رهان فبراير: البرتغال بين الاستقلال الأوروبي والتبعية الأمريكية
على الرغم من الإعلان عن فرص قوية لفوز المرشح اليميني أندريه فينتورا، زعيم حزب "شيغا" اليميني المتطرف، في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية البرتغالية، جاءت المفاجأة في تفوق أنطونيو جوزيه سيجورو، الزعيم السابق للحزب الاشتراكي، بنسبة 31%، بفارق 2% عن فينتورا، مما يضع البرتغال أمام جولة إعادة تاريخية في الثامن من فبراير المقبل ستكون حاسمة في تحديد منصب الرئيس.
وتأتي هذه النتائج لتكسر حالة الهدوء السياسي في لشبونة، حيث لم تشهد البرتغال جولة إعادة رئاسية منذ أربعة عقود، وهو ما يعكس انقسامًا شعبيًا حادًا بين تيار "الاستقرار المؤسسي" الذي يمثله سيجورو، وموجة "التغيير الراديكالي" التي يقودها فينتورا.
ومع اقتراب الحسم، لم يعد السباق مجرد منافسة عادية على منصب الرئيس، بل تحول إلى استفتاء شعبي حول هوية البرتغال السياسية ومكانتها في القارة الأوروبية المضطربة، إذ لا ينفصل المشهد في لشبونة عن التجاذبات الكبرى العابرة للمحيط.

دبلوماسية الترهيب
جاءت نتائج الجولة الأولى لتضع البرتغال في قلب المواجهة الأوروبية-الأمريكية المشتعلة حول "أزمة جرينلاند"؛ فبينما يلوح البيت الأبيض بفرض رسوم جمركية عقابية تتراوح بين 15% و25% على الحلفاء المعارضين لخطط الاستحواذ على الجزيرة، عكس تقدم أنطونيو جوزيه سيجورو بنسبة 31% تمسك الناخب البرتغالي بالخط السيادي للاتحاد الأوروبي ورفض سياسات الإملاءات الخارجية.
ويُنظر إلى هذا الاختيار الشعبي في بروكسل كرسالة صمود في مواجهة دبلوماسية العقوبات التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الحالية لتفكيك وحدة الموقف الأوروبي، إذ يمثل سيجورو التيار المتمسك بأداة مكافحة الإكراه الاقتصادي التي شرع الاتحاد الأوروبي في تفعيلها للرد على التهديدات الجمركية الأمريكية، مما يجعل لشبونة حلقة وصل متينة في جبهة الدفاع عن وحدة القارة.
وفي المقابل، أثار الخطاب الانتخابي للمرشح اليميني أندريه فينتورا مخاوف من إمكانية تحويل البرتغال إلى "حصان طروادة" أمريكي داخل التكتل، حيث لم يُخفِ إعجابه بنموذج القيادة في واشنطن، وهو ما يُعد تمهيدًا لتقديم تنازلات سيادية مقابل إعفاءات تجارية ثنائية، الأمر الذي كان سيضع السيادة الجمركية الأوروبية في مهب الريح.
وبناءً عليه، يمثل فوز تيار يسار الوسط في الجولة الأولى إجهاضًا لمخطط واشنطن الرامي إلى استبدال القادة التقليديين بوجوه يمينية أكثر مرونة تجاه المطامع التوسعية في القطب الشمالي، ويؤكد أن البرتغال لن تسمح بتحويل القواعد العسكرية الاستراتيجية في جزر الأزور إلى منصات لخدمة أجندة أمريكية أحادية الجانب تصطدم مع المصالح العليا لأوروبا.
الجسر الأطلسي
تُعد البرتغال رأس حربة جيوسياسية بالنسبة لواشنطن، إذ تسعى للتأثير على دول أمريكا الجنوبية، وبشكل خاص البرازيل؛ لذا كان صعود فينتورا يمثل الحلقة المفقودة في مشروع تشكيل محور يمين أممي يربط بين واشنطن ولشبونة وبوينس آيرس، لاستكمال حلقة الحصار السياسي حول الحكومات اليسارية في القارة اللاتينية.
ومع تصدر سيجورو للمشهد، تتعزز حظوظ البرتغال في الاستمرار كجسر دبلوماسي متوازن يحافظ على علاقات متينة مع دول الجنوب، بعيدًا عن الاستقطابات الأيديولوجية الحادة؛ فتيار يسار الوسط البرتغالي يتبنى رؤية قائمة على الشراكة الاستراتيجية مع البرازيل، ويرفض الانجرار وراء المخططات الأمريكية التي تسعى إلى استخدام القواسم الثقافية كأداة للتدخل السياسي.
وفي حال صعود الوسط إلى الرئاسة، ستكون الرسالة واضحة بأن البرتغال ترفض أن تكون ساحة خلفية للنزاعات الأمريكية-اللاتينية، مفضلة البقاء ضمن مظلة السياسة الخارجية الأوروبية المشتركة، التي تمنح الأولوية للحوار والتنمية المستدامة مع دول أمريكا الجنوبية.
صراع الإرادات
في ظل تصاعد التوترات العسكرية في القطب الشمالي ونشر القوات الأوروبية لمواجهة الأطماع في جرينلاند، تكتسب صلاحيات الرئيس البرتغالي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، أهمية قصوى؛ إذ يمتلك القدرة على تحديد مستوى الانخراط البرتغالي في التحالفات الدولية، أو الاعتراض على نشر قوات في مناطق نزاع حساسة.
وفي حال فوز سيجورو في جولة فبراير، سيعني ذلك بقاء المؤسسة العسكرية البرتغالية ضمن التنسيق الدفاعي المشترك للاتحاد الأوروبي، وهو ما يُجهض المساعي الأمريكية لعقد اتفاقيات أمنية «ثنائية» مع دول جنوب أوروبا، تهدف إلى تجاوز هيكلية الناتو التقليدية أو إضعاف الموقف الدفاعي الأوروبي الموحد في مواجهة التهديدات القطبية الجديدة.
وعلى الجانب الآخر، تخشى الدوائر الأمنية في بروكسل من خطاب فينتورا، الذي يمثل اليمين المتطرف ويرفع شعار "البرتغال أولًا"، إذ كان سيؤدي في جوهره إلى إخراج لشبونة من دائرة التضامن الأوروبي مقابل وعود أمنية أمريكية زائفة، مما قد يتسبب في ثغرة أمنية في ممر الأطلسي الحيوي، ويمنح واشنطن اليد الطولي في التحكم بحركة الملاحة العسكرية في المنطقة دون رقابة أوروبية.

وبينما يسعى تيار الوسط إلى الحفاظ على توازن القوى داخل الناتو وحماية استقلال القرار الدفاعي، يراهن الطرف الآخر على التماهي الكامل مع الأجندة الأمريكية، وهو ما يجعل من فوز سيجورو في الجولة الأولى صمام أمان لوحدة المؤسسات الدفاعية في القارة في مواجهة العواصف الأطلسية المقبلة.
ختامًا:
ستمثل نتائج جولة الإعادة في فبراير المقبل المختبر الأهم لقياس مدى قدرة أوروبا على الصمود في وجه المد اليميني القادم من واشنطن؛ فبين جولة أولى أعادت الاعتبار لتيار الوسط، وجولة إعادة حاسمة، يتوقف مصير التوازن الأطلسي على قدرة سيجورو على تحويل فوزه الرقمي إلى جبهة سيادية وطنية صلبة، تمنع تحول لشبونة من بوابة تاريخية لأوروبا إلى ساحة خلفية لسياسات الهيمنة الأمريكية الجديدة، التي تتخذ من جرينلاند ذريعة، ومن اليمين المتطرف وسيلة.
دعاء إمام*



