فضيحة أمنية في تل أبيب: مُجنَّد وهمي يخترق غرف العمليات ويسرّب المعلومات
في الأيام الأخيرة، كشفت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية عن واحدة من أغرب قضايا عدم الانضباط والتفلت داخل الجيش الإسرائيلي، إذ أفادت القناة أن مواطنًا إسرائيليًا يُدعى أساف شموئيلوفيتش نجح في التسلل إلى غرفة العمليات المركزية للمنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي في أعقاب هجمات 7 أكتوبر.
انتحل شموئيلوفيتش صفة ضابط احتياط بالجيش برتبة نقيب، وتمكن خلال الأيام الأولى من حرب 7 أكتوبر من التجول في غرف القيادة، مطلعًا على المحادثات والأسرار الحساسة للجيش الإسرائيلي، كما عكف على تمرير وتسريب تلك المحادثات إلى أصدقائه عبر تطبيق "واتس آب"، وهو ما شكّل اختراقًا أمنيًا خطيرًا داخل الجيش الإسرائيلي.
سبق أن التحق شموئيلوفيتش بوحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، بما يعني أنه كان على دراية شديدة بأسلوب العمل العسكري، فضلًا عن علاقاته مع كبار الضباط، وهو ما سهّل له عملية الانتحال وحضور اجتماعات كبار الضباط، كما تمكن من حضور إحدى اجتماعات يوآف جالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، ودون شموئيلوفيتش ملاحظاته خلال ذلك الاجتماع.
ليس من المعلوم كم المدة التي قضاها شموئيلوفيتش كضابط متخفٍّ في القيادة الإسرائيلية، إلا أن القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أفادت بأنه معتقل منذ عامين تحت قيد التحقيقات، بما يعني أنه تم الكشف عن قصته في نهاية 2023 أو مطلع 2024، أي أنه كُشف في الشهور الأولى للمعركة.

دلالات الاختراق الأمني
كشفت حادثة المواطن شموئيلوفيتش عن مدى هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية خلال أوقات الصدمات والأزمات الكبرى، ففي أثناء تلك الصدمات تصل منظومة الأمن والاستخبارات إلى أدنى درجاتها، الأمر الذي يعطي انطباعًا لدى أعداء إسرائيل بأن ذلك هو أفضل توقيت يمكن اختراق إسرائيل فيه أمنيًا وعسكريًا. كما تكشف عملية شموئيلوفيتش عن العديد من الكوارث الانضباطية داخل الجيش الإسرائيلي، أبرزها على الإطلاق:
أولًا: افتقار عنصر الضباط
يشكّل الضباط عملة نادرة في الجيش الإسرائيلي بصفة خاصة، فالجيش يقوم على فكرة الاحتياط، ويعطي امتيازات كبرى للجنود الاحتياط، الأمر الذي يدفع العديد من الضباط في الرتب الدنيا إلى التقاعد من وظائفهم والالتحاق بسلك الاحتياط للحصول على حوافز مالية أعلى، وهو ما أدى إلى معاناة إسرائيل المستمرة من عجز الضباط لديها. ولعل تلك المسألة هي ما منعت عملية التحقق من هوية شموئيلوفيتش، فالحاجة الملحّة لوجود ضباط في رتب متوسطة داخل الجيش الإسرائيلي لعلها هي من سهّلت مهمة شموئيلوفيتش الانتحالية، وعدم اهتمام الضباط الكبار بالتحقق من هوية الضابط المزيّف.

ولتوضيح أهمية تلك القضية، رفع الجيش تقريرًا إلى رئيس هيئة الأركان إيال زامير، نقلته القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، أوضح فيه وجود عجز في سلك الضباط في الجيش يُقدَّر بحوالي 1300 ضابط، وأن العجز طال جميع الوحدات القتالية، وأن العجز محصور من رتبة ملازم حتى رتبة نقيب، كما أن 30% من كبار قادة الجيش الإسرائيليين سيغادرون مناصبهم في بداية العام الجاري.
ثانيًا: تسلل المدنيين
بمناسبة اختراق مدنيين لاجتماعات الجيش الإسرائيلي (عملية شموئيلوفيتش)، كشف اللواء احتياط موتي باروخ عن كمية الثغرات في بروتوكولات السلامة، والاستخدام الخاطئ للأسلحة، فضلًا عن تسلل المدنيين إلى مناطق القتال دون أية تصاريح رسمية، مثل قضية الباحث في علم الآثار زئيف إرليخ، الذي قُتل في شهر نوفمبر 2024 حينما تسلل إلى قيادة لواء جولاني وشارك في عمليات الجيش ضد حزب الله، إلا أن صاروخًا للحزب عاجله وقضى عليه.
هذا فضلًا عن انتشار استخدام الهواتف المحمولة من قبل عناصر الجيش وبثهم لقطات حساسة من ساحات المعارك على وسائل التواصل الاجتماعي، وجاء تقرير باروخ في مطلع يناير 2025 بعدما تم تكليفه من قبل رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق، الجنرال هرتسي هاليفي.
ثالثًا: فوضى عارمة
تعددت صور الفوضى يوم 7 أكتوبر داخل الجيش الإسرائيلي، فعملية اختراق شموئيلوفيتش لقيادة المنطقة الجنوبية لم تكن الصورة الوحيدة للفوضى، بل رافقتها صور أخرى؛ فمثلًا فشل الجيش الإسرائيلي في تنفيذ أي هجوم مضاد في ذلك اليوم، وأتى أول هجوم منظم يوم 9 أكتوبر، أي بعد يومين من هجمات 7 أكتوبر. كما كشفت عملية حشد القوات على طول الجبهة مع غزة صورة كبيرة من حالة الفوضى في الجيش الإسرائيلي، إذ كشفت هجمات 7 أكتوبر عن افتقار الجيش إلى وسائل نقل الجنود بالدرجة الكافية، لذا لجأ الجنود والضباط إلى استخدام سياراتهم الخاصة، ومركبات النقل العام، وحافلات المدارس من أجل الوصول إلى الجبهة، كما شهدت نقاط التجمع في محطات الوقود ومحطات الحافلات تكدسًا كبيرًا من الجنود تمهيدًا لتوزيعهم على النقاط القتالية.

رابعًا: التسييس في مقابل المهنية
نقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها في ملف شموئيلوفيتش هي حالة التسييس التي بات عليها العديد من قادة الجيش الإسرائيلي، فالعديد من القادة العسكريين في الجيش الإسرائيلي باتوا يمتلكون أدوارًا سياسية في الشارع الإسرائيلي، وأن عملية الترقّي والتقدم في الجيش الإسرائيلي باتت مرتبطة أكثر بمدى الاقتراب من السلطة والنفوذ، وهو ما أدى في النهاية إلى غلبة أمر التسييس في اختيارات القادة العسكريين، الذين عادة ما يفتقرون إلى الخبرات والقدرات الفنية اللازمة، وهو الأمر الذي قد يسمح بخروقات أمنية كبيرة كقضية شموئيلوفيتش.
خامسًا: ما لم تخبرنا به تل أبيب
في محض حديثها عن أزمة الجندي شموئيلوفيتش، أوضحت المصادر الإعلامية الإسرائيلية أن الضابط المزيّف اخترق الجيش الإسرائيلي بدافع فضول شخصي للتباهي أمام أصدقائه بالمعلومات التي يمتلكها، وأنه لم يتم تسريب أية معلومات من تلك المعلومات إلى أي جهة خارج إسرائيل. لكن إذا فتشنا وراء الرواية الإسرائيلية نجد أنها تحاول إبعادنا تمامًا عن الفرضية الأكثر خطورة، وهي ما إذا كان شموئيلوفيتش عميلًا لحماس، وأن الحركة قد جنّدته للعمل لحسابها، خاصة أن الحركة تمتلك العديد من الخبرات في مجال التجسس على إسرائيل. فيكفي القول إنها نجحت في خداع الجانب الإسرائيلي فيما يخص هجمات 7 أكتوبر، كما أنها كانت بارعة في عملية العملاء المزدوجين. فعلى سبيل المثال، بعد أحد الرشقات الصاروخية لحماس تجاه إسرائيل في بداية الحرب، صرحت الحركة بأن تلك الصواريخ سبق أن أعلنت إسرائيل عن تدميرها، مما يعني أن الحركة نجحت في تمرير معلومات للاستخبارات الإسرائيلية عبر العملاء المزدوجين تفيد بتدمير تلك الصواريخ، لكن في الحقيقة نجحت الحركة في تضليل الاستخبارات الإسرائيلية وقتها. لذا ليس بعيدًا عن الحركة أن تقوم بتجنيد شموئيلوفيتش وإعادة زرعه في وسط القيادة الإسرائيلية.
ختامَا:
تكشف قضية أساف شموئيلوفيتش عن عمق الأزمة البنيوية التي يمر بها الجيش الإسرائيلي، حيث لم يعد الخطر محصورًا في التهديدات الخارجية، بل بات نابعًا من الداخل ذاته. فالاختراق الذي نفذه مدني داخل غرف العمليات الحساسة يعكس حالة غير مسبوقة من الفوضى والانضباط الهش، ويطرح تساؤلات جدية حول كفاءة منظومة التحقق والرقابة في أوقات الأزمات. وبين رواية «الفضول الفردي» والاحتمالات الأخطر المرتبطة بالتجنيد الاستخباراتي، تبقى الحقيقة الأهم أن ما جرى هو مؤشر على تراجع المهنية لصالح الارتباك والتسييس، وهي معادلة تهدد ليس فقط صورة الجيش الإسرائيلي، بل قدرته الفعلية على إدارة الحروب وحماية أمنه القومي في المراحل المقبلة.



