رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التهرب الضريبي والتعدين غير المشروع: الاستعمار الاقتصادي ينهب إفريقيا

التنقيب عن الذهب
التنقيب عن الذهب في إفريقيا -أرشيفية

تعد إفريقيا منجم العالم لما تذخر به من ثروات معدنية هائلة، فعلى مدار التاريخ كانت ولا تزال إفريقيا محط أنظار القوى الدولية الكبرى لما تحتويه تلك القارة من معادن نادرة بصورة وفيرة، ففي نهاية القرن الثامن عشر والتاسع عشر شكلت إفريقيا المنجم الوافي للثورة الصناعية الأوروبية، لذا تكالبت الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية من أجل التوسع والانتشار في إفريقيا مطبقة سياسة الاحتلال والاستعمار في كافة الأقاليم الإفريقية المتسعة، إذ اقتسمت القوى البريطانية والفرنسية تقريبًا معظم الأراضي الإفريقية.

النفوذ الصيني في إفريقيا
النفوذ الصيني في إفريقيا

كما زاحمت القوى الألمانية والبلجيكية والإيطالية القوتين الفرنسية والبريطانية من أجل نهب الثروات الأفريقية التعدينية، وفي الفترة الأخيرة لا يزال المنظور الاستعماري لإفريقيا على أنها المنجم المفتوح الذي لا ينضب، فتلك الاستراتيجية الأمريكية الصادرة نهاية العام الماضي لخصت العلاقات الأمريكية–الإفريقية في سطور قليلة جدًا إذ ربطت العلاقات بين واشنطن والعواصم الإفريقية بمدى توفير تلك العواصم المعادن النادرة والنفيسة للصناعة الأمريكية، وخلال الفترة الأخيرة شكلت واشنطن ضغوطًا على العديد من الدول الإفريقية من أجل التوغل والاستثمار في مجالات التعدين بها، فعلى سبيل المثال لا الحصر تدخلت في أزمة شرق الكونغو من أجل الحصول على امتيازات خاصة بالتعدين في الكونغو الديمقراطية، كما واصلت ضغوطها السياسية على دولة زامبيا من أجل هذا الغرض أيضًا، كما شنت غارات خاطفة على شمال نيجيريا من أجل الاستفادة من الموارد التعدينية والنفطية في كبرى الدول الإفريقية.

في المرويات التاريخية الإفريقية القديمة تغنّت بملك مالي منسا موسى (1312–1337) على أنه أغنى رجل في الكرة الأرضية حتى الآن لما كان يمتلكه من ثروات ضخمة من معدن الذهب، واعتُبرت رحلته للحج عام 1324 من أشهر رحلات الحج حتى الآن لما شابها العديد من مظاهر البذخ الشديد، إذ أشارت المصادر التاريخية إلى إنفاقه آلاف الأرطال من الذهب الخالص خلال رحلته التاريخية التي قطعها من غرب إفريقيا إلى مكة المكرمة مرورًا بممالك شمال أفريقيا ومصر ومناطق الحجاز.

رغم تمتع إفريقيا، خاصة دول الغرب الإفريقي، وفي صدارتها مالي وغانا بالثروات المعدنية وفي مقدمتها عنصر الذهب، فإن تلك الدول تعاني من الفقر الشديد وارتفاع معدلات العنف الناجمة عن الفقر، فضلًا عن تذيل تلك الدول مؤشرات التنمية الدولية، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول أسباب عدم جني الدول الإفريقية نتاج ثمارها التعدينية؟

النفوذ الصيني في إفريقيا
النفوذ الصيني في إفريقيا

الإجابة على هذا التساؤل معقدة للغاية، فهناك العديد من الأسباب التاريخية التي يعود بعضها إلى الحقبات الاستعمارية السابقة وسياسات الاستعمار في الاستغلال الممنهج لتلك الثروات وحرمان الشعوب الإفريقية من الاستفادة من تلك الثروات ومعاملة الشعوب الإفريقية معاملة العبيد في أراضيهم، لكننا في هذا التقرير سنحاول التطرق إلى السياسات الاستعمارية الحديثة في استغلال الثروات التعدينية الأفريقية وحرمان الشعوب الأفريقية منها، فعلى سبيل المثال:

التهرب الضريبي

حلت الشركات متعددة الجنسيات في مجالات البحث عن التعدين محل الدول الاستعمارية القديمة، فعلى سبيل المثال شركة باريك جولد التي يقع مقرها في مدينة تورنتو الكندية والتي دخلت في نزاع مع الحكومة الحالية في مالي بقيادة آسمي غويتا على خلفية التهرب الضريبي، مما دفع السلطات في باماكو في يناير 2025 إلى إيقاف عمليات التنقيب عن الذهب في منجم لولو–غونكوتو الواقع غرب البلاد وإيقاف صادرات الذهب من المنجم المملوك لشركة باريك جولد ومصادرة ثلاث أطنان من سبائك الذهب على خلفية خلافات كبرى مع الشركة الكندية واتهامها بالتهرب من دفع الضرائب.

التنقيب عن الذهب في إفريقيا -أرشيفية 
التنقيب عن الذهب في إفريقيا -أرشيفية 

وفق تقارير صندوق النقد الدولي فإن شركات الذهب العالمية العاملة في إفريقيا تفوت على الدول الإفريقية مبالغ تصل إلى 730 مليون دولار أمريكي سنويًا نتيجة عملية التهرب الضريبي التي تمارسها تلك الشركات، وبالتالي حرمان الموازنة العامة للدول الإفريقية من مصدر تمويلي هام وهو الضرائب على التعدين في تلك الدول.

الحوافز المالية

بخلاف التهرب الضريبي، تتمتع شركات التعدين متعددة الجنسيات بالعديد من الحوافز المالية الأخرى التي تساهم في تقليل الموارد المالية للحكومات الإفريقية، إذ عادة ما تقدم الحكومات الإفريقية حوافز مالية لتلك الشركات من أجل تشجيعها على مزاولة النشاط التعديني في الدول الإفريقية، وهو الأمر الذي يحرم تلك الحكومات من مصادر مالية ضخمة تنعكس في قلة إيراداتها، لذا يحاول الاتحاد الإفريقي جاهدًا إعداد رؤيته الخاصة للتعدين بإصلاح قوانين التعدين، وذلك لضمان مساهمة أكثر استدامة لموارد القارة المعدنية.

التنقيب عن الذهب في إفريقيا -أرشيفية 
التنقيب عن الذهب في إفريقيا -أرشيفية 

اختلال موازين القوة

تعد الشركات متعددة الجنسيات في مجالات التعدين في موقع قوة خلال عمليات المفاوضات، إذ عادة ما تمارس ضغوطًا على الحكومات الإفريقية مدعومة بدعم كبير من الحكومات في الدول الغربية التي تحاول إنصاف تلك الشركات على مصالح الدول الإفريقية، مما يجعل كفة الدول الإفريقية هي الأضعف في مرحلة المفاوضات.

التعدين غير المشروع

بالإضافة إلى سياسات القوى الاستعمارية التقليدية، برزت أيضًا سياسات جديدة استعمارية مورست من قبل قوى كانت تعد نصيرة للحقوق الأفريقية مثل الصين، التي تشجع عمليات الاستغلال غير المشروع للثروات المعدنية الأفريقية عبر التعدين غير المشروع.

ففي الفترة الأخيرة كثيرًا ما تتوتر العلاقات بين الصين ودولة غانا (كانت تُسمى قديمًا باسم ساحل الذهب) نظرًا لتزايد عمال المناجم الصينيين في غانا والذين ينقبون بصورة غير مشروعة عن الذهب والمعادن في البلاد، وتقدر إحصائيات العمال الصينيين بحوالي 50 ألف عامل مناجم غير شرعي في البلاد، بالإضافة إلى خسائر التنقيب غير الشرعي، إذ أدت عمليات التنقيب الصينية إلى تدمير البيئة في غانا وتبوير الأراضي الزراعية، حيث تؤدي الآلات الصينية والمواد الكيميائية المستخدمة من قبل العمال الصينيين إلى إحداث ندوب عميقة في الأرض، كما تؤدي عمليات التعدين غير المشروع إلى خسارة الدولة إيرادات تُقدَّر بـ 2.3 مليار دولار سنويًا، ونتيجة لذلك توترت العلاقات الدبلوماسية بين أكرا وبكين في عام 2018 على خلفية قيام الأولى بترحيل 1370 عاملًا صينيًا من البلاد واعتقال آخرين.

التنقيب عن الذهب في إفريقيا -أرشيفية 
التنقيب عن الذهب في إفريقيا -أرشيفية 

محاولات للإصلاح

رغم هيمنة القوى الكبرى على قطاع التعدين في الدول الإفريقية، إلا أن بعض الدول مثل مالي تحاول حاليًا إصلاح المجال التعديني بها، مدفوعة بتوجهات الطغمة العسكرية الحاكمة بها الآن في تحقيق مزيد من الاستقلالية الإفريقية في اتخاذ القرار المتعلق بثروات تلك الدول.

سرقة النفط في إفريقيا - أرشيفية 
سرقة النفط في إفريقيا - أرشيفية 

ففي مالي يُعد قطاع التعدين الركيزة الأساسية للاقتصاد، ففي عام 2022 ساهم التعدين بنسبة 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي و76% من عائدات التصدير و34.8% من إيرادات الدولة، لذا أنتجت باماكو تشريعًا في عام 2023 يهدف إلى معالجة الآثار والأضرار البيئية للتعدين ومعالجة انخفاض عائدات التعدين، وذلك أسوة بقرارات اتخذتها تنزانيا وزامبيا والكونغو الديمقراطية في هذا الاتجاه.

شملت تلك الإصلاحات زيادة متطلبات ملكية الدولة في المناجم ما بين 10% و30% ورفع معدلات الضرائب وزيادة نسبة المكون المحلي خاصة في العمالة وتعزيز المسؤولية البيئية والمجتمعية لشركات التعدين وزيادة التزاماتها المجتمعية، كما تم إلغاء الإعفاءات الضريبية، فعلى سبيل المثال كانت تتمتع شركات التعدين الأجنبية بامتياز ضريبي يقدر بـ 25% لمدة 15 عامًا، وأخيرًا تم فرض رسومًا على الإنتاج بنسبة 10% على الكمية التي تتجاوز الكمية المتوقعة.

سرقة النفط في إفريقيا - أرشيفية 
سرقة النفط في إفريقيا - أرشيفية 

وختامًا:

 يُمكن القول إن ممارسة سيادة أكبر على الموارد الطبيعية لضمان رفاهية سكان الدولة يُمكن اعتبارها قومية مواردية مسؤولة، وذلك لتمكين تلك الدول من مواجهة التهديدات العسكرية والأمنية، فمن خلال توفير العائدات وفرص العمل، يُمكن لقطاع التعدين أن يلعب دورًا محوريًا في معالجة هذه التهديدات.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء