رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الأمم المتحدة على حافة الهاوية: هل يكتب "الإفلاس" نهاية الحقبة الدولية؟

 أنطونيو جوتيريش
أنطونيو جوتيريش - أرشيفية

تحولت الأزمات المالية للأمم المتحدة إلى إنذار صريح بوجود خلل بنيوي يهدد وجود المنظمة الدولية ذاتها؛ ففي رسالة الأمين العام أنطونيو جوتيريش الأخيرة، تبيّنت حالة التجفيف المتعمد للموارد من قبل القوى الكبرى، مما يضع المنظمة الدولية أمام مفارقة تاريخية، فبينما يزداد الاحتياج العالمي لتدخلاتها في مناطق النزاع والكوارث، تتقلص قدرتها النقدية لتصبح عاجزة حتى عن تغطية نفقاتها التشغيلية الأساسية.

وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن المنظمة قد تنفد سيولتها النقدية بحلول شهر يوليو المقبل، في وقت تواصل فيه التعامل مع أزمة مالية يُفاقمها بطريقة كبيرة تأخر الولايات المتحدة الأميركية عن سداد مستحقاتها.

وأشار غوتيريش إلى أن المنظمة الدولية تواجه "انهيارًا ماليًا وشيكًا"، وإنه إذا استمرت الاتجاهات التاريخية على حالها، فقد تنفد ميزانيتها الاعتيادية خلال الأشهر الستة المقبلة، وفي رسالة مؤرخة في 28 يناير الجاري، أوضح غوتيريش أن قاعدة الميزانية التي تلزم الأمم المتحدة بإعادة أي أموال غير مُنفقة جعلت من الصعب بشكل خاص على المنظمة الحفاظ على السيولة. وكتب: "كلما وفرنا أكثر، عوقبنا أكثر".

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 
قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 

وتتحمل الولايات المتحدة الأمريكية تقليديًا 22% من ميزانية المنظمة، وما زالت مدينة للأمم المتحدة بنحو 1.4 مليار دولار متأخرات عن أعوام سابقة، إضافة إلى مبلغ مستحق السداد بقيمة 767 مليون دولار عن ميزانية العام الجاري، بحسب مسؤول أممي رفيع. في 2025، لم يدفع البيت الأبيض أي جزء من مستحقاته البالغة 826 مليون دولار.وفي المقابل، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم ملياري دولار للذراع الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في ديسمبر الماضي، مع استمرارها في رفض دفع الرسوم الإلزامية.

وتكشف هذه الأزمة في جوهرها عن استخدام التمويل كسلاح ضغط سياسي فعال، حيث تعكس الفجوة في الميزانية، الناتجة عن تراجع المساهمات الأمريكية، رغبة دولية في إعادة صياغة أدوار المنظمة أو تحجيم نفوذها في ملفات معينة.

ويُعد تحذير الأمين العام من انهيار مالي وشيك ليس مجرد استجداء للموارد، بل توصيفًا لواقع سياسي جديد تراجعت فيه قيم العمل الجماعي أمام المصالح القومية الضيقة، مما يضع مصداقية النظام العالمي برمته على المحك، ويحوّل الأمم المتحدة من صانعة للسلام إلى كيان يبحث عن البقاء.

فخ الميزانية 

تكمن المفارقة الكبرى في أزمة الأمم المتحدة في القواعد المالية التي وضعتها الدول الأعضاء بأنفسها؛ فبموجب اللوائح التنظيمية، تلتزم المنظمة بإعادة أي مبالغ غير منفقة من الميزانية السابقة إلى الدول، مما يحرم الأمانة العامة من القدرة على تدوير الفوائض أو بناء صندوق سيادي للطوارئ.

علاوة على ذلك، فإن الاعتماد الكلي على المساهمات المقدّرة الإلزامية يخلق حالة من الارتهان الدائم لسرعة استجابة برلمانات وحكومات الدول الأعضاء، وعندما تتأخر دولة واحدة كبرى في السداد، يختل التوازن المالي بالكامل، مما يضطر المسؤولين الماليين في نيويورك إلى ممارسة تقشف قسري يطال النفقات التشغيلية والخدمات اللوجستية، وهو أمر يستنزف الطاقة الإدارية للمنظمة في إدارة العجز بدلًا من إدارة الأزمات الدولية.

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 
قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 

ومن أبرز عيوب هذه البيئة المالية الهشة أنها تجعل التخطيط طويل الأمد أمرًا مستحيلاً؛ فالبرامج التي تمتد لسنوات تواجه خطر التوقف المفاجئ نتيجة نقص السيولة في منتصف العام المالي، مما يعني أن التحذير من انهيار مالي ليس مجرد استعارة، بل توصيف تقني لحالة يتجاوز فيها الإنفاق الضروري حجم النقد المتاح في الخزينة، مما يضع الأمم المتحدة في وضع قانوني وأخلاقي حرج أمام موظفيها وشركائها الميدانيين.

التمويل والضغط السياسي

لا يمكن قراءة الأزمة المالية الحالية بمعزل عن الصراع السياسي الدولي؛ إذ لطالما استخدمت القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ورقة التمويل كأداة ضغط لفرض رؤيتها على أجندة المنظمة.

لذلك، يُفسَّر التأخر في سداد الحصص أو خفض التمويل الطوعي للوكالات المتخصصة كتعبير عن عدم الرضا السياسي تجاه قرارات أممية، أو رغبة في دفع المنظمة نحو إصلاحات إدارية وهيكلية تخدم مصالح الممول الأكبر، وليس مجرد إجراء تقشفي.

هذا الابتزاز المالي من الولايات المتحدة يضع الأمين العام في موقف صعب، حيث يجد نفسه مضطرًا للموازنة بين الحفاظ على استقلالية المنظمة وبين استرضاء القوى المانحة لضمان تدفق الرواتب.

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 
قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 

كما يؤدي تسييس الميزانية إلى إضعاف حياد الأمم المتحدة، حيث تصبح المنظمة أكثر استجابة لمطالب الدول التي تدفع أكثر، مما يكرّس فجوة الثقة بين دول الشمال الغني ودول الجنوب العالمي، التي ترى في ذلك تقويضًا لمبدأ المساواة في السيادة.

وفي ظل الاستقطاب العالمي الراهن، تحولت الميزانية إلى ساحة معركة بديلة؛ فالدول المنافسة للولايات المتحدة قد لا تسارع لملء الفراغ التمويلي لرغبتها في رؤية واشنطن تتحمل مسؤولياتها، أو لسعيها لفرض شروط تمويلية موازية.

والنتيجة النهائية هي تحول الأمم المتحدة من ساحة للحوار الدبلوماسي إلى رهينة في صراع الإرادات بين القوى الكبرى، حيث يُستخدم التجفيف المالي كأسرع وسيلة لشل حركة الخصوم سياسيًا.

التبعات الإنسانية

تنتقل الأزمة المالية من أروقة المكاتب في نيويورك إلى بؤر النزاع في العالم بسرعة البرق؛ فالانهيار المالي يعني مباشرة خفض القدرات العملياتية لبعثات حفظ السلام، مما يهدد بانهيار اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة.

  الأمم المتحدة - أرشيفية 
  الأمم المتحدة - أرشيفية 

أما على الصعيد الإنساني، فإن وكالات مثل "الأونروا" أو "برنامج الغذاء العالمي" تجد نفسها أمام خيارات مستحيلة: من يحصل على الطعام ومن يُحرم منه؟ إن نقص السيولة يُترجم فورًا إلى تقليص الحصص الغذائية، وإغلاق العيادات الطبية، وتوقف برامج التعليم في مخيمات اللاجئين.

هذا الشلل الميداني لا يخلق أزمة إنسانية فحسب، بل يغذي عدم الاستقرار الإقليمي، ويخلق بيئة خصبة للتطرف والهجرة غير الشرعية، مما يجعل تكلفة "عدم التمويل" أعلى بكثير من قيمة المساهمات المطلوبة.

كذلك، تتأثر مصداقية الأمم المتحدة كوسيط دولي؛ فالمنظمة التي لا تملك الموارد لتنفيذ وعودها التنموية أو الإغاثية تفقد تأثيرها الأدبي والمعنوي أمام الشعوب. فعندما يعجز "جوتيريش" عن دفع رواتب الموظفين الميدانيين أو تأمين الوقود لسيارات الإغاثة، تصبح القرارات الدولية مجرد حبر على ورق، ويتحول دور المنظمة من فاعل عالمي إلى هيئة استشارية تكتفي بإصدار بيانات القلق دون قدرة حقيقية على التغيير.

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 
قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة - أرشيفية 

ما بعد الانهيار

يطرح خطر الانهيار المالي تساؤلًا وجوديًا حول مستقبل التعددية الدولية في القرن الحادي والعشرين؛ فقد نشهد بداية النهاية للنظام العالمي الذي تشكّل بعد عام 1945 إذا استمر نقص التمويل. هذا السيناريو قد يدفع الدول نحو بناء تحالفات إقليمية أو نوادٍ حصرية، مثل مجموعة السبع أو "بريكس"، للقيام بمهام الأمن والتنمية، مما يعني تفتت المرجعية الدولية الموحدة.

وربما يفرض الإفلاس المالي تحولًا في هيكلية الأمم المتحدة نفسها، نحو نموذج "الخصخصة الجزئية" أو الاعتماد المتزايد على الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية لسد العجز، ورغم أن هذا قد ينقذ بعض البرامج، فإنه يثير مخاوف كبرى حول توجيه الأجندة الدولية وفقًا لمصالح الممولين الجدد.

ختامًا:

اليوم، يبقى المجتمع الدولي أمام اختبار قاسٍ؛ فإما أن يتم إصلاح النظام المالي للأمم المتحدة عبر منحها استقلالية أكبر وصناديق طوارئ مستدامة، أو أن المنظمة ستستمر في التآكل التدريجي حتى تصبح كيانًا هامشيًا. والحقيقة أن بقاء الأمم المتحدة ليس مجرد ترف دبلوماسي، بل هو ضرورة لتنظيم الصراعات في عالم يزداد تعقيدًا، وانهيارها المالي قد يكون الشرارة التي تنهي حقبة النظام الدولي وتبدأ حقبة الفوضى العالمية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء