الجيش الأبيض في جنوب السودان.. بين الدفاع الذاتي والتوظيف السياسي
باتت منطقة البحيرات العظمى والقرن الأفريقي تموج بالعديد من الخلافات والصراعات والحروب الداخلية، الأمر الذي يؤهلها لتكون بديلة عن منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة. ففي العقد الماضي انشغل العالم بالصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، حيث اليمن وسوريا والعراق وفلسطين.
أما اليوم، فالصراعات والحروب في منطقة البحيرات العظمى والقرن الأفريقي تندلع بفعل تأثير الفراشة، فما يكاد يمر يوم حتى تندلع الحرب في دولة من دول البحيرات العظمى. فالبداية كانت في شرق الكونغو، وانخراط الدول الإقليمية مثل رواندا وأوغندا وبوروندي في الصراع، وبالأمس القريب شهدت إثيوبيا تجدّدًا للقتال في مناطق التيغراي بعد توقف دام ثلاث سنوات. وفي الشمال نجد السودان غارقًا في حربه الأهلية في إقليم دارفور ومنطقة الفاشر، أما الصومال فهو على شفا حرب في أي وقت، خاصة في ظل حالة الهشاشة الأمنية التي تمر بها مقديشو، رغم المحاولات الدؤوبة من الحكومة الفيدرالية في مقديشو لتثبيت الاستقرار، إلا أن الانسحاب الأفريقي والأممي من الصومال أضعف إلى حد كبير القدرات الصومالية على مواجهة تمدد حركة شباب المجاهدين.

وفي أوغندا، التي شهدت مؤخرًا إجراء الانتخابات الرئاسية، والتي كشفت عن حالة الانسداد الأمني والسياسي في البلاد، مما جعلها مرشحة خلال الفترة المقبلة لتكون إحدى وجهات العنف وعدم الاستقرار خلال السنوات المقبلة، وتحديدًا سنوات ما بعد موسيفيني. وإذا انتقلنا شمال أوغندا حيث جنوب السودان، نجد أن هناك تحذيرات أممية متواصلة من احتمال نشوب وتجدد الحرب الأهلية في البلاد مرة أخرى، خاصة بعدما توقفت في عام 2018.
انقضاء فترة الهدوء
عاشت جنوب السودان فترة هدوء نسبي خلال الفترة الممتدة من عام 2018 وحتى 2025، خاصة بعد توقف رحى الحرب الأهلية في جنوب السودان عام 2018 بين طرفي الحكم في البلاد، الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه رياك مشار.
بذور الحرب الأهلية في جوبا لم تكن وليدة لحظة الاستقلال في عام 2011، بل سبقتها إلى سنوات التمرد والتحرير بقيادة جون قرنق، وتحديدًا في عام 1991 حين انشق رياك مشار عن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، فيما عُرف تاريخيًا باسم انقلاب الناصر، حيث أسس مشار وقتها الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ جناح المعارضة.

انشقاق مشار وقتها اعتبرته الحركة الشعبية لتحرير السودان بمثابة طعنة في الظهر، خاصة بعدما اتجه مشار إلى التحالف مع الحكومة المركزية في الخرطوم وقتها بقيادة الرئيس السوداني الأسبق عمر حسن البشير، واتجاه مشار وفصيله الجديد إلى ارتكاب العديد من الجرائم الإنسانية في جنوب السودان، مثل مجزرة بور 1991، والتي ارتُكبت في قرية بور بجنوب السودان، والتي تقطنها عرقية الدينكا، علمًا بأن مشار ينتمي إلى عرقية النوير المقابلة والمنافسة لعرقية الدينكا التي ينتمي إليها الرئيس الجنوب سوداني سلفا كير ميارديت.
تجدد الصراع مرة أخرى بين طرفي الأزمة في جنوب السودان عقب الاستقلال مباشرة، وتحديدًا في عامي 2013/2014، واستمرت الحرب حتى عام 2018، مخلفة حوالي 400 ألف قتيل من الجانبين، لتكون واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الأفريقي الحديث. ومنذ عام 2018 شهدت البلاد في جوبا حالة كبيرة من الهدوء النسبي، رغم محاولات تعكير الأجواء في عام 2021، حين حدث انقلاب داخلي في الحركة الشعبية لتحرير السودان جناح مشار، في محاولة للإطاحة بمشار من منصبه كزعيم للحركة وكنائب أول للرئيس سلفا كير، إلا أنه سرعان ما تم إعادة ترتيب الأمور وتثبيت السلام في البلاد.

إلا أن الأمور في جوبا ما زالت حبلى بأطر الصراعات ومقوماتها، فخلال الأيام القليلة الماضية أصدرت الأمم المتحدة تحذيراتها من احتمال اندلاع أعمال عنف واسعة النطاق بين حكومة جنوب السودان وما يسمى باسم الجيش الأبيض في جنوب السودان، واحتمال تعرض اتفاق السلام للانهيار ودخول البلاد في أتون حرب أهلية كالتي شهدتها البلاد في عام 2014.
ما هو الجيش الأبيض؟
يُتهم النائب الأول للرئيس الجنوب سوداني رياك مشار بالوقوف وراء تمردات الجيش الأبيض واشتباكاته الأخيرة ضد قوات الحكومة، والقيام بأعمال تطهير عرقي في مدينة الناصر بولاية أعالي النيل جنوبي البلاد.
عرقيًا، ينتمي الجيش الأبيض إلى جماعة النوير التي ينتمي إليها مشار، وهو عبارة عن ميليشيات متخصصة في الدفاع الذاتي عن مصالح رعاة البقر في ولاية أعالي النيل، وتمت تسميتها بذلك الاسم نظرًا للون الرماد الأبيض الذي يتم به دهن أجساد الماشية مثل البقر لإيقائها من التعرض للحشرات والذباب والناموس.
تستمد ميليشيا الجيش الأبيض شرعيتها من المجتمعات المحلية من جماعة النوير، حيث تقوم في المقام الأول بالدفاع الذاتي وحماية الماشية والأراضي، وتنظر تلك الميليشيات إلى الدولة على أنها مصدر تهديد للأمن وليست موفرة له، ويعود تاريخها إلى ستينيات القرن الماضي.
ارتبط الجيش الأبيض بصورة كبيرة برياك مشار، وتحديدًا منذ انقلابه وانشقاقه في مدينة الناصر عام 1991، إذ قاتل الجيش الأبيض في صفوف مشار مرتكبًا مجزرة بور في عام 1991 بحق مواطني الدينكا في جنوب السودان، والتي راح ضحيتها الآلاف من أبناء الدينكا.

خطورة تسييس الجيش الأبيض
مثلما تم الذكر، فإن الجيش الأبيض هو مجرد ميليشيات محلية تهدف في الأساس إلى حماية الماشية والرعاة في ولاية أعالي النيل من هجمات الحكومة والدينكا، ولعل الترابط العرقي بين مشار والجيش الأبيض عزز استفادة كل طرف من الآخر، فمشار يعد الصوت السياسي لجماعة الجيش الأبيض، وفي المقابل استفاد مشار من الدعم السياسي للجيش الأبيض له، لذا فالعلاقة بين الطرفين ترابطية أكثر منها تبعية، فالجيش الأبيض لا يتبع مشار ولا يعد فصيلًا في الحركة الشعبية لتحرير السودان جناح المعارضة.
إلا أن الحكومة في جوبا تحاول تسييس الجيش الأبيض واعتباره جزءًا من ميليشيا رياك مشار، وهو ما يمثل خطورة كبيرة في إعادة تسييس الأزمات الأمنية في البلاد، مما يدعو إلى تجدد الحرب الأهلية. فسلوك الجيش الأبيض خلال الحروب السابقة اعتمد على هدفين؛ أولهما حماية الماشية، والثاني عدم التوغل والاحتفاظ بالأراضي كمكتسبات، فهو جيش مخصص فقط لحماية الماشية من أعمال اللصوصية، والتي غالبًا ما يتم ارتكابها من قبل أبناء الجماعات الأخرى مثل الدينكا التي ينتمي إليها رئيس البلاد.

كما أن الجيش الأبيض في جنوب السودان يعد تحالفًا لا مركزيًا، فليس له قيادة موحدة ولا مراكز تدريب، إذ يعتمد بشكل أساسي على حشد قادة القبائل المحلية في أي وقت لحماية قطعان الماشية من أية محاولات للسرقة أو الخطر، كما أن تلك الميليشيات سرعان ما تنسحب من أرض المعارك فور تحقيق أهدافها.
وختامًا:
يمكن القول إن الحكومة في جنوب السودان، وتحديدًا الرئيس سلفا كير، يحاول حاليًا تسييس أزمة الجيش الأبيض في البلاد باعتباره قوة مسلحة تابعة لنائبه والمعارض له رياك مشار، وذلك من أجل شن حرب ضد التنظيم باعتباره مهددًا للسلام والأمن في البلاد، وتقويض قدرات مشار.
عملية التسييس التي تحاول جوبا حاليًا اتباعها من شأنها محاولة تقويض قدرات مشار، خاصة بعد فشل عملية تدبير الانقلاب الداخلي في حزب مشار في عام 2021، وتعيين رئيس هيئة الأركان العامة للحركة، الجنرال سايمون قاتويج دوال، زعيمًا مؤقتًا للحزب.
محمد الدابولي*