد، ومزقت التماسك السياسي للبلاد، ووفرت فرصًا للجهات الخارجية من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وأفقدت البلاد الكثير من القدرة على المناورات السياسية.

تشير الصحيفة الإثيوبية في عددها الصادر في 3 فبراير الماضي إلى أن الأزمة الداخلية أضرت بالموقف التفاوضي للبلاد، فهناك 20 مليون إنسان داخل إثيوبيا يحتاج إلى مساعدات غذائية عاجلة، كما يعيش أكثر من 3.3 مليون نازح داخل البلاد.

مقاربات إثيوبية في مواجهة الضغوط الأمريكية

ولمواجهة الضغوط الخارجية الأمريكية على الجانب الإثيوبي، اقترحت صحيفة أديس استاندرد اتخاذ البلاد العديد من الخطوات التالية:

أولًا: إحياء الآليات التقليدية لحل النزاعات مثل آلية "غادا" المعترف بها من قبل اليونسكو كتراث ثقافي غير مادي للبشرية، والتي تقوم على نقل السلطة بين الأجيال والعدالة التصالحية.

ثانيًا: إيجاد أطراف دولية جديدة للمصالحة الوطنية بعيدًا عن الولايات المتحدة مثل الاتحاد الأفريقي ودول الاتحاد الأوروبي.

جبهة التيجراي في أثيوبية - أرشيفية 
جبهة التيجراي في أثيوبية - أرشيفية 

ثالثًا: تعزيز ممارسات الوساطة التقليدية مثل "شيمجيلينا" التي تُركز على المصالحة بدلًا من الانتقام.

رابعا: إجراء حوار وطني شامل وحقيقي، وليس مجرد إجراء شكلي يمتد إلى مختلف القضايا الجوهرية المتعلقة بالحوكمة والفيدرالية والموارد، والتوزيع الذي يُؤجّج التوترات المستمرة.

خامسًا: إحداث التوازن بين آليات العدالة الانتقالية بين المساءلة والمصالحة. يُمكن لإثيوبيا الاستفادة من تجارب أفريقية أخرى، بما في ذلك محاكم غاكاكا في رواندا ولجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، مع تكييف هذه النماذج مع الواقع الإثيوبي.

سادسًا: توزيع التنمية الاقتصادية بشكل أكثر عدلًا بين المناطق، فالعديد من النزاعات متجذرة في الشعور بالتهميش وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الموارد والفرص.

سابعًا: يجب على إثيوبيا تنويع شراكاتها الدولية لتتجاوز حلفاءها الغربيين التقليديين. لقد وفرت مبادرة الحزام والطريق الصينية بالفعل استثمارات حيوية في البنية التحتية. ولدى دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مصالح استراتيجية في القرن الأفريقي. وقد عززت تركيا علاقاتها مع إثيوبيا. وتعتبر الهند القرن الأفريقي منطقة حيوية لمصالحها الأمنية الإقليمية.

ختامًا:

ومع استمرار أزمة سد النهضة بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في توازنات القرن الإفريقي، تبدو إثيوبيا أمام اختبار مزدوج، الحفاظ على مشروعها الاستراتيجي باعتباره رمزًا للسيادة الوطنية، وفي الوقت نفسه إدارة علاقتها المعقدة مع الولايات المتحدة التي ظلت لعقود شريكًا رئيسيًا وداعمًا مؤثرًا في مسار الدولة الإثيوبية. وبين ضغوط واشنطن المتجددة ومحاولات أديس أبابا البحث عن بدائل سياسية واقتصادية ودبلوماسية، يتضح أن مستقبل الأزمة لن يُحسم فقط على طاولة المفاوضات، بل سيتحدد أيضًا وفق قدرة إثيوبيا على معالجة انقساماتها الداخلية، وإعادة بناء تماسكها السياسي، وتوسيع شبكة تحالفاتها الدولية دون الوقوع في عزلة استراتيجية. وفي النهاية، يبقى الوصول إلى اتفاق ملزم وعادل هو الخيار الوحيد القادر على تجنيب المنطقة سيناريوهات التصعيد، وضمان الاستقرار الإقليمي في واحدة من أكثر ساحات العالم قابلية للاشتعال.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء