رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الصين في حسابات واشنطن: قراءة في ملامح استراتيجية الأمن القومي الأمريكي

الرئيس ترامب  والرئيس
الرئيس ترامب والرئيس الصيني - أرشيفية

للمرة الثالثة خلال ثماني أعوام، أولت الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض اهتمامًا بالغًا بالصين، بدايةً من استراتيجية الولايات المتحدة الدفاعية لعام 2018، التي وصفتها بأنها التهديد الأكبر للأمن الأمريكي، وتكرر هذا التوجه في استراتيجية إدارة الرئيس السابق جو بايدن لعام 2022، فيما شهدت استراتيجية 2026، التي أعلنتها وزارة الحرب مساء الجمعة 23 يناير، استمرار تركيز واشنطن على الدبلوماسية مع الصين.

وجاءت استراتيجية الأمن القومي لهذا العام لتعكس تحولًا لافتًا في طريقة مقاربة واشنطن لصعود الصين، ليس فقط من حيث ترتيبها داخل سلم التهديدات، بل من حيث طبيعة التعامل معها؛ فبدلًا من الخطاب الصدامي الذي هيمن على وثائق سابقة، بدت الصين حاضرة هذه المرة بوصفها منافسًا استراتيجيًا تُدار معه معركة طويلة الأمد، أساسها الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد، أكثر من كونها مواجهة عسكرية مباشرة مفتوحة.

الرئيس الصيني -  شي جين بينغ
الرئيس الصيني -  شي جين بينغ

اللافت أن الاستراتيجية ذكرت الصين للمرة الثالثة ضمن إطار يبتعد عن التصعيد الأيديولوجي، ويقترب من البراجماتية الأمريكية التي تعطي الأولوية لأمن الداخل وتعافي القوة الاقتصادية، ويعكس هذا التحول إعادة ضبط للأدوات والوسائل، في ظل إدراك متزايد بأن المنافسة مع بكين باتت شاملة ومعقدة، ولا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوقها الاقتصادي والتقني في نظام دولي يتجه نحو تعددية أكثر وضوحًا.

تحولات الخطاب الأمريكي 

تراجعت لغة المواجهة الصفرية التي طغت على وثائق سابقة، لصالح توصيف أكثر مرونة يضع بكين في خانة المنافس الاستراتيجي طويل الأمد؛ هذا التحول لا يعني تقليلًا من خطورة الصين على مصالح واشنطن، بقدر ما يعكس إدراكًا بأن التعامل معها يتطلب إدارة تنافس معقد، وليس صدامًا مباشرًا مفتوحًا.

تُظهر الوثيقة الأخيرة ميلًا إلى الفصل بين مفهوم التهديد والمنافسة، إذ لم تعد الصين الخطر الأول أو الخصم الوجودي، بل قوة صاعدة تفرض تحديات متراكبة على النظام الدولي، ويأتي ذلك في سياق مراجعة أمريكية أوسع لتجارب المواجهة الشاملة، التي أثبتت كلفتها السياسية والاقتصادية خلال العقدين الماضيين.

كما أن تقليص الحضور الأيديولوجي في توصيف العلاقة مع الصين يعكس توجهًا نحو الواقعية السياسية، حيث باتت الأولوية لحماية المصالح الأمريكية المباشرة، لا لخوض معارك قيمية مفتوحة، وهو ما يمنح واشنطن هامشًا أوسع للمناورة بين الاحتواء والتعاون الانتقائي دون الالتزام بمنطق العداء المطلق.

وزير الدفاع الصيني - دونج جونج 
وزير الدفاع الصيني - دونج جونج 

صراع المنافسة

تضع استراتيجية 2026 الاقتصاد والتكنولوجيا على رأس أدوات المنافسة مع الصين، معتبرةً أن التفوق في هذين المجالين بات ركيزة أساسية للأمن القومي الأمريكي، وبدلًا من التركيز على القوة العسكرية التقليدية، تشدد الوثيقة على أهمية حماية سلاسل التوريد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الصين في القطاعات الحيوية.

وفق هذا التصور، تمثل الصين تحديًا بنيويًا للقدرة الأمريكية على الحفاظ على ريادتها الصناعية والتكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، ومن هنا تتعامل الاستراتيجية مع المنافسة باعتبارها سباقًا طويل الأمد على النفوذ الاقتصادي والمعرفي.

كما تكشف الوثيقة عن انتقال الصراع من كونه نزاعًا جغرافيًا إلى منافسة على قواعد النظام الاقتصادي العالمي، حيث تسعى واشنطن إلى إعادة صياغة شبكات التجارة والتصنيع بما يحد من النفوذ الصيني المتنامي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن موازين القوى المستقبلية ستُحسم داخل المصانع والمعامل، لا في ساحات القتال فقط.

وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث
وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث

تؤكد الوثيقة التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على توازن القوى الإقليمي، وحماية حرية الملاحة، ومنع أي تغييرات قسرية في الملفات الحساسة مثل تايوان، لكن هذا الالتزام يأتي ضمن إطار الردع الوقائي، الذي يهدف إلى تقليص فرص التصعيد العسكري بدلًا من دفعه.

وتحاول واشنطن ضبط الإيقاع العسكري وتفادي الانجرار إلى سباق تسلح مفتوح، وهو توجه يتماشى مع سعي إدارة ترامب إلى توزيع مواردها العسكرية على أكثر من جبهة عالمية في آن واحد.

رئيس الاركان في الجيش الأمريكي -  دان كين
رئيس الاركان في الجيش الأمريكي -  دان كين

قراءة مستقبلية 

تقدم استراتيجية الأمن القومي تصورًا لمستقبل العلاقة مع الصين يقوم على إدارة التنافس لا حسمه، فالوثيقة لا تطرح سيناريو صدام حتمي، ولا تتحدث عن احتواء كامل، بل عن مسار طويل من المنافسة المنظمة التي تتخللها مساحات احتكاك وتعاون محدود.

هذا التوجه يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن العلاقة مع الصين باتت شديدة التعقيد، وأن أي محاولة لحسمها عسكريًا أو اقتصاديًا قد تنعكس سلبًا على الاستقرار العالمي؛ لذلك تركز الاستراتيجية على بناء القدرة الأمريكية الذاتية كأداة أساسية لمواجهة التحدي الصيني.

وبحسب المسودة المعلنة من وزارة الحرب، فإن حماية أمن الداخل الأمريكي، والاستقرار الاقتصادي، وحماية البنية التحتية باتت تتقدم على المنافسات الخارجية المفتوحة، وفي هذا السياق تُدرج الصين كعامل مؤثر في هذه الملفات، لا كخطر عسكري مباشر يفرض استنزافًا فوريًا للموارد.

هذا التراجع النسبي في مركزية الصين لا يعني تقليص الاهتمام بها، بل إعادة توزيع للجهد الأمريكي، بحيث تُدار المنافسة معها بأدوات أقل تكلفة وأكثر استدامة، وهو ما يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي من منطق المواجهة إلى منطق التحصين الذاتي.

ختامًا:

 لا تُغلق الوثيقة باب التصعيد، لكنها تسعى إلى تأجيله وإدارته عبر توازن دقيق بين الردع والتكيف، وهو ما يشير إلى أن المنافسة الأمريكية–الصينية في المرحلة المقبلة ستكون أقل ضجيجًا، لكنها أكثر عمقًا وتأثيرًا في تشكيل النظام الدولي.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء