رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العنف ضد العرب في تل أبيب: الرايات السود تكسو ساحات الاحتجاج الإسرائيلية

العنف ضد المجمتعات
العنف ضد المجمتعات العربية في إسرائيل - أرشيفية

شهدت تل أبيب، يوم نهاية يناير 2026، احتجاجات ضخمة قادها أبناء المجتمع العربي في الداخل الإسرائيلي، قُدّرت بعشرات الآلاف من المسلمين والعرب المتمركزين في المدن العربية التاريخية مثل الرملة واللد وسخنين، وذلك احتجاجًا على تزايد أعمال العنف والجريمة المنظمة في المجتمعات العربية خلال السنوات الماضية.

انصبت الاحتجاجات على تجاهل الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب لمشكلات المجتمعات العربية، وتقاعس الشرطة المدنية عن القيام بأدوارها في حماية المجتمع العربي من أضرار الجريمة المنظمة، وشهدت الاحتجاجات تزايدًا كبيرًا في مشاركة الإسرائيليين اليهود المناصرين للقضايا العربية في الداخل الإسرائيلي.

تأتي الاحتجاجات الأخيرة في سياق تجمع الأحزاب العربية واتفاقها فيما بينها على عودة القائمة العربية المشتركة خلال الانتخابات المقبلة، وتوحيد الجهود والصوت العربي من أجل التعبير عن المصالح العربية في الكنيست القادم، وتكوين تكتل عربي قوي للدفاع عن حقوق العرب والمسلمين في الداخل الإسرائيلي.

العنف ضد المجمتعات العربية في إسرائيل - أرشيفية 
العنف ضد المجمتعات العربية في إسرائيل - أرشيفية 

تجمع المحتجون في ساحة هابيما بوسط تل أبيب، ملوحين بأعلام ورايات سوداء كُتب عليها عبارات مثل: "أوقفوا حرب الجريمة" و"هذا ليس عجزًا بل سياسة"، وذلك إشارة من المحتجين إلى تعمد الحكومة تبني سياسات من شأنها تفشي الجريمة في الأوساط العربية. كما طالت الانتقادات عمليات الهدم التي تطال بيوت العرب في الداخل الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال، انتقد طلال الكرناوي، رئيس بلدية رهط، عمليات الإزالة التي تواجه بيوت ومنازل البدو العرب في إسرائيل، منتقدًا سياسة الكيل بمكيالين؛ ففي الوقت الذي تسمح فيه الحكومة للمستوطنين بالبناء غير الشرعي في البلاد، تعاقب البدو على عمليات البناء المماثلة، مؤكدًا أن البدو كان لهم دور كبير في تنمية المجتمع الإسرائيلي، فالعديد من أبناء البدو يخدمون في الحكومة كأطباء ومهندسين وقضاة ومعلمين، فضلًا عن أن بعضهم منخرطون في الجيش الإسرائيلي.

ومن الجدير بالذكر أن الاحتجاجات اندلعت بسبب حادثة إطلاق نار بالقرب من محكمة اللد، يوم السبت 31 يناير، أدت إلى مقتل شخص عربي وإصابة اثنين آخرين، وتُعد هذه الحادثة رقم 33 خلال شهر يناير 2026. وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت بشكل لافت جرائم القتل والعنف وفرض الإتاوات في منطقة الخط الأخضر، وسط اتهامات متكررة للشرطة الإسرائيلية بعدم القيام بواجبها في حماية المواطنين وملاحقة الشبكات الإجرامية.

العنف ضد المجمتعات العربية في إسرائيل - أرشيفية 
العنف ضد المجمتعات العربية في إسرائيل - أرشيفية 

إحصائيات مرعبة

تُعد حالة إطلاق النار بالقرب من محكمة اللد هي رقم 33 خلال الشهر الجاري، فيما شهد عام 2025 سقوط حوالي 252 ضحية جراء عمليات الجريمة المنظمة في إسرائيل، وهو ما يدل على تزايد أعمال العنف في الداخل الإسرائيلي، خاصة في المجتمع العربي الذي يمثل حوالي 21% من إجمالي السكان، ويتعرض لسياسات تمييزية وتهميشية، أبرزها انعدام الأمن في المدن والمجتمعات العربية.

وتُعد حالة العنف متزايدة في المجتمع العربي؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2024 قُتل نحو 240 شخصًا على الأقل في حوادث عنف منفصلة، تتراوح أعمارهم ما بين 16 عامًا و40 عامًا.

العنف ضد المجمتعات العربية في إسرائيل - أرشيفية 
العنف ضد المجمتعات العربية في إسرائيل - أرشيفية 

الرد الرسمي واتهام الحكومة

تحاول الحكومة الإسرائيلية التقليل من آثار تفشي الجريمة المنظمة في الداخل الإسرائيلي، فمؤخرًا زار الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ مدينة سخنين العربية، ودعا خلال زيارته إلى الوحدة واتخاذ إجراءات حاسمة لمكافحة الجريمة المنظمة وضمان مستقبل آمن لجميع المواطنين. كما التقى عددًا من قادة المجتمع العربي خلال زيارته الأخيرة، وأبدى تضامنه مع العديد من الحالات التي راحت ضحية عمليات العنف في المجتمعات العربية.

لم تخلُ الاحتجاجات الأخيرة من توجيه اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتشجيع الإجرام في المجتمعات العربية، إذ طالب المحتجون نتنياهو بضرورة إصدار أوامره للشرطة والشاباك لجمع الأسلحة المنتشرة بشكل غير قانوني، والتي تُقدَّر بحوالي 600 ألف قطعة سلاح. وواصلت الاحتجاجات اتهامها لنتنياهو بتعيينه إيتمار بن غفير وزيرًا للأمن القومي، وهو الشخص المدان بالعديد من قضايا الإرهاب والإجرام في البلاد.

دوافع انتشار الجريمة والعنف

تتعدد دوافع انتشار الجريمة المنظمة والعنف في المجتمع العربي في إسرائيل إلى العديد من العوامل التاريخية، أبرزها:

أولًا: وجود أزمة هوية

 تعاني المجتمعات العربية في الداخل الإسرائيلي من أزمة هوية متصاعدة ناجمة عن سياسات الحكومة الإسرائيلية التي ما زالت ولا تزال تفرض مسألة يهودية الدولة، وبالتالي تنظر إلى العناصر غير اليهودية في المجتمع على أنهم أغيار غرباء، مواطنون من الدرجة الثانية أو الثالثة، وبالتالي تقل فرص التنمية البشرية والمجتمعية المستدامة في تلك المجتمعات، مما يزيد من حدة الفقر، والذي غالبًا ما يدفع المهمشين إلى اتخاذ سلوك الجريمة من أجل تحسين ظروف معيشتهم.

الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ 
الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ 

ثانيًا: يهودية الدولة

 جدير بالذكر أن يهودية الدولة قد تدفع العديد من القادة المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية إلى التقاعس عن توفير الأمن في المجتمعات العربية، من أجل دفع تلك المجتمعات إلى الهجرة خارج إسرائيل وتقليل المكون العربي في المجتمع الإسرائيلي بشكل عام. ويبرز في هذا الاتجاه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي طالته الاتهامات مؤخرًا بتوفير الحماية للعصابات الإجرامية وعدم ملاحقتها رغم ضررها البالغ على الأمن القومي الإسرائيلي. فمن المؤكد، وفقًا لصحيفة يديعوت أحرونوت، التي كشفت أن ظاهرة العنف في المجتمعات العربية زادت وتيرتها، خاصة بعد تولي بن غفير مسؤولية الأمن القومي في إسرائيل.

ثالثًا: تقاعس الشرطة

استكمالًا للنقطة السابقة، أشار تقرير صادر عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية إلى مدى تقاعس الشرطة الإسرائيلية في ملاحقة مرتكبي الجريمة في المناطق العربية، إذ تمكنت الشرطة من حل 23% من إجمالي الجرائم التي ارتُكبت بحق العرب، مقارنة بـ71% من الجرائم المرتكبة بحق اليهود.

وأدى تقاعس الشرطة في ملاحقة جرائم العصابات العربية إلى تطور أساليب تلك العصابات وتسليحها، ففي الغالب خلال الفترة الأخيرة يتم ارتكاب الجرائم بزي الشرطة الإسرائيلية، كما تطورت أساليب تلك العصابات وأسلحتها باستخدام المفخخات وتفجيرها عن بُعد، واستخدام صواريخ «لاو»، وأيضًا استخدام الطائرات المسيّرة.

نتنياهو
نتنياهو

خامسًا: التهميش والفقر

 في عام 2000 تم تشكيل لجنة أور لبحث مسألة العنف في المجتمعات العربية، وأرجعت زيادة العنف في تلك المجتمعات إلى جملة من الأمور، من أهمها التمييز في المناهج والرفاه الاجتماعي بين البلدات العربية والبلدات اليهودية، مما أدى إلى فجوات عميقة بين الطرفين، وجعل الباب مفتوحًا أمام تزايد وتيرة العنف المجتمعي في المجتمعات العربية. وجدير بالذكر أن تقرير لجنة أور صدر في عام 2004، كما أكدت اللجنة أن 40% من الشباب العربي خارج إطار العمل والدراسة، مما زاد من معدلات الفقر لديهم، وجعلهم فريسة لعصابات الجريمة المنظمة. كما أكدت اللجنة في تقريرها تراجع الشرطة في عملها إلى استخدام القوة المفرطة تجاه المجتمعات العربية، الأمر الذي خلق حساسية بين تلك المجتمعات والشرطة الإسرائيلية، مما أفقد الشرطة الثقة المجتمعية في المجتمعات العربية، وجعل التعاون بين الطرفين أمرًا غير ممكن.

ختامًا:

في ضوء تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها، تعكس الرايات السود التي غطّت ساحات التظاهر في تل أبيب حالة الغضب والاحتقان التي يعيشها المجتمع العربي في الداخل الإسرائيلي، في ظل استمرار سياسات التمييز وتفاقم الجريمة المنظمة دون معالجة جذرية. ومع تزايد الاتهامات الموجهة للحكومة وأجهزتها الأمنية بالتقاعس أو التواطؤ، تبدو أزمة العنف أبعد من كونها خللًا أمنيًا عابرًا، لتتحول إلى قضية سياسية واجتماعية تمس جوهر المواطنة وحقوقها. وبين مطالب الشارع العربي بإرساء الأمن والعدالة، ومحاولات الحكومة احتواء الغضب بخطابات عامة، يبقى مستقبل العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب مرهونًا بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمة إلى تفكيك أسبابها البنيوية، قبل أن تتسع دائرة العنف وتخرج عن نطاق السيطرة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء