داعش موزمبيق: تمويل متنوع وطائرات مسيرة تهدد الأمن الإقليمي
بات تنظيم داعش يمتلك فضاءات واسعة في القارة الإفريقية مكنته في النهاية من تعزيز قدراته التمويلية والقتالية حتى تمكن من الانتشار تقريبًا في معظم الأقاليم الإفريقية، ففي شمال إفريقيا ومنطقة الساحل ينتشر تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، وفي كذلك يتواجد في دول الغرب الإفريقي، وشرقًا يوجد يتمركز في الصومال، فضلا عن الوسط الإفريقي.
عوامل عدة ساهمت في تعزيز تواجد داعش تقريبًا في معظم الأقاليم الإفريقية، لعل القاسم المشترك بينها هو حالة التهميش السياسي والاجتماعي التي تعاني منها هذه المجتمعات، والتي ساهمت في إيجاد حواضن شعبية فعالة للتنظيم.

ساهمت الجهود الدولية في القضاء على التنظيم الإرهابي في موطنه الرئيس في شرق سوريا وغرب العراق، ورغم ذلك نجد أن التنظيم نجح في التوسع والتمدد يومًا بعد يوم في إفريقيا، ففي شرق إفريقيا مؤخرًا نجح التنظيم في تنويع مصادر تمويله حتى بات يستحوذ على مناجم للمعادن في دولة موزمبيق، وفي غرب إفريقيا توسعت وتنوعت عملياته حتى بات يستخدم أسلحة تكتيكية متقدمة في حربه ضد الحكومة النيجيرية، مثل استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في العمليات الإرهابية.
السيطرة على المعادن
في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية حددت واشنطن رؤيتها تجاه الدول الإفريقية بأهمية تعزيز العلاقات الأمريكية الإفريقية في مجال المعادن النادرة، وأن العلاقات بين الطرفين ينبغي أن تكون قائمة على استفادة الولايات المتحدة من المعادن النادرة في إفريقيا.
نظراً للأهمية القصوى للمعادن ومصادر الطاقة الأحفورية، لجأت التنظيمات الإرهابية في إفريقيا، وفي مقدمتها تنظيم داعش، إلى استغلال المعادن والقيام بعمليات التعدين غير الشرعي في تلك البلاد من أجل تعزيز مصادر التمويل لتلك الجماعات، هذا بالإضافة إلى مصادر التمويل الأخرى المتعلقة بالفدية والاختطاف وفرض الإتاوات والزكوات وغيرها.

يعد إقليم كابو ديلجادو في موزمبيق من أهم الأقاليم الاقتصادية في موزمبيق، فضلاً عن كونه يشهد توترات أمنية وسياسية واجتماعية على خلفية انتشار الجماعات الإرهابية به مثل تنظيم داعش في موزمبيق، ويعد هذا الإقليم من أغنى الأقاليم في الإقليم الجنوب إفريقي، حيث تتوافر العديد من مناجم التعدين فضلاً عن مصادر الغاز المكتشفة بالإقليم، وأخيراً المصايد السمكية.
ونظراً لحالة الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب والأحجار الكريمة في عام 2025، زاد نشاط تنظيم داعش في موزمبيق حول مناجم الذهب والأحجار الكريمة، ففي 7 أكتوبر 2025 زارت الجماعة منطقة مونتيبويز وتم عقد اجتماعات مطولة مع عمال المناجم وإجبارهم على دفع إتاوات يومية، حيث هدد داعش بإحراق الممتلكات في حال عدم الدفع، وتنفيذاً لتهديداتهم تم شن هجوم على أحد المناجم في منتصف أكتوبر 2025.
الخطف والفدية
خلال الأيام الماضية دخل تنظيم داعش في موزمبيق في حملة كبيرة من أجل تعزيز موارده المالية، فعلى سبيل المثال في نهاية يناير الماضي قامت ميليشيات تابعة للتنظيم بمهاجمة الجزر القريبة من إقليم كابو ديلجادو واختطاف الصيادين واقتيادهم إلى أماكن أخرى وطلب فديات تصل إلى 50 ألف ميتيكال، أي حوالي 784 دولارًا أمريكيًا لكل منهم.
وفق بيانات منظمة "بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) تضاعفت عمليات الاختطاف وطلب الفديات في إقليم كابو ديلجادو لتشكل 10% من إجمالي أنشطة الحركة على مدار عام 2025، حيث تضاعفت أعمال الاختطاف أربع مرات عما كانت سائدة في السابق، هذا فضلاً عن الاستيلاء على عمليات التعدين في الإقليم.

ينشط تنظيم داعش في موزمبيق في السيطرة على الطرق الوطنية الرئيسية من أجل قطع الطريق على الحافلات والمركبات التجارية وفرض إتاوات فديات على المسافرين، وجدير بالذكر أن التنظيم يتحصل على العديد من تلك الفديات عبر حسابات الدفع الإلكتروني، ومن لم يستطع الدفع الفوري يتم اقتياده إلى الأدغال ريثما يتمكن ذويه من دفع الفدية، وتقدر منظمة (ACLED) أن التنظيم يستطيع أن يجني حوالي ثلاثة آلاف دولار أسبوعياً من عمليات قطع الطريق في الطرق الوطنية الرئيسية في كابو ديلجادو.
تطور عمليات تمويل التنظيم
لسنوات ماضية كان تنظيم داعش في موزمبيق تنظيمًا ضعيفًا نسبيًا مقارنة بباقي التنظيمات في إفريقيا، إلا أن عام 2025 شهد تطورَا ملحوظًا تمثل في تطوير قدرات التنظيم التمويلية وقلة اعتماده على التمويلات الخارجية القادمة فرع التنظيم في ولاية وسط إفريقيا، مما يعني أن التنظيم الموزمبيقي بدأ في تحقيق المزيد من الاستقلالية المالية.
الدرونز أحدث أسلحة داعش في غرب إفريقيا
بالتوازي مع تنامي قدرات تنظيم داعش في موزمبيق في تطوير قدراته المالية، بدأ نظيره في غرب أفريقيا باتخاذ خطوات أكثر تقدمية وفعالة متمثلة في تنويع مصادر أسلحته واتخاذ الطائرات الدرونز في عملياته العسكرية.
في يناير الماضي داهمت قوات الجيش والأمن في نيجيريا منطقة هادين كاي أحد مخابئ تنظيم داعش في غرب أفريقيا، وتقع تلك المنطقة بمثلث تمبكتو بولاية بورنو، ولكن مع تقدم القوات الخاصة بالجيش النيجيري فوجئت تلك القوات بهجوم العديد من الطائرات المسيرة المسلحة، وتشير العديد من المصادر الصحفية النيجيرية إلى تكثيف تنظيم داعش في غرب أفريقيا اعتماده على الطائرات المسيرة خلال الفترة المقبلة في حربه مع القوات الأمنية والعسكرية في البلاد، خاصة في مدينة مايدجوري في ولاية بورنو.

وتشير الأدلة إلى أن تنظيم داعش بدأ في الاعتماد على سلاح المسيرات في عام 2020، حيث استخدمها في بداية الأمر في جمع المعلومات والاستطلاع، ولاحقًا بدأت عملية تحويل تلك الطائرات بتركيب القنابل المفخخة عليها وتزويدها بقذائف الهاون، وتم استخدام المسيرات القتالية بصورة كبيرة في الهجوم على قاعدة واكجيروكو الجوية في منطقة دامبوا، وذلك في عام 2024.

ومما يثير الجدل أن القوات المسلحة النيجيرية ما زالت متأخرة قليلاً في قدرتها القتالية، خاصة في مجال المسيرات القتالية، ففي إبريل 2025 نجح الجيش النيجيري في إطلاق أول طائرة مسيرة مسلحة محلية الصنع وهي طائرة "داميسا" من أجل مهاجمة مواقع المسلحين الإرهابيين، وصممت تلك الطائرات لحمل المتفجرات، كما تم الاعتماد مؤخراً على نظام الحرب الإلكترونية DM4S SkyWiper، المصنّع في دولة ليتوانيا، من أجل التشويش على إشارات التحكم الخاصة بالطائرات المسيّرة.
ختامًا:
يمكن القول إن تطور استراتيجية تنظيم داعش في غرب إفريقيا في استخدام الطائرات المسيّرة يعزز نهج جماعات إرهابية أخرى في القارة بدأت بنشر طائرات مسيّرة مسلحة ضد القوات الحكومية في بوركينا فاسو، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكينيا، وليبيا، ومالي، وموزمبيق، ونيجيريا، والصومال، والسودان، وذلك في ظل تمكن التنظيم من تعزيز قدراته التمويلية المتنوعة بدءًا من عمليات الاختطاف وطلب الفديات والإتاوات، ونهاية بعملية استغلال المناجم وفرض ضرائب عليها وعلى العمال بها.
محمد الدابولي*



