رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أفغانستان في خطاب ترامب: صدام أمريكي أوروبي حول أعباء الحرب

القوات الأمريكية
القوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية

عقب مرور 25 عامًا على الحرب التي استمرت عقدين، يعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح ملف الحرب على أفغانستان ودور الحلفاء من أعضاء حلف شمال الأطلسي فيها، إذ قال، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز: "سيقولون إنهم أرسلوا قوات إلى أفغانستان... وهذا صحيح، لكنها بقيت بعيدة إلى حدٍّ ما عن الخطوط الأمامية، ولست واثقًا أننا سنجدهم لو احتجنا إليهم"، وهو التصريح الذي فجّر حالة غضب أوروبي من التقليل الأمريكي من تضحيات الجنود في كابول.

وجاءت ردود القادة الأوروبيين على ترامب، المعروف بتهربه من الخدمة العسكرية خمس مرات خلال حرب فيتنام في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بأن يعيد النظر في تصريحاته، فهو إما يجهل الحقيقة أو يعلمها ويتعمد الكذب. وقال وزير الرعاية الاجتماعية البريطاني، ستيفن كينوك، إن المادة الخامسة من ميثاق الناتو لم تُفعَّل إلا لمساندة الولايات المتحدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، موضحًا أنه "واثق تمامًا" بأن رئيس الوزراء كير ستارمر "سيعبر بوضوح شديد" عن موقفه للرئيس الأمريكي.

قيادات الجيش الأمريكي - أرشيفية 
قيادات الجيش الأمريكي - أرشيفية 

فيما وثقت جمعية قدامى المحاربين الخيرية "المساعدة للأبطال" Help for Heroes، مقتل أكثر من 1100 جندي من قوات التحالف غير الأمريكية منذ بدء الحرب عام 2001، غالبيتهم من دول الناتو، إضافة إلى أكثر من 2300 قتيل من القوات الأمريكية.

وبينما يركز الكثيرون على البعد العسكري للحرب، يرى ترامب أن المشكلة الأساسية تكمن في توزيع الأعباء وعدم تحقيق نتائج ملموسة على الأرض. هذا الموقف يفتح الباب لتحليل تأثير سياسات واشنطن على دور الحلفاء الأوروبيين، وكذلك على استراتيجية الناتو في المهام العسكرية البعيدة، ما يجعل من الضروري دراسة التداعيات السياسية والمالية لهذه المشاركة بشكل أكثر عمقًا.

إعادة تعريف دور الناتو

ترك انتقاد ترامب أثرًا واضحًا على النقاش حول مستقبل الناتو، حيث أصبح السؤال عن توزيع الأعباء والمشاركة الفعالة للحلفاء محورًا أساسيًا، إذ يطالب الرئيس الأمريكي بزيادة مساهمات الدول الأعضاء أو تقليص المشاركة في مهام بعيدة عن أوروبا، لتخفيف الضغط على الولايات المتحدة.

<span style=القوات الالقوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية أمريكية في أفغانستان ">
القوات الالقوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية أمريكية في أفغانستان 

هذا الموقف دفع الحلفاء إلى إعادة تقييم دورهم في مهام خارج حدود القارة الأوروبية، مع التركيز على تعزيز الاستقلالية الدفاعية والقدرة على تحمل نصيب أكبر من الأعباء. ومع ذلك، تتوالى الانتقادات على السير كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، حيث اتهم ترامب بالتقليل من شأن الجنود البريطانيين الذين سقطوا في الحرب، ويُقدَّر عددهم بحوالي 400 جندي.

في المقابل، يثير تقليص مشاركة الناتو أو إعادة تعريف مهامه تساؤلات حول قدرة الحلف على الحفاظ على مصداقيته والتزاماته الدولية في أزمات مشابهة، خصوصًا في مناطق صراع بعيدة جغرافيًا، في حال انتهت تمامًا العلاقة بين الناتو وواشنطن.

القوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية 
القوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية 

عبء التكلفة المالية

يعتبر ترامب أن الولايات المتحدة تحملت الجزء الأكبر من تكاليف الحرب في أفغانستان، سواء على صعيد الموارد المالية أو الخسائر البشرية، بينما تساهم الدول الأوروبية بأشكال رمزية أو محدودة، إذ كانت أمريكا تدفع مليارات الدولارات سنويًا لدعم القوات والمعدات والبنية التحتية العسكرية.

يرى ترامب أن هذا التفاوت يعكس عدم عدالة في توزيع المسؤوليات بين أعضاء الناتو، ويطرح تساؤلات حول مدى استدامة استمرار هذه المشاركة طويلة الأمد، في ظل تأثيرها على الميزانية الدفاعية الأمريكية.

ولا تزال النقاشات داخل الولايات المتحدة تُثار حول أولوية توجيه الموارد نحو الأمن الداخلي أو مواجهة تهديدات أخرى أكثر قربًا من المصالح الأمريكية المباشرة.

ووفقًا لوزارة الدفاع الأمريكية، بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان من أكتوبر 2001 وحتى سبتمبر 2019 نحو 778 مليار دولار، فيما أنفقت وزارة الخارجية، إلى جانب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووكالات حكومية أخرى، نحو 44 مليار دولار على مشاريع إعادة الإعمار.

القوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية 
القوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية 

جدوى المهمة العسكرية

رغم مرور عقدين على التدخل العسكري، ما زال الاستقرار في أفغانستان هشًا، وهو ما يراه ترامب دليلًا على محدودية فعالية العمليات العسكرية للحلف، وأن استمرار الصراع يعكس فشل الحلف في تحقيق تحول سياسي مستدام، ويطرح علامات استفهام حول استراتيجية الناتو في إدارة الصراعات الطويلة.

كما أن الاعتماد على الدعم الأمريكي الكبير جعل نجاح المهمة مرتبطًا بشكل أساسي بقدرة واشنطن على الاستمرار في التمويل والعمليات، مما يضعف دور الحلفاء ويزيد من الضغط على القيادة الأمريكية. لذلك دفع هذا الواقع إلى التساؤل عن جدوى بقاء القوات الأمريكية في مناطق بعيدة عن المصالح المباشرة للولايات المتحدة، خاصة في ظل تهديدات أخرى أكثر إلحاحًا على الصعيد الدولي.

طالبان أفغانستان - أرشيفية 
طالبان أفغانستان - أرشيفية 

البعد السياسي

استخدم ترامب موقفه من حرب أفغانستان لتعزيز خطابه السياسي الداخلي، مع التركيز على شعار "أمريكا أولًا" وضرورة إعادة الجنود إلى الوطن. هذا الانتقاد مكّنه من تصوير نفسه كرئيس يسعى لتقليص الالتزامات الخارجية المكلفة، والحد من الحروب التي لا تحقق أهدافًا واضحة.

كما ساعد هذا الموقف في تعزيز شعبيته بين قاعدة انتخابية ترى أن الولايات المتحدة تتحمل أعباءً كبيرة دون أن يستفيد الشعب الأمريكي بشكل مباشر. بالإضافة إلى ذلك، أثار انتقاد ترامب للناتو جدلًا داخليًا حول دور الكونجرس في مراقبة الحروب الخارجية، ومدى قدرة الإدارة الأمريكية على فرض إعادة تعريف المشاركة في التحالفات الدولية.

وكان حجم الإنفاق العسكري لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد بلغ خلال عام 2024 نحو 1.5 تريليون دولار، 66% منه، أي نحو تريليون دولار، تتحمله الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بحسب بيانات "ستاتيستا" و"الناتو".

ووفقًا للأرقام المعدلة بأسعار عام 2021، سيبلغ الإنفاق الدفاعي للحلف 1.4 تريليون دولار، منها 845 مليار دولار مخصصة للولايات المتحدة وحدها، أي أكثر من نصف إجمالي ميزانية الحلف.

القوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية 
القوات الأمريكية في أفغانستان - أرشيفية 

ختامًا:

تبرز انتقادات ترامب لمشاركة الناتو في أفغانستان كنموذج للتحديات التي تواجه التحالفات الدولية، سواء على صعيد توزيع الأعباء أو جدوى التدخل العسكري في صراعات طويلة الأمد. وما بين التكلفة المالية والسياسية، يظهر جليًا أن إعادة تقييم دور الحلفاء والمشاركة الأمريكية ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التحالف وتحقيق أهداف ملموسة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء