أنقرة تعبر شرقًا: صفقة الطائرات التركية تشعل سباق النفوذ في جنوب شرق آسيا
في يوليو 2025، نجحت تركيا في تعزيز وجودها في منطقة المحيط الهندي من خلال إبداء إندونيسيا رغبتها في شراء طائرات الجيل الخامس التركية "كان"، والتي ما زالت في طور التصنيع والاختبار، وتُعد القوات الجوية الإندونيسية أولى المستخدمين عالميًا لهذه الطائرة التركية بعد القوات الجوية التركية.
تعتبر هذه الخطوة فريدة من نوعها ودليلًا على تعزيز النفوذ التركي في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية، وهو ما أثار حفيظة العديد من الدول الإقليمية، مثل الهند، التي تعتبر الوجود التركي في المنطقة بمثابة تهديد لأمنها القومي، خاصة بعد تعزيز العلاقات التركية–الباكستانية، والموقف التركي الداعم لباكستان خلال الحرب الهندية–الباكستانية الأخيرة.
سياسة التوسع الخارجي
انتهج حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فور وصوله إلى السلطة عام 2002، سياسة خارجية توسعية، مستندًا في ذلك إلى العديد من المحددات الجيوسياسية والتاريخية والاقتصادية والقومية، وأيضًا الدينية. وخلال تلك الفترة، نجحت أنقرة في بناء العديد من العلاقات مع مختلف دول العالم الإسلامي، وذلك بعد فشل محاولاتها السابقة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

عزّز فشل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي السياسة الخارجية التركية الرامية إلى استرداد الإرث العثماني القديم، الأمر الذي دفعها إلى توطيد علاقاتها وتدخلاتها مع دول الجوار العربي والإسلامي، مثل العراق وسوريا. كما استغلت إرثها العثماني في التغلغل جنوبًا في القارة الأفريقية، خاصة دول شرق أفريقيا، حتى نجحت في إيجاد موطئ قدم لها في السودان والصومال، اللتين باتتا تعجّان بمختلف صور النفوذ التركي، من نفوذ عسكري إلى اقتصادي، وأخيرًا نفوذ سياسي.
كما عززت تركيا إرثها القومي المتعلق بالقومية التركية من خلال تعزيز وجودها في منظمة الدول التركية، التي تضم دولًا مثل أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، أي أنها نجحت في تمديد نفوذها التاريخي في دول آسيا الوسطى.

لم تكتفِ السياسة الخارجية التركية بتعزيز وجودها في منطقة الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وآسيا الوسطى، بل امتدت أيضًا إلى دول جنوب شرق آسيا، بدءًا من باكستان وامتدادًا إلى إندونيسيا وماليزيا. ففي الفترة الأخيرة، نجحت تركيا في تعزيز علاقاتها ونفوذها في منطقة المحيط الهندي عبر إندونيسيا، وهو ما أكسبها زخمًا إقليميًا ودوليًا، وأيضًا صعّد من حدة العداوات الجديدة لأنقرة في العالم، إذ أثار الوجود التركي في المحيط الهندي حفيظة الهند، التي تُعد من الدول المهيمنة في تلك المنطقة.

الأهمية السياسية
تُعد إندونيسيا من كبرى الدول الإسلامية على مستوى العالم، كما أنها تتمتع بنمو اقتصادي كبير؛ فقد كانت تُعد إحدى دول "النمور الآسيوية" في نهاية حقبة التسعينيات، كما أنها إحدى دول مجموعة العشرين. سياسيًا، تُعد إندونيسيا الكيان الاقتصادي الأكبر في رابطة "آسيان"، التي تضم دولًا مثل إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وبروناي وفيتنام ولاوس وميانمار وكمبوديا وتيمور الشرقية، ويبلغ تعداد سكانها نحو 275 مليون نسمة.
وجيوسياسيًا، تقع جاكرتا بين قوتين آسيويتين عالميتين هما الصين والهند، لذا فإن موقعها الفريد ونموها الاقتصادي أكسباها ميزة استراتيجية في العلاقات الدولية. وجغرافيًا، تُعد إندونيسيا ملتقى المحيطين الهندي والهادئ، وتشرف على مضيق ملقا الذي يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين في المحيط الهادئ، ويُعد من أهم المضائق البحرية التجارية في العالم، إذ يربط بين الصين وإندونيسيا وماليزيا، وتمر عبره جميع الإمدادات النفطية لكل من الصين واليابان. وترجح المصادر أن حجم التجارة المارة بإقليم ملقا يوازي تقريبًا حجم التجارة الدولية في قناة السويس المصرية.
وإزاء هذه الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لإندونيسيا، تسعى تركيا حاليًا إلى تعزيز شراكتها البحرية والاقتصادية مع جاكرتا، خاصة في ظل التوتر المستمر في العلاقات التركية–الهندية، والتي بلغت ذروتها في مايو 2025 عقب التأييد التركي الفعّال للحكومة الباكستانية في حربها الأخيرة ضد الهند.

العلاقات التركية–الإندونيسية
تتنوع محددات العلاقات التركية–الإندونيسية، إذ سعت أنقرة إلى استغلال الأطر الحالية للسياسة الإندونيسية من أجل تعزيز التقارب بين الطرفين، ومن أهم هذه المحددات:
المحدد العسكري:
ساهم نمو التصنيع العسكري التركي، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة، في طرح الصناعة العسكرية التركية كأحد محاور السياسة الخارجية التركية، لا سيما بعد نجاح هذه المسيّرات في الحرب الأذربيجانية–الأرمينية. ويتوافق هذا المحدد مع سياسات الحكومة الإندونيسية الحالية بقيادة الرئيس برابوو سوبيانتو، ذي الخلفية العسكرية، والذي يسعى حاليًا إلى تطوير الجيش الإندونيسي واستراتيجية الدفاع الوطني للبلاد، لذا تقدم أنقرة نفسها كشريك فعّال في سبيل تحقيق تقدم عملية تطوير الجيش الإندونيسي.

المحدد الديني:
نجحت تركيا خلال العقود الماضية في صياغة أيديولوجية سياسية مبنية على إرثها العثماني القديم في قيادة العالم الإسلامي، وبالتالي تمحورت الاستراتيجية التركية الحديثة حول فرضية حمايتها ورعايتها للعالم الإسلامي في مختلف دول العالم. وفي هذا الإطار، تبرز إندونيسيا كإحدى أكبر الدول الإسلامية في العالم من حيث عدد السكان المسلمين.
ويعزز التقارب بين الجانبين من الناحية الدينية امتزاج الحالة الإسلامية في كلا البلدين بالتجارب العلمانية؛ فتركيا، في عهد الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، ورغم تبنيها أطرًا إسلامية في العديد من السياسات، خاصة الخارجية، فإنها لم تتخلَّ كليًا عن العلمانية التي أسسها مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. أما إندونيسيا، فرغم أغلبيتها الإسلامية، فإن التقاليد الإسلامية فيها مندمجة إلى حد كبير مع التقاليد المحلية، وهو ما تجلى في مبادئ "البانشاسيلا" التي تم اعتمادها غداة استقلال إندونيسيا عن هولندا عام 1945، حيث تُعرّف هذه المبادئ بأنها تقوم على فلسفة المواطنة دون تفضيل دين على آخر.

وختامًا:
من شأن تصاعد العلاقات التركية–الإندونيسية إعادة التموضع الهندي في المنطقة، خاصة مع تداخل الحدود البحرية الإندونيسية–الهندية في بحر أندامان. وتخشى نيودلهي حاليًا من تزايد التمدد التركي في المنطقة واحتمالية تسرب التكنولوجيا المتقدمة في صناعة المسيّرات والطائرات التركية إلى الجانب الباكستاني، وهو ما يُرجّح كفة إسلام أباد في أي حرب مرتقبة بين الجانبين. لذا قد تسعى نيودلهي خلال الفترة المقبلة إلى إفساد العلاقات التركية–الإندونيسية أملًا في إبعاد النفوذ التركي عن المنطقة.
محمد الدابولي*



