حرب النفوذ: تمدد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين يهدد شرعية الدولة في مالي
تعد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" من أخطر الجماعات الجهادية في منطقة الساحل والصحراء في إفريقيا، إذ تعتبر مسئولة عن ما يقارب 64% من الهجمات في منطقة الساحل منذ عام 2017 وحتى الآن، كما بسطت الجماعة سيطرتها على معظم مالي وشنت سلسلة من الهجمات المنسقة في أنحاء مالي خلال الأشهر الأخيرة مستولية بذلك على بنية تحتية واستهداف قوافل وشاحنات الوقود وفرض حصار خانق على العاصمة.
ولاتزال أزمة خناق العاصمة في دولة مالي باماكو مستمرة فميليشيات جبهة "نصرة الاسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم "القاعدة" لاتزال تحاصر العاصمة وتمنع عنها الإمدادات النفطية والمواد الغذائية الأمر الذي وضع قيادة البلاد في حرج شديد، وخلال الفترة الماضية سعى الجيش المالي في اتخاذ العديد من السياسيات التي من شأنها فك الحصار عن العاصمة إلي أن معظم الجهود لم تؤتي بنتائج مرجوة.
حصار باماكو أو حرب الوقود كلفت النظام السياسي الكثير إذ فقد الكثير من شرعيته السياسية ونتيجة ذلك لجأ مؤخرا إلى تعيين أحد القادة العسكريين المشهورين بالنزاهة والحيادية قائدا لعملية عسكرية أخيرة لرفع حصار الوقود.
في 13 يناير الماضي تم تعيين العميد فاموكي كامارا قائد الحرس الوطني في مالي عام 2023 قائدا لعملية "فوكا كينيه" والتي تعني باللغة المحلية "عملية التطهير" ويسعي رئيس مالي آسمي غويتا الاستفادة من القدرات العسكرية لـ كامارا في فك الحصار المفروض على بماكو وتحقيق الانتصار في حرب الوقود.
يواجه كامارا حاليا مهمة صعبة فجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" نجحت في قطع طرق النقل البري مما أدي إلى تخفيض امدادات الوقود بنحو 80 % حيث تم استهداف قوافل الوقود القادمة من كوت ديفوار وغينيا وموريتانيا والسنغال وهو ما أثر على عملية توليد الكهرباء ودعم الأمن الغذائي.

يمتلك كامارا خبرة وسيرة ذاتية قوية في مالي هي من أهلته لتعيينه في قيادة تلك العملية فعلي سبيل المثال خلال بطولة الأمم الإفريقية عام 2002 في بماكو كان مسئولًا عن التدخل المكلف بتأمين البطولة، وفي عام 2012 انضم إلي الوفد المكلف بوضع تصور لعمليات بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي "مبنوسما"، وخلال الفترة من عام 2017 وحتي عام 2018 ترأس كامارا عمليات مكافحة الإرهاب في المديرية العامة للأمن الخارجي والتي تعتبر الركيزة الرئيسية في الاستخبارات المالية.
رغم الإمكانيات والخبرات التي يمتلكها كامارا إلا أن ثمة تخوفات كبري من عدم قدرته على مواجهة جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" والتي تمتلك العديد من النفوذ والقبول الشعبي في بعض الأوساط المجتمعية في مالي خاصة في المناطق الوسطى والشمالية ويعود ذلك إلي العديد من الأسباب أبرزها:
أولًا: تآكل الثقة المجتمعية بالدولة
منذ تحقيق الاستقلال في بداية الستينيات وإلى اليوم تميزت تلك الفترة التاريخية والتي امتدت لعقود طويلة بالإهمال والتهميش وزيادة نسبة الفساد وبروز قضية المركز والهامش، فالمجتمعات البعيدة من مركزية السلطة كانت تعاني من التهميش الاجتماعي والسياسي الأمر الذي ساهم في النهاية في تآكل ثقة الجمهور في الحكومات المتعاقبة كما أنها أيضا أدت إلى اسقاط صفة المواطنة من نفوس مواطني الجماعات المهمشة.
ثانيًا: فشل الأوليغاركية العسكرية الجديدة
خلال السنوات القليلة الماضية تعرضت دول الساحل والصحراء لانقلابات عسكرية فمالي على سبيل المثال شهدت انقلابين عسكريين أما بوركينافاسو النيجر فكلاهما شهدا انقلابًا عسكريًا، أتت الانقلابات الأخيرة بقادة عسكريين في متوسط العمر تبنوا أفكار راديكالية على السياسات الماضية الموالية للقوى الغربية، إلا أنه وبعد مرور سنوات على تلك الانقلابات لم نشهد تطورًا ملحوظًا في قدرات تلك الدول في مواجهة الجماعات المتطرفة الأمر الذي رسخ قناعة شعبية بأن جماعة "نصرة الاسلام والمسلمين"، هي النظام القادم في دول الساحل وتزايد هذا الشعور بعد نجاح تجربة طالبان في أفغانستان ونجاح تجربة "هيئة تحرير الشام" في سوريا.
ثالثًا: المساواة العرقية
تتميز الدول الإفريقية عادة بتنوع عرقي فريد، فالمجمع في أي دولة إفريقية عبارة عن فسيفساء متنوعة من الجماعات العرقية هو ما سبب في أزمات اجتماعية وسياسية إذ عادة ما يلجأ النظام إلى إبراز عرقية واحدة التي ينتمي إليها أعضاء النظام على حساب بقية العرقيات الأخرى، لكن الأمر مختلف تماما في جبهة نصرة الإسلام والمسلمين التي نجحت في تجاوز الأمر العرقي والإثني فهي تضم في طياتها العديد من الجماعات والعناصر المنتمية إلي جماعات الطوارق والعرب والهوسا والفولاني والسونغاي والبامبارا، وهو ما مكنها فعليا في التدخل بفعالية في النزاعات المجتمعية وباتت تتولي جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" مسألة القضاء العرفي في مالي والدول المجاورة لها.

رابعًا: التحرر الاجتماعي
كما ذكرت في السابق أن سياسات الفساد والاهمال أدت إلى وجود مجتمعات المهمشين في العديد من المناطق في مالي، وحاليًا تلعب الجماعة دورًا كبيرًا في اجتذاب تلك العناصر المهمشة والتي تري أن الانخراط في سلك الجماعة سبيلًا لتحقيق التحرر الاجتماعي.
خامسًا: الحقوق الجندرية
من ضمن الأمور التي ساهمت في تعزيز الحواضن الاجتماعية لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" يتمثل في تدخلها في مسألة تسيير الزواج لدى الشباب، إذ نجحت الجماعة في تخفيض المهور في المناطق الواقعة تحت سيطرتها الأمر الذي إلى رفع شعبية تلك الجماعة في الأوساط الشبابية في مالي.
كما لعبت المحاكم التابعة للجماعة في توفير الحماية المجتمعية للنساء في المجتمعات المحلية في مالي من أخطار مثل الزواج القسري والاغتصاب الأمر الذي جعل خيار الانضمام للجماعة خيارًا مفضلًا للنساء والشابات في مالي.
ختامًا:
تُظهر تجربة تمدد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لوقف جماعات مسلحة تمتلك شبكة اجتماعية واسعة وتستفيد من أخطاء الدولة ومشكلات الهامش. فالجماعة لم تنجح فقط في توسيع نفوذها عبر العنف، بل استطاعت أيضًا استثمار الفراغ الأمني والاجتماعي والسياسي لتقديم نفسها كبديل يوفر خدمات وحماية، حتى وإن كانت مشروطة بنمط متطرف من الحكم.

وبالتالي، فإن أي استراتيجية لمواجهة هذه الجماعة يجب أن تتجاوز المحاور العسكرية إلى معالجة جذور الأزمة: الفساد والتهميش وغياب العدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية. وإلا فإن المواجهة ستظل تدور في حلقة مفرغة، وستظل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" تستغل الفراغ لتوسيع سيطرتها وتحقيق أهدافها في مالي والمنطقة.



